في الأسبوع الماضي تناول الاستحقاق الديمقراطي ثلاثة أمور هي إخراج النظم العربية الفاشلة الست من عثرتها، وتأسيس أحزاب سياسية كي تخرج المعارضة إلى النور، ودمج الحركات الدينية في الأحزاب السياسية المدنية لتجنب الخوف من هيمنتها على القرار حال تطبيق الاستحقاق الديمقراطي.
في هذا المضمار يتناول الاستحقاق ثلاثة أمور جديدة هي القضاء والانتخابات الحرة النزيهة والمجتمع المدني المتمدين.
استقلال القضاء
القضاء هو حصن أمان للدولة، وليس فقط لنظام سياسي زائل يحل محل غيره بانتخابات أو بغير انتخابات. بالقضاء العادل والحر والنزيه تستقيم أمور الدولة، حيث تصبح هناك سلطة حاكمة بين الخصوم. والخصوم هنا ليس هم الناس وبعضهم فقط، بل أيضا بين الحكام والمحكومين. العديد والعديد من المشكلات التي يُخلفها تأخير الاستحقاق الديمقراطي في مصر والوطن العربي تعود لعدم وجود قضاء حر ونزيه، يقول كلمته أمام السلطان. ليس هذا فحسب، بل أن مشكلات تأخر الاستحقاق الديمقراطي ترجع كذلك لعدم وجود قضاء قادر على أن يُقوم الحاكم نفسه بزجره حتى يُنفذ أحكام القضاء، النابعة بالأساس من الدستور والقانون، بافتراض نزاهة القضاء.
استقلال موازنات القضاء، وعدم اعتبار القضاة ضمن موظفي الدولة، وعدم تدخل أية جهة تنفيذية في تعيينات القضاة وترقياتهم وتنقلاتهم، وتسكين القضاة في المحاكم وفق ما تقتضيه المجالس القضائية وليست الحكومات.. إلخ كل ذلك يشكل وسيلة من وسائل وجود قضاء مستقل غير خانع أو جاثي أو خاضع للسلطة التنفيذية. في الآونة الأخيرة عرفت السلطات الحاكمة في مصر وفي أكثر من بلد عربي سياسة الإنتدابات، حيث تقوم بندب القضاة لجهات غير قضائية لبضعة أشهر أو سنوات معدودة، مقابل رواتب شهرية خيالية، وهذا الأمر يُعد واحدا من أكبر المفاسد التي ترتكبها السلطات التنفيذية العربية بحق السلطة القضائية، لكون الانتداب هو شراء مقنع لذمم القضاة، ومجاملة لهم، حيث يُنتظر أن يردوا الجميل بعد انتهاء انتدابهم وعودتهم لعملهم.
من الطرائق الأخرى المهمة التي يتحتم التوقف عنها مشاركة القضاة في الإشراف على الانتخابات، وهو أمر يتم في مصر والكويت فقط. فمشاركة القضاة في الانتخابات يُنزِل بهم لمستوى الاحتكاك المباشر بالناس وبالسلطة التنفيذية، مما يمِس نزاهتهم وصولجانهم وصورتهم المميزة الموضوعة على أبواب بعض المحاكم ممثلة في تماثيل معصوبة العينين لا تعرف الخصوم.
التدخل في تعيينات القضاة وتدريباتهم وترقياتهم من قبل السلطة التنفيذية على النحو الذي شاهدنا بدايته في مصر بعد حركة 30 يونيو 2013 ولا زال قائما من قِبل ما يُسمى بالأكاديمية العسكرية التابعة لوزارة الدفاع المصرية، هو أمر يُسهم في المس بنزاهتهم، ويُنذر بتلقيهم تعليمات من جهات غير قضائية تخص ممارسة وظيفتهم لاحقا.
الأحكام العسكرية للمدنيين الصادرة عن القضاء العسكري، تعد وسيلة أخرى من وسائل الإجهاز على القضاء الطبيعي الموصى به في كافة المواثيق الحقوقية الدولية آنفة الذكر. فهذا القضاء يُشكل نوعا من الإفتئات على القضاء المدني، وهو قضاء درجت العادة أنه قضاء غير عادل لكونه سريع الأحكام، ويمس حقوق الدفاع، ويُقلص درجات التقاضي ويحد من الطعون ونقض الأحكام.
وجود محاكم تتألف من قضاة وغير قضاة، كتلك التي تنشأ في بعض النظم السياسية، على النحو الذي جرى في مصر إبان عصري السادات ومبارك هو نوع آخر من انتهاك الحريات العامة والتقاضي النزيه والعادل.
ما من شك أن وجود قضاء مدني وعادل ونزيه يتصف بكافة الصفات آنفة الذكر هو واحد من أبرز الخصال التي يمكن أن يتألف منها أي نظام سياسي متمدين، تعد الديمقراطية وحقوق الإنسان ديدنه.
وجود مجتمع مدني راقي ومتمدين
في كافة النظم السياسية الديمقراطية العتيقة تنتشر مؤسسات المجتمع المدني الراقية وجماعات الضغط المستقلة، بل أن بعض البلدان كالولايات المتحدة الأمريكية ربما ينحسر فيها نشاط الأحزاب حيث تصبح مؤسسات موسمية تظهر إبان الانتخابات فقط، مقابل انتشار جماعات الضغط.
وجود النقابات المهنية والعمالية، ووجود الأندية الرياضية وغير الرياضية، وانتشار الجمعيات المرتبطة بمهن وثقافات وأنواع وفئات، وكثرة وجود الجمعيات الخيرية ذات الأعمال الاجتماعية الخيرية وغير الخيرية.. إلخ كل ذلك من مؤسسات غير رسمية هو في النهاية محصلة وجود استحقاق ديمقراطي، يدعم الهوية والشرعية والاندماج ومبدأ المشاركة في العمل العام، ومن ثم يحسر أية ممارسات غير شرعية كتلك المرتبطة بالعنف والإرهاب، ويجعل منها سلوكا منبوذا من قبل الناس قبل أن يكون منبوذا من السلطة.
الاحتكاك المستمر بين مؤسسات المجتمع المدني وجماعات الضغط وبين العامة وبين المؤسسات الرسمية في الدولة- والمؤسسات غير الرسمية الحزبية مثلا- كلها أمور ستجعل من البلدان العربية بلدانا متمدينة، وقادرة على الصمود أمام أية اعتداءات خارجية، كونها تصل بشرعية الحكم إلى حدود لا نطاق لها. وقيام تلك المؤسسات على الديمقراطية من داخلها، فيما تتخذه من قرارات وفي اختيار قياداتها وانتشارها الجغرافي في أركان البلد العربي الواحد، كلها أيضا أمور- مع اعتياد وجودها- تُسفر عن دفاع الناس عن تلك المؤسسات والذود عنها كركن رئيس من أركان النظام الديمقراطي في البلد العربي المعني، ومن ثم فإنها تُفضي إلى استهجان العنف واستبعاد قيامه، ليس فقط بين الناس والثقافات والطوائف والأديان المختلفة، بل وأيضا بين الحكام والمحكومين. وجود هذه المؤسسات تعمل بشكل مستقل عن السلطة، وتمنح الحرية في الحصول على مواردها دون أن تتهم بعمالة من الخارج أو خيانة لصالح عدو، مع إقرار بحقها في الإضراب والاعتصام والتظاهر دفاعا عن حقوقها، سوف تكون أكبر زاجر للحاكم لمنع الاستبداد وحكم الفرد.
دورية الانتخابات العامة الحرة النزيهة
يخطئ كثيرون عندما يعتبرون أن مجرد إقامة الانتخابات، وانعقادها بشكل دوري، يعد تنفيذا كافيا للاستحقاق الديمقراطي في النظام السياسي المعني. فالانتخابات وحدها لا تُعد وحدها وسيلة للاستحقاق الديمقراطي، ومن باب أولى ليست الغاية منه، فهي أحد أبرز وسائل المشاركة السياسية، كونها محرك وآلية للتفاعل بين كافة مؤسسات التنمية السياسية في الدولة والمجتمع، سواء سلطات الدولة الثلاث، أو الأحزاب السياسية والقوى السياسية المتحالفة انتخابيا، أو مؤسسات المجتمع المدني، أو الهيئة الناخبة، أو أجهزة الإدارة والمحليات، أو الجهات المشرفة على إدارة الانتخابات.. إلخ.
من خلال الانتخابات تتم عملية التداول السلمي للسلطة، لكون الانتخابات تتضمن مرشحين من جهات وأطياف مختلفة، وبها يتحمل الشعب مسئولية خياراته من صناع جدد للقرار- متواجدين لحين- ومن ثم يكون مُشارك مُشاركة غير مباشرة في إدارة شؤون بلاده.
وتجرى الانتخابات العامة في النظام السياسي على المستوى الرئاسي والبرلماني والمحلي في نظم الحكم الجمهوري، وعلى المستويين الأخيرين في نظم الحكم الملكي.
وللانتخابات أطراف رئيسة ثلاثة لا تنعقد بدونهم، وهم الناخبون والمرشحون والإدارة الانتخابية. وفي التفاصيل هناك بيئة دستورية وقانونية وإجرائية تتم خلالها الانتخابات.
الشق الأخير من أطراف العملية الانتخابية رغم أنه الأقل أهمية مقارنة بالشقين الأول والثاني، إلا أن نتائج الانتخابات برمتها ربما تتوقف عليه. فأعمال النزاهة والحياد والشفافية والموضوعية هي أركان أصيلة في عمل الجهات التي تدير الانتخابات. لكن هذا الأمر لا يعنى البتة إغفال أهمية القانون عامة، والنظام الانتخابي خاصة. فمن خلال اختيار النظام الانتخابي الأمثل، والتوافق حوله، تكون نتيجة الانتخابات، ومن ثم شكل العضوية في البرلمان. بمعنى آخر إذا ما أريد تمثيل الأقليات فالأرجح أن يؤخذ بالنظام النسبي، أو توضع عتبات انتخابية بسيطة ومحدودة. وإذا ما كان البلد المعني يعتمد بالأساس على العلاقات الشخصية أو الزعامات فالأرجح أن يأخذ بالنظام الأغلبي (نظام 50%+1) عبر الأسلوب الفردي. اليوم يوجد في أوروبا نسبة معتبرة من البلدان تجرى فيها الانتخابات بالنظام الأغلبي، لكن ذلك تم بعد عقود من الأخذ بالنظام النسبي، حيث بقى الأخير قائما إلى أن اعتاد الناس على الأحزاب السياسية، وأصبحت الغالبية متحزبة ومؤطرة في قوالب وتيارات سياسية وإيديولوجية، حتى مع وجود النظام الأغلبي اليوم.
إدارة انتخابية محايدة ونظم انتخابية نزيهة
في البلدان العربية تعتبر دورية عقد الانتخابات أحد أهم آليات التداول السلمي للسلطة إذا ما أريد للاستحقاق الديمقراطي أن يسود ويتحقق. ويتم ذلك على الأرجح من خلال وجود إدارة انتخابية محايدة، سواء مستقلة أو من كافة الأحزاب السياسية أو حتى من قبل السلطة التنفيذية إذا ما كانت هناك ضمانة لنزاهتها وشفافيتها. لكن في المراحل الأولى للتحول الديمقراطي، من مصلحة الحكام الابتعاد عن النمط الأخير في الإدارة، لمنع التشكيك في نزاهة الانتخابات.
ورغم أن نظم الانتخاب متعددة، إلا أن أغلب بلدان العالم تأخذ بالنظامين النسبي أو الأغلبي عبر الأسلوب الفردي أو الجمع بينهما، وقلما تأخذ النظم السياسية بأساليب فرعية شاذة مثل أسلوب القوائم المطلقة أو ما يسمى علميا “الكتلة الحزبية” الذي تأخذ به مصر وحدها في الدول العربية التي تُجرى بها انتخابات، وهو أسلوب ضمن عائلة النظام الأغلبي، كون هذا النظام يساهم في إهدار الأصوات لصالح الأحزاب التي تتمتع بأغلبية حقيقية أو مصطنعة، فهو في النهاية يُعد تزويرا لإرادة الناخبين، كونه يضع 49% من الأصوات المعارضة في سلة الحزب الذي حصل على 51% منها.
في الوطن العربي اليوم، وبعد أن عُلِقت العملية الديمقراطية في الكويت في 10مايو 2024، أصبحت هناك 12 دولة عربية لا تنعقد فيها أية انتخابات عامة. ما يجعل هناك تأكيد على وجود حالة من انسداد المناخ الديمقراطي، وغياب أحد الآليات المهمة لتداول السلطة وإظهار الإرادة الشعبية المُعبر عنها والناتجة من صناديق الانتخاب، في أغلب البلدان العربية، وفي الرقعة الأكبر مساحة في الوطن العربي، والأكثر من حيث عدد السكان. أما البلد الأكبر في عدد السكان وهي مصر، والتي تجرى بها انتخابات دورية رئاسية وبرلمانية، فلا زالت هناك تعقيدات كثيرة تجرى بها الانتخابات، سواء كانت رئاسية بسبب كاريكاتيرية ومظهرية المشهد الحاكم لعدم الرغبة في تداول السلطة وتصفير عداد مدد الرئاسة كلما قرب موعد الخلافة السياسية، وسواء كانت برلمانية على النحو الذي برز في القانون الحاكم لوجود نظام انتخابي مَعيب أو إجراءات تَبين أن “الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات” أجرت الانتخابات عبرها دون شفافية أو حياد أو موضوعية، مع تعرضها للنقد الشديد سياسيا وقضائيا، حتى من قبل رئيس الدولة.
كل ما سبق من أمور يجعل أهمية الانتخابات الحرة النزيهة أحد أبرز الحلقات المفقودة في الاستحقاق الديمقراطي في الوطن العربي، والضرورية للبدء في هذا الاستحقاق.
وللحديث بقية






