كان القطبان الصوفيان الكبيران أبي يزيد البسطامي وذي النون المصري يقران بالأستاذية لفاطمة النيسابورية، كما سبق الذكر. ويحكى عن الأخير حكاية تبين كيف أنقذته امرأة، بعد أن وشى به وشاة، بأنه يقدح في سلطان العباسيين، ويقول ما هو من قبيل الزندقة، فسيق مقيدًا في الحديد إلى بغداد، وهنا تقول إحدى الروايات عنه: “بينما كنت في الطريق، لقيتني امرأة زمنة (عجوز)، فقالت لي: إذا دخلت على المتوكل فلا تهابه، ولا تحتج لنفسك محقا كنت أو متهما، لأنك إن حاججت عن نفسك، لم يزدك ذلك إلا وبالا، لأنك باهيت الله، فيما يعلمه، وإن كنت بريئا، فادع الله تعالى، أن ينتصر لك، ولا تنتصر لنفسك، فيكلك إليها، فقلت لها: سمعًا وطاعة، فلمَّا دخلت على المتوكل سلمت عليه، فقال لي ما تقول فيما قيل فيك من الكفر والزندقة؟ فسكت، فقال وزيره، هو حقيق عندي بما قيل فيه، ثم قال لي: لمَ لا تتكلم؟ فقلت يا أمير المؤمنين، إن قلت لا كذَّبت المسلمين، وإن قلت نعم كذبت على نفسي بشيء لا يعلمه الله تعالى مني، فافعل أنت ما ترى، فإني غير منتصر لنفسي، فقال المتوكل: هو رجل برئ مما قيل فيه”، فلمَّا خرج ذو النون المصري التقى المرأة الصوفية فقال لها: جزاك الله عني خيرًا، فعلت ما أمرتني به، فمن أين لك هذا؟ فقالت من حيث خاطب به الهدهد سليمان عليه السلام. وكان ذو النون المصري بعد ذلك يقول: من أراد تجريد التوحيد، وخالص التوكل، فليسمع لقول المرأة الزمنة ببغداد.

وفيما استخدم ابن الفارض في تائيته الشهيرة التأنيث تعبيرًا عن الذات الإلهية، يظل الصوفي البارز محي الدين بن عربي أكبر استثناء في كل هذا، إذ أعلى من شأن المرأة ومكانتها، حتى ساواها بالرجل، وصارت النكهة الأنثوية جزءًا أصيلًا من منجزه الكتابي الصوفي، بعد أن كان يكره النساء، كما يعترف في “الفتوحات المكية”، حتى التقى المتصوفة فاطمة القرطبية، وكان حينها شابًا في العشرين من عمره، ففتحت له بابا، كان مستغلقًا عليه، ونهل من علمها وزهدها الكثير، وكذلك فعلت معه شمس أم الفقراء، فيما جعلته تجربة مع فتاة تسمى النظام بنت الشيخ مكين الدين يرى، أن الحب الإلهي لا يكتمل إلا بالحب الإنساني، معبرًا عن هذا بقوله: “شهود الحقّ في النساء أعظم الشهود وأكمله وأعظم الوصلة النكاح وهو نظير التوجّه الإلهي على من خلقه في صورته ليخلفه، فيرى فيه نفسه”، وقوله أيضًا: “من عرف قدر النساء وسرهن لم يزهد في حبهن، بل من كمال العارف حبهن، فإنه ميراث نبوي وحب إلهي”.

وقد انتهى ابن عربي، الذي أجاز إمامة المرأة للصلاة، إلى أقوال معتبرة في هذا الخصوص منها: “كل ما لا يؤنث لا يعول عليه”، و”كل ما يصح أن يناله الرجل من المقامات والمراتب والصفات، يمكن أن يكون لمن شاء الله من النساء”، و”نور الروح لا يُذَكّر ولا يُؤَنّث”، بل يذهب إلى ما هو أبعد من هذا، فيرى أنه”ليس فى العالم مخلوق أعظم قوة من المرأة لسر، لا يعرفه إلا من عرف فيم وجد العالم وبأي حركة أوجده الحق تعالى”، وزاد على هذا حين رأى أن شرف التأنيث يتمثل فى إطلاق كل من “الذات” و”الصفات” على الله تعالى، وكلاهما لفظ تأنيث.

في العموم، فإن صورة المرأة في التصوف الفلسفي تختلف عن مثيلتها في التصوف الأخلاقي، فهي في الأول إيجابية، وذات مراتب عالية، ومربوطة بتصورات رمزية ومجازية حول الأنوثة، بينما في الثاني خضعت للتصور الفقهي أو السُني، الذي حاصرها وحصرها في أدوار معينة، وفق تأويلات خضعت في الغالب الأعم لتقاليد وأعراف، اختلطت بكتب الفقه والحسبة، أكثر منها امتثالا لجوهر الدين الإسلامي، أو نصه المؤسس، المتمثل في القرآن الكريم.

وفي الزمن الحديث والمعاصر، جاءت الطرق الصوفية لتمعن في تهميش دور النساء، رغم أن الطرقية نقلت التصوف من الحالة الفردية الذاتية إلى الجماعية، فلم تظهر وفق ما ذهبت إليه الباحثة عزة جلال في كتابها “سيرة المتصوفات في التاريخ الإسلامي.. وقفات أولية عبر تأملات منهجية” مدارس صوفية نسائية أو طرُق، كما حدث مع المتصوفة الرجال كالسيد البدوى وعبد القادر الجيلاني وأبي الحسن الشاذلي، إما إهمالًا من المؤرخين، أو تقاعسًا من تلاميذ الشيخات، أو بسبب الموانع الثقافية المرتبطة بعادات وتقاليد، تقلل دور المرأة في اكتساب العلم وتعليمه في مجتمعاتنا، أو النزاع النفسي عند النسوة بين دورهن كأمهات مربيات وبين وجودهن الروحي والاجتماعي، على النقيض من مجتمعات إفريقيا جنوب الصحراء، حيث سمح الموروث الثقافي بحيازة النسوة المتصوفات مكانة، عبر تصدرهن لطرق، وعقدهن مجالس علم وذكر، وهو ما امتد إلى بلدان المغرب العربي.

وهناك عامل آخر تنظيمي، نراه واضحًا في مصر، فكل من اللائحة التي وضعت عام 1910، والتي أعيد تعديلها في عام 1945، والقانون رقم 118 لسنة 1976، والذي ينظم عمل الطرق الصوفية، منعا النساء رسميًّا من المساهمة المعتبرة في إدارة الشأن الصوفي، أو حتى التمتع بعضوية رسمية في هذه الطرق، حيث نص على أنه يخلف شيخ الطريقة، حال وفاته، ابنه أو أحد أقربائه الذكور في القيام عليها.

ويبرر بعض شيوخ الطرق الصوفية موقفهم من حلول نساء على رأس الطرق، أو تولي بعضهن موقع خلفاء الطريقة، أو حتى السماح للمرأة، بأن تكون مريدة، بأن أقطاب الصوفية القدامى رفضوا ذلك الأمر، فلم يقدموا على إعطاء امرأة “العهد” أو “القبضة” عليهم، ويقول في هذا الرفاعية، إن الصوفي الكبير أحمد الرفاعي قد نهر امرأة، جاءت إليه طالبة معاهدته، وأعادها من حيث أتت.

ويقول هؤلاء أيضًا، إن ذلك الموقف يأتي درءًا للشبهات، لا سيما أن التيار السلفي وغيره، يتهم المتصوفة بالإفراط في السماح باختلاط النساء بالرجال في الموالد، ويقولون إنهم يخشون إن سمحوا للنساء بتلقي العهد عليهم، أن تحدث ما يسمونها “المؤاخاة” بين الرجال والنساء، فينفتح باب الفساد الأخلاقي، وكأن المرأة لا تخالط الرجل في الجامعة ومكاتب العمل والسوق ووسائل المواصلات.

لكن موقف شيوخ الطرق هذا لم يحل دون فرض بعض النساء وجودهن على الحالة الصوفية في مصر، فالمرأة إن كانت قد أقصيت رسميًا خارج الطرق، فإنها لم تخرج فعليًا منها، ولم تخرج من التصوف نفسه، وإلا ما وجدنا نسوة لهن نفوذ روحي، يصنفن من الزاهدات العابدات، وتسيطر بعضهن على الرجال. وهي مسألة نراها في الموالد وحلقات الذكر والإنشاد، حتى لو عقدت النساء هذا خارج حلقات الرجال.

وفي الزمن المعاصر، عرفت الساحة الصوفية نسوة فرضن وجودهن عليها مثل: ناريمان عبد الغفار، وليلى أبو المجد، وأماني منصور، وصفية العربي، ونور الصباح، وهن يرفضن استبعاد النساء من المجال الصوفي المؤسسي أو الرسمي، ويقلن إن هناك زاهدات عارفات وصلن لمراحل متقدمة من الزهد والعبادة، وأصبح لهن مريدون بالآلاف داخل مصر وخارجها، بل يذهبن إلى أن مريدات الصوفية أكثر من الرجال، وأن هناك طرقًا صوفية أغلب مريديها من النساء.

وفي الثقافة الدينية الشعبية تحضر النسوة الصالحات بشكل قوي، لا يقل في المخيلة الجمعية عن حضور الرجال الصالحين، فأضرحة السيدات زينب ونفيسة وسكينة في مصر لا يقل الإقبال عليها عن ذلك الذي يذهب لرجال من أمثال الحسين والسيد البدوي وإبراهيم الدسوقي وأبي الحسن الشاذلي وعبد الرحيم القنائي، ويمكننا، عبر العالم الإسلامي، أن نعد مئات الأضرحة والشواهد لنسوة يعتقد عموم الناس في ولايتهن، ويقصدوهن طلبًا للبركة والمدد، وهذا معناه أن الذهنية الشعبية العامة متقبلة تمامًا حضور المرأة داخل المجال الصوفي، حاملة لقب “شيخة” أو “حاجة”، سواء إن كان تصوفًا ذاتيًا فرديًا جوانيًا، أو كان دربًا طرقيًا جمعيًا وجامعًا.