لم تفشل مفاوضات العاصمة الباكستانية إسلام أباد، بل أُفشِلت.
هذه حقيقة يصعب إنكارها.
عزا نائب الرئيس الأمريكي “جيه دي فانس”، الذي ترأس الوفد الأمريكي، ذلك الفشل إلى أن “الوفد الإيراني لم يقبل شروطنا”.
تلخص تلك العبارة تصور إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” للتفاوض ومراميه، أن تُملي على الطرف الآخر كامل شروطها، ولا يكون من حقه أدنى اعتراض.
هذه وصفة فشل مؤكدة.
الطرفان المتحاربان يعتقد كلاهما، أنه خرج من حرب الأربعين يوما منتصرا.
أطراف أخرى لم تطلق رصاصة واحدة، أعلنت انتصارها، كأننا أمام مشهد هزلي في مهرجان “النصر للجميع”!
الحقيقة لم تكن كذلك.
لا أمريكا حسمت أيا من أهدافها رغم فوارق السلاح.. ولا إيران رفعت راية بيضاء واحدة رغم وحشية القصف.
الإخفاق الأمريكي، نوع من الهزيمة.
والصمود الإيراني، نوع من النصر.
بتلخيص لعمق المأزق الحالي، فإن أمريكا المأزومة وإيران المتعبة لا يودان خوض جولة جديدة من الحرب.
كان إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي بالغ الأهمية في نقل شحنات النفط والغاز إلى العالم ورقة القوة الأساسية، التي تمتلكها إيران.
الجغرافيا السياسية حاربت مع أهلها.
عندما تأكد أن إعادة فتحه بالقوة يكاد أن يكون مستحيلا، كان اللجوء إلى التفاوض شبه محتم، فلا العالم يحتمل استمرار إغلاقه ولا الولايات المتحدة تتحمل حربا بلا أفق سياسي، وتفتقر إلى دعم الرأي العام فيها، الذي بدأ يئن تحت ضغط ارتفاعات الأسعار ونسب التضخم وسيطرة إسرائيل على قرارها السياسي.
هكذا طرح السؤال نفسه على رأي عام قلق ومصدوم من مستوى أداء رئاسته: “أمريكا أولا.. أم إسرائيل أولا؟”.
لم يعد شيء خافيا والتسريبات، التي تتوالى تؤكد أن هذه حرب إسرائيلية طرحها رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو” على “ترامب”.
لم تكن للولايات المتحدة مصلحة فيها.
تصورت الإدارة الأمريكية، إنها نزهة عسكرية سريعة تكاد تكون إعادة إنتاج لعملية اعتقال الرئيس الفنزويلي “نيكولاس مادورو”، تستولي بعدها على النفط الإيراني وتحقق لإسرائيل أهدافها في تحطيم إيران وإعلان هيمنتها السياسية على الشرق الأوسط كله.
في اللحظات الأولى من الحرب اغتيل المرشد الأعلى “علي خامنئي” إلا أن النظام لم يسقط، وأثبت قدرته على إعادة إنتاج نفسه بقيادات جديدة أكثر تشددا.
كان الجهل بإيران وإرثها الحضاري والتاريخي فادحا، حيث أكدت وحدتها الداخلية عندما استبانت الأخطار المحدقة أمام شعبها.
تبدت القضية على وجهها الصحيح.. البلد ومصيره لا النظام ومستقبله.
كان الذهاب إلى التفاوض في إسلام أباد حتميا بعد الإخفاق الأمريكي في حسم الحرب عسكريا.
تصور “ترامب” أنه يمكنه أن يحصد بالتفاوض ما عجز عنه بالسلاح.
كانت إسرائيل حاضرة في المفاوضات عبر المبعوث الخاص “ستيف ويتكوف” وصهر الرئيس “جاريد كوشنر”.
اعترض الإيرانيون بفائض خبرتهم السابقة على وجودهما، باعتبارهما قريبين من “نتنياهو”، أهدافه وخياراته.
مع ذلك شاركا في المفاوضات، لكن تحت رئاسة “فانس”، الذي لم يكن متحمسا للحرب.
بعد إعلان فشل مفاوضات لم يكن “ترامب” يريد العودة فورا للحرب؛ خشية أن تكلفه خسارة الانتخابات النصفية لمجلسي الكونجرس الخريف المقبل، أو تبعاتها الثقيلة على الاقتصاد الأمريكي.
بتصرف أهوج فرض حصارا بحريا على المواني الإيرانية دون تدبر لعواقبه.
كان ذلك خيارا كارثيا آخر، فقد قفز على الفور سعر برميل النفط إلى (150) دولار.
ارتفعت أصوات غاضبة في دول كبرى تندد وتحذر من آثاره الوخيمة على الاقتصاد العالمي.
لم يصمد الحصار أكثر من (24) ساعة، حتى عاد الحديث مجددا إلى الخيار التفاوضي لردم الفجوات المتبقية في ملفي مضيق هرمز وتخصيب اليورانيوم.
تردد على لسان “ترامب” نفسه، أن الجولة الجديدة قد تعقد في عاصمة أوروبية، قاصدا على الأغلب جنيف.
لا تستريح إسرائيل للعودة إلى إسلام أباد، التي أبدت شيئا من الإدانة لسياساتها.
هكذا استبعدت.
كما أنها تعترض على إسناد أي دور لتركيا، كأن تعقد المفاوضات في عاصمتها، خشية أن توظفها لصالح الأدوار الإقليمية التي تتطلع لها، ورفع منسوب حضورها في الملف السوري بالذات.
لم تكن مصادفة تهميش الدور المصري، الذي مهد أكثر من غيره لمبادرة وقف التصعيد عبر دبلوماسية نشطة وتفاهمات أمنية قديمة غير معلنة مع الحرس الثوري.
هُمِشت مصر بحساسيات مفرطة من أشقاء مفترضين ورفض إسرائيلي قاطع؛ خشية تعويم دورها في لحظة خلخلة ببنية النظام الإقليمي.
بدت الخيارات الأمريكية ضيقة للغاية بين ضربات محدودة على مواقع إيرانية بعينها، لا تجدي في معادلات وحسابات القوة، أو العودة إلى موائد التفاوض للتوصل إلى حلول وسط.
بصورة مسبقة أخذت إسرائيل تعلن شروطها، أو خطوطها الحمراء، التي ينبغي أن تلتزم بها إدارة “ترامب”.
كان أهم تلك الشروط نقل اليورانيوم المخصب خارج إيران، حتى لا يكون ممكنا لها إنتاج سلاح نووي.
هكذا أملى “نتنياهو”!
المفارقة الموجعة- هنا- أن إسرائيل تمتلك وحدها هذا السلاح دون اعتراض، أو الإتيان على ذكر المبادرة المصرية لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية!
في المفاوضات السابقة، عرض الأمريكيون وقف التخصيب لعشرين سنة.
لم تعارض إيران في المبدأ، لكنها خفضت المدة إلى خمس سنوات.
الحل الوسط ممكن، لكن “ترامب يعارض الآن، كما صرح بنفسه، منح الإيرانيين أي مهل زمنية.
أفضت وطأة التدخل الإسرائيلي إلى رفع منسوب الكراهية لسياساتها داخل المجتمع الأمريكي، ولهذا تداعيات مرشحة للتمدد مستقبلا في المدى المنظور.
في مفاوضات واشنطن، تأكدت بنفس الوقت درجة التماهي مع كل ما تريده إسرائيل بغض النظر عن أية اعتبارات قانونية دولية، أو مصلحة للولايات المتحدة في المنطقة.
في المفاوضات المباشرة الأولى، بمقر وزارة الخارجية الأمريكية بين سفيرة لبنان والسفير الإسرائيلي قال “ماركو روبيو”، كأنه يتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية: “الهدف إنهاء ثلاثين عاما من نفوذ حزب الله”.
نفس المعنى بالضبط قاله وزير الخارجية الإسرائيلي “جدعون ساعر”: “لا توجد مشكلة مع لبنان.. مشكلتنا مع حزب الله”.
ركزت السفيرة اللبنانية دون أدنى استجابة على الوقف الكامل للأعمال العدائية.. لكنها لم تمانع في نزع سلاح حزب الله.
المقاربة خاطئة تماما، وتنزع عن لبنان احترامه لنفسه وسيادته.
“ليس لدى لبنان ما يقدمه في المفاوضات”.
كان ذلك استخلاصا أمريكيا وإسرائيليا مشتركا، يستهدف “السلام والتطبيع”، بمعنى لا يحتمل أدنى لُبس، الإذعان الكامل تحت النار.
قضية المقاومة لا يلخصها حزب الله وحده.
كان لافتا تقدم النائب اللبناني الناصري “أسامة معروف سعد” بمشروع قانون من المؤكد تمريره، يجرم التطبيع، وخروج تظاهرات حاشدة ترفض سلام القوة.
إنها قضية بلد ومصيره أمام تحديات وجودية تستهدف أرضه وسيادته.






