أصدر وزير العمل في أول إبريل الحالي قرارًا، يقضي بحظر بعض الأعمال عن النساء المصريات خارج مصر، وهذه الأعمال هي الأعمال ذات الطبيعة المنزلية، أو ما يسمى في سوق العمل بالعمالة المنزلية، وكذلك العمل داخل المقاهي أو الكافيهات ومحالات المأكولات والمشروبات، وهو ما صاحبه توجيهات إلى الإدارة العامة لشؤون إلحاق العمالة بالخارج بمنع إبرام عقود العمل لمثل هذه الفئات من الأعمال للمصريات، وقد جاء في مبررات ذلك القرار، أنه يهدف لحماية النساء المصريات، لوجود مخاطر حقيقية يتعرضن لها العاملات في هذه المجالات، خصوصًا أن غالبية هذه الأعمال غير منظمة، وأن العاملات فيها كثيرًا ما يتعرضن لأوجه عديدة من الاستغلال وسوء المعاملة.
وقد أثار هذا القرار التوجيهي العديد من أوجه الخلاف في الواقع المصري، ما بين مؤيد له، على زعم أنه قرار تنظيمي؛ يهدف إلى ضبط سوق العمل، وأنه يهدف إلى حماية العاملات المصريات من المشكلات التي تعرضن لها في مثل تلك الأعمال، والتي يصعب في كثير من الأحوال ملاحقة شكواها، أو متابعتها، لعدم خضوع تلك الفئة من الأعمال إلى الرقابة الكافية، بما يضمن حماية العاملات فيها.
لكن هناك العديد من أوجه النقد التي سلطت الضوء على مدى مشروعية إصدار مثل ذلك القرار، فهل يملك وزير العمل سلطة منع العمل؟ وهو ما يتناقض مع طبيعة الحق في العمل بوصفه أحد الحقوق الدستورية، ذلك بخلاف التعدي على مبدأ المساواة وحظر التمييز على أساس النوع أو الجنس، خصوصا كون ذلك القرار قد صدر في صورة عامة، وهو ما يتعارض مع كون أن تنظيم تلك الأمور أو تقييد الحق في العمل يجب أن يصدر بموجب قانون متماشيًا مع أحكام الدستور في هذا الإطار.
وإذا ما تناولنا ذلك القرار، والذي يحمل في صورته البسيطة صورة الحماية، إلا أن طريقة الحماية يجب أن تتوافق مع أحكام المشروعية، وأن صورها السلطوية يجب ألا تكون تعسفية، وأن تكون منصفة وعادلة وموجهة بشكل رئيس إلى تحقيق الصالح، وبشكل أساسي ألا تكون هناك وسيلة أكثر فعالية من قرار المنع.
وإذ أنه لا يمكن بحال من الأحوال إنكار وجود تجاوزات أو مخاطر يتعرضن لها العاملات في هذه الفئات من الأعمال، بحسب أن معظم هذه القطاعات غير منظمة، وغير خاضعة لرقابة كافية، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى تكرار وقائع الاستغلال وسوء المعاملة، وهو ما يحبذ ضرورة تدخل الدولة لحماية رعاياها، لكن كيفية تحقيق هذه الحماية هو محل الجدال، إذا لا تبدو الإشكالية في الهدف من القرار، ولكنها تبدو في اختيار الطريقة، وما تحمله من مساوئ دستورية وحقوقية، أولها يبدو في كون ذلك القرار لم يصدر متضمنًا كافة العاملين في هذه المجالات، ولكنه قد اقتصر على النساء، وهو ما يوحي بوجود شبهة تمييزية ما بين الرجال والنساء في هذا الأمر، بخلاف كونه يشكل إخلالًا بمبدأ تكافؤ الفرص، إضافة إلى كونه يضعنا أمام إشكالية مرتبطة بالحق في العمل بشكل مطلق، مع ارتباطه بشكل وثيق بحرية التنقل والسفر، وهو الأمر الذي يؤكد أن إصدار مثل هذا القرار أو التعليمات أو التوجيهات لم تخضع لدراسة كافية قبل إصداره، ذلك إذ أن تنظيم تلك الحقوق وتحديد مداها وإطارها يجب أن يكون بقانون، وهو ما يخضعها جميعها بصورة أساسية لمبدأ التناسب ما بين الحقوق والتقييد، حيث لا يجوز التقييد أو المنع، فيما يتعلق بالحقوق الدستورية إلا في أضيق الحدود، وهو ما تقتضيه الضرورة الملحة أو الملجئة لإصدار مثل هذه التشريعات، كما أنه يجب أن تكون الوسيلة المستخدمة لتنظيم الحق أو الحد من ممارسة بعض الأنشطة المرتبطة بالحقوق والحريات أقل تقييدًا للحقوق، ومحققة للتوازن ما بين المصلحة العامة والحقوق الفردية، بحسب ما اتفق عليه الفقه والقضاء الدستوري.
ومن الزاوية الواقعية، فهل كان الحظر الكامل لممارسة تلك الاعمال هو الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام السلطة، أم أنه كان أمامها خيارات أخرى أقل حدة وأقل تقييدًا أو عصفًا بالحق في العمل والحق في التنقل والسفر، ألم يكن أمام وزارة العمل وسائل مثل تقنين التعاقدات في مثل هذه الأنشطة، بما يضمن الحفاظ على حقوق العاملات، أو تشديد الرقابة على شركات إلحاق العمالة بالخارج في كيفية صيانة حقوق العاملات وضمانها من خلال عقود العمل، هذا بخلاف الدور الملقى من الأساس على عاتق وزارة الخارجية متمثلة في السفارات المصرية في تلك البلدان المقصودة، بما يضمن تفعيل دور الحماية وفتح أبواب تواصل مع العاملات ومتابعة أنشطتهن ومتابعة شكاواهن بشكل مستمر.
كما أن مثل هذا القرار قد يؤدي من الناحية العملية إلى بعض النتائج العكسية، ففي ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها مصر، فإن العديد من الفئات يطمحن إلى السفر خارج البلاد؛ لتحقيق مستوى من الاستقرار الاقتصادي، وهو الأمر الذي قد يدفع البعض منهن إلى اتباع طرق غير رسمية بالمرة أو السفر بوسائل تحايلية على هذا القرار في ظل الظروف المجتمعية الحالية؛ طمحًا في تحقيق نمو اقتصادي لهن أو الهروب من واقع مأسوي داخلي، متمثلًا في تدني مستوى المعيشة وعدم القدرة على تحقيق المطالب المجتمعية لتلك الفئات وأسرهن، وهو ما قد ينتج عنه مشكلات قد تبدو أكثر من تلك التي يعالجها ذلك القرار أو تلك التوجيهات، وهو ما قد يؤدي إلى فقد السيطرة كذلك على متابعة أحوالهن في الخارج.
وعلى الرغم من الوجاهة التي يبدو عليها ذلك القرار في الوهلة الأولى من النظر إليه، وعلى الرغم من نبل الهدف الذي يسعى إليه، إلا أنه قد جاء في مسار غير قانوني وبشكل يتعارض مع المفهوم الأوسع لكيفية تنظيم الحقوق، بخلاف أن مثل هذا القرار قد لا يحقق الهدف الصادر لأجله من زاوية الواقع في حالة التحلل منه أو التحايل عليه بأي شكل أو وسيلة تبدو في ظاهرها قانونية، كما أن الحماية الحقيقة قد لا تكون في المنع، بل تأتي من خلال الوسائل التنظيمية، التي تضمن الممارسة والحماية من خلال إطار آمن وعادل لتلك الفئات، وهو أول خطوات الحماية الواجبة على الدولة.






