لا يوجد سبب طبيعي واحد، يبرر تلك الحملات التي استهدفت جانبا من تراث مصر متمثلا في مبانيها ومعالمها ومقابرها التاريخية، وإذا كان من المفروض أن تكون الدولة أكثر حرصا على الحفاظ على تراث البلد وتاريخه وتوعية الناس بأهميته، اكتشفنا العكس تماما، وأن كثيرا من الناس حافظوا على فطرتهم السليمة، ورفضوا حملات التخريب الممنهج لأحياء ومعالم تاريخية في مختلف أرجاء مصر، حتى وصلنا إلى كارثة هدم ترام الإسكندرية تحت مسمى “التطوير”، وهو في الحقيقة تطوير عكسي لا علاقة له بأبجديات العمارة والتخطيط العمراني، الذي يقوم على معادلة أن الأحياء القديمة والمعالم الأثرية والتاريخية تجدد ولا تهدم، أما الجديد من أبراج ضخمة أو الكباري “الكومبو” المصروف معها قهاوي قبيحة، باتت تنتشر كالجراد وتحولت الميزة النسبية وراء إنشاء الكباري، وهي تسهيل حركة المرور إلى عبء؛ لأنها جلبت مزيدا من الزحام بعد أن أصبحت كثير من الكباري مواقف للميكروباص وسيارات رواد المقاهي.

والحقيقة، أن هدم ترام الإسكندرية وهدم محطة “بولكلي” المصنفة كأثر جريمة مكتملة الأركان؛ لأنها تمثل تدميرا لمعلم تاريخي، وأيضا انتهاكا فاضحا للقانون الذي يمنع هدم أي مبنى أثري.

وقد طالت أعمال الهدم كما أشار موقع “ما تصدقش” برج الساعة، وأشجار المحطة المعمرة، ورصيفها ومقاعد الانتظار، والقضبان الحديدية، وأسلاك الكهرباء، وحديد التسليح، أما مبانيها فقد تمت إزالة أبوابها ونوافذها.

إن هدم ترام عمره أكثر من ١٦٠ عاما، وقبل قيام بلاد كثيرة في المنطقة لصالح ترام علوي، يكلف مليارات الجنيهات؛ تحت حجة إنه أسرع، يعكس خللا في التفكير وكراهية لقيمة البلد التاريخية لصالح مرة محور ومرة أخرى كوبري ومرة ثالثة مونوريل ورابعة ترام علوي، وهي كلها خيارات لا تمثل جوهر التنمية المنشودة، وكثير منها ليس أولوية ويشكل عبئا اقتصاديا يتحمله أغلب الناس.

لا زلنا نتذكر ما فعلته الحكومة مع اللجنة التي شكلتها، وأوصت بعدم هدم جانب من مقابر الإمام الشافعي والسيدة نفيسة لصالح محور سيوفر دقيقتين وهناك بدائل له، وبعد أربع أعوام من الخداع والمماطلة وادعاء الحكومة التخلي عن هدم المقابر التاريخية، فاجأت الجميع بهدم سلسلة من المقابر التاريخية أبرزها، مدفن رب السيف والقلم محمود ساميّ البارودي، صاحب بعث وإحياء الشعر العربي الحديث، ومحمد راتب باشا، سردار الجيش المصري، والقائد إسماعيل شيرين أحد قادة الأسطول البحري في عهد محمد علي، وقبة محمد عبد الحليم أصغر أبناء محمد علي ومدرسة الإمامين التاريخية ومدرسة رابعة العدوية، وحوش يوسف كمال باشا، راعي الفنون في مصر ومؤسس كلية الفنون الجميلة، وواجهة حوش إبراهيم النبراوي وهو من أكبر أطباء عصره، ومدفن عائلة ثابت وذو الفقار، والملكة فريدة، بجانب مدفن الشيخ ورش، إمام وعالم في القراءات القرآنية. بجانب أسماء أضرحة ومقابر لعشرات العلماء ورجال الدين ورموز مصر الثقافية والتاريخية. وأزالت الدولة بكل أريحية قبة “مستولدة محمد علي باشا” منذ نحو عامين، وانتشرت صورها على مواقع التواصل الاجتماعي، وأثارت حزنا عميقا لدى الرأي العام وليس فقط خبراء العمارة والآثار، فلا يمكن هدم أي مقبرة تاريخية سواء مسجلة كأثر أم لا من أجل طريق أو مباني جديدة، وهو مشهد مؤلم وغير مسبوق في تاريخ مصر المعاصر.

واستكملت الحكومة مهمة الهدم، حتى وصلت الأسبوع الماضي إلى محطة “بولكلي” المسجلة ضمن المباني ذات الطابع المعماري المميز، برقم تسجيل 1898، ومن الواضح أنها ستستكمل مهمة تخريب التاريخ والعراقة وتشويه الجمال بهدم ثلاث محطات أخرى مسجلة ضمن التراث الحضاري المميز وهي: محطات “سبورتنج الكبرى” برقم تسجيل 1731، و”مصطفى باشا” (مصطفى كامل) برقم تسجيل 1781، و”الجامعة” برقم تسجيل 1821، والتي تقع ضمن خطوط الترام الذي هدمته تقريبا بالكامل.

والمعروف أن المناطق المسجلة كتراث معماري مميز تخضع لأحكام القانون رقم 144 لسنة 2006، والذي ينص في مادته الثانية على “حظر الترخيص بالهدم أو الإضافة للمباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز”. كما ينص في المادة 12 على معاقبة من يهدمها كليًا أو جزئيًا بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على خمس سنوات وغرامة مالية قد تصل إلى خمسة ملايين جنيه، وهي نصوص ظلت حبرا على ورق في ظل المخالفات الجسيمة التي ترتكبها الدولة بحق تراث البلد وتاريخه.

الترام السكندري ومحطاته التاريخية ليسا مجرد وسيلة مواصلات وقطعة أرض، يمكن استبدالها ببرج أو بترام علوي أو كوبري، إنما هما معلم حقيقي للإسكندرية، ولأن هناك من لم يعلم أن التطوير ليس “بدر” طوب وزلط وبلدوزر، إنما هو أيضا علم وعمارة وثقافة وتراث، وأن المدن كما يقول خبراء التخطيط العمراني والآثار لها ذاكرة، وأن الحفاظ على ذاكرة المدن يعني الحفاظ على تاريخ البلد وهويته وقيمته وسط العالم.

ترام الإسكندرية الذي هدمته الحكومة، هو عكس ما يجري في أي دولة في العالم، فقد عاد إلى مدن كثيرة مزدحمة؛ لأنه وسيلة مواصلات ناجحة صديقة للبيئة ورخيص التكلفة، فشهدناها في بعض أحياء باريس، وعاد إلى الرباط واحتفظ بشكله القديم في إسطنبول ومعظم عواصم العالم، أما في الإسكندرية فهدمته الدولة بكل سهولة.     

إن أحد مصادر قوة مصر وقيمتها في العالم هي مبانيها القديمة والتاريخية، وليس أبراجها الشاهقة، فلو بنينا برجا واحدا في العاصمة الإدارية، فستبني دبي وغيرها من المدن ١٠٠ أحدث وأكبر وأطول، ولكننا نتميز بأن عندنا ترام عمره ١٦٠ عاما ومقابر لعلماء عمرها ٢٠٠ و٣٠٠ عام وأحياء مصر القديمة وترام الإسكندرية، ويأتي مسئول بكل سهولة ويهدمه.