من الصعب اليوم الحديث عن “جيش سوداني واحد” بالمعنى التقليدي للدولة الحديثة، بينما تتكاثر على الأرض تشكيلات مسلحة متباينة الولاءات والأهداف، بعضها يقاتل تحت مظلة الجيش، وبعضها يحتفظ بقيادته المستقلة، وبعضها الآخر ينظر إلى السلاح، باعتباره الضامن الوحيد لموقعه في أي ترتيبات سياسية مقبلة. وبينما تدخل الحرب السودانية عامها الرابع، يبدو أن ملف الإصلاح الأمني والعسكري، الذي كان أحد أعقد ملفات الفترة الانتقالية قبل اندلاع القتال، قد تحول من أزمة قابلة للتفاوض إلى معضلة وجودية تهدد مستقبل الدولة نفسها.
قبل انفجار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في إبريل 2023، كانت النقاشات السياسية والعسكرية تدور بصورة مكثفة حول كيفية بناء جيش مهني موحد، ضمن ترتيبات الاتفاق الإطاري بين المدنيين والعسكريين. وقتها تمحور الخلاف الأساسي حول الجدول الزمني لدمج قوات الدعم السريع داخل القوات المسلحة. الجيش دفع باتجاه إتمام العملية خلال عامين، بينما تمسك الدعم السريع بفترة تصل إلى عشرين سنة، قبل أن تنتهي المفاوضات إلى صيغة توافقية، تقضي بعشر سنوات، تتدرج عبر ثلاث مراحل، تبدأ بتوحيد القيادة العليا، ثم توحيد الفرق والوحدات العسكرية، وصولا إلى إعادة هيكلة هيئة الأركان.
لكن جوهر الأزمة لم يكن زمنيا أو فنيا فقط، بل كان سياسيا بامتياز. فالإصلاح الأمني الحقيقي يعني في جوهره، إعادة توزيع القوة داخل الدولة، وتقليص النفوذ الاقتصادي والعسكري لمراكز القوى التقليدية والطارئة على السواء. لذلك لم يكن مستغربا، أن تتحول قضية الدمج والتسريح إلى أحد أهم أسباب التوتر بين طرفي الصراع، وأن تصبح لاحقا الشرارة، التي سبقت الانفجار العسكري الأكبر في تاريخ السودان الحديث.
غير أن الحرب نفسها لم تؤدِ فقط إلى تعطيل مشروع الإصلاح الأمني، بل أعادت تشكيل المشهد العسكري بصورة أكثر تعقيدا. ففي عام 2023 كان السودان يواجه معضلة دمج قوتين كبيرتين داخل مؤسسة عسكرية واحدة، أما اليوم، فإن البلاد تواجه واقعا أكثر تشظيا، يتمثل في تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة وتضارب ولاءاتها السياسية والجهوية والعقائدية.
فعلى جانب القوى المتحالفة مع الجيش، برزت خلال الحرب تشكيلات عديدة بعضها، أعيد إحياؤه من إرث النظام السابق، وبعضها الآخر تمدد تحت مظلة التعبئة العسكرية، التي فرضتها الحرب. فهناك الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام (القوات المشتركة) وقوات درع السودان بقيادة أبو عاقلة كيكل، إضافة إلى كتائب البراء بن مالك ذات الخلفية الإسلامية المصنفة إرهابية، فضلا عن مجموعات مسلحة قبلية وجهوية من شرق السودان وغربه، وقوات أخرى تعمل بصورة شبه مستقلة رغم تحالفها الميداني مع الجيش.
وخلال الأيام الماضية، ظهر مقطع فيديو لعناصر من الفرقة الثانية عشرة التابعة للحركة الشعبية لتحرير السودان ـ شمال، جناح مالك عقار، وهم يحتجون على احتجاز أحد قادتهم بواسطة الاستخبارات العسكرية، في مشهد يعكس حجم التوترات الكامنة داخل التحالفات العسكرية الحالية. فحتى داخل المعسكر الذي يقاتل تحت راية الجيش، لا تبدو العلاقة بين هذه القوى مستقرة أو خاضعة لسلسلة قيادة موحدة بالمعنى المؤسسي المعروف.
في المقابل، تتصاعد أدوار بعض الحركات المسلحة بصورة لافتة، وعلى رأسها حركة جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، والتي عززت حضورها العسكري والسياسي خلال الحرب، وباتت أقرب إلى التحالف مع التيار الإسلامي داخل معسكر الجيش. ويبدو هذا التقارب واضحا في طبيعة الخطاب السياسي والتنسيق الميداني، خصوصا مع تنامي نفوذ الجماعات المرتبطة بالحركة الإسلامية داخل المشهد العسكري.
وعلى الضفة الأخرى، يتحرك جبريل إبراهيم، قائد حركة العدل والمساواة- الذي يواجه عقوبات- بصورة مختلفة تقوم على بناء شبكة تحالفات عسكرية واجتماعية ممتدة من غرب السودان إلى شرقه، مع العمل على استقطاب مجموعات جديدة ودمجها داخل حركته المسلحة. وقد أثار هذا التوسع تساؤلات متزايدة وسط المراقبين بشأن أسباب استمرار هذه القوات خارج المنظومة العسكرية الرسمية، رغم مشاركتها في القتال إلى جانب الجيش، ورغم الحديث المتكرر عن خطط الدمج والتسريح.
وتزداد الصورة تعقيدا مع استمرار حضور التشكيلات الإسلامية المسلحة، وعلى رأسها قوات البراء بن مالك المصنفة إرهابية، التي تحولت خلال الحرب إلى أحد الفاعلين الميدانيين داخل معسكر الجيش. فالحركة الإسلامية المصنفة ارهابيا، التي فقدت سلطتها السياسية بسقوط نظام عمر البشير عام 2019، تنظر إلى الحرب الحالية، باعتبارها فرصة لإعادة إنتاج نفوذها الأمني والعسكري. لذلك لا يبدو مستغربا أن ترفض تفكيك هذه التشكيلات قبل نهاية الحرب، وفقا لما تؤكده مصادر مطلعة، إدراكا منها أن أي عملية دمج مبكرة قد تؤدي إلى خسارة أدوات القوة، التي استعادت عبرها جزءا من حضورها السياسي.
وهنا تكمن إحدى أخطر معضلات المرحلة الراهنة. فكلما طال أمد الحرب، تراجعت فرص بناء جيش مهني موحد، لأن مراكز القوى الجديدة تترسخ تدريجيا عبر السلاح والاقتصاد وشبكات المصالح المحلية والإقليمية. كما أن استمرار اقتصاد الحرب يمنح هذه التشكيلات موارد مستقلة، تعزز من قدرتها على البقاء خارج سيطرة الدولة المركزية.
ورغم إعلان قيادة الجيش قبل أسابيع عن إعداد خطة لدمج وتسريح جميع القوات المتحالفة معه، إلا أن هذه التصريحات ظلت حتى الآن أقرب إلى الرسائل السياسية منها إلى مشروع تنفيذي واضح، في ظل غياب جدول زمني معلن أو مصفوفة تفصيلية لآليات التنفيذ والتمويل وإعادة التأهيل. كما أن التجارب السابقة في السودان، منذ اتفاقية أديس أبابا عام 1972 مرورا باتفاقية السلام الشامل 2005 وحتى اتفاق جوبا 2020، أظهرت أن معظم عمليات الدمج كانت تتم بصورة جزئية أو انتقائية، دون الوصول إلى عقيدة عسكرية وطنية جامعة.
ويطرح قادة الحركات المسلحة، خصوصا مناوي وجبريل، مسألة تنفيذ اتفاق جوبا للسلام كأولوية تسبق أي عملية دمج شاملة. فمن وجهة نظرهم، فإن قواتهم ليست مجرد مليشيات مؤقتة، بل جزءا من ترتيبات سياسية وقانونية مرتبطة بالاتفاق. غير أن هذا الطرح يصطدم بمخاوف متزايدة من تحول اتفاقات السلام نفسها إلى مظلة دائمة لتعدد الجيوش داخل الدولة الواحدة، خصوصا في ظل غياب مشروع وطني شامل لإعادة بناء المؤسسة العسكرية.
في الواقع، لم تعد أزمة السودان اليوم مقتصرة على كيفية وقف الحرب ودمج قوات الدعم السريع داخل الجيش، بل أصبحت تتعلق بإمكانية استعادة مفهوم الدولة ذاتها. فالدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم بوجود جيوش متعددة، أو مراكز قوة مسلحة متوازية، أو تشكيلات عقائدية وجهوية تمتلك قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الرسمية.
ومع ذلك، فإن الحديث عن جيش وطني موحد لا يزال ممكنا من الناحية النظرية، لكنه يتطلب شروطا، تبدو بعيدة في اللحظة الراهنة. أول هذه الشروط هو الوصول إلى تسوية سياسية شاملة توقف الحرب وتؤسس لمرحلة انتقالية جديدة. كما يتطلب الأمر برنامجا حقيقيا لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، إلى جانب تفكيك اقتصاد الحرب، ومنع النشاط السياسي والعسكري للتنظيمات العقائدية، وبناء عقيدة عسكرية مهنية تقوم على الولاء للدستور لا للأفراد أو الجماعات.
غير أن التحدي الأكبر يظل في الإرادة السياسية نفسها. فالكثير من القوى المسلحة الحالية لا ترى في الجيش المهني الموحد ضمانا لمستقبلها، بل تعتبره تهديدا مباشرا لنفوذها ومصالحها. ولذلك فإن معركة الإصلاح الأمني في السودان ليست معركة فنية حول الدمج والتسريح فقط، بل هي معركة سياسية حول شكل الدولة السودانية المقبلة: هل تكون دولة مؤسسات تحتكر السلاح، أم ساحة مفتوحة لتوازنات البنادق والتحالفات المؤقتة؟
ذلك هو السؤال الذي ستتوقف عليه ملامح السودان في مرحلة ما بعد الحرب.






