في مواجهة “ترقب الكنيسة”.. من يدير “المسار”؟

 وسط تساؤلات بلا توقف بشأن مشروع قانون “هيئة عامة لإدارة مسار العائلة المقدسة” تتبع مجلس الوزراء، تسلمته لجنة السياحة بمجلس النواب في “مايو الماضي”، اعتبر مقربون من المقر البابوي تصريحات البابا تواضروس الثاني– بابا الإسكندرية، بطريرك الكرازة المرقسية إبان احتفالية “دخول العائلة المقدسة مصر”- مطلع يونيو الجاري- بشأن حفاظ الرهبان والكهنة على محطات المسار عبر التاريخ، رفضًا ضمنيًا للمقترح البرلماني الموقع من 60 نائبًا.

وتحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بـ”عيد دخول العائلة المقدسة مصر” سنويًا في الأول من يونيو، في حين أن احتفالية هذا العام تخللتها تصريحات مباشرة من البابا، يقول فيها ما نصه: إن الكنيسة تحتفل بعيد مجيء العائلة المقدسة إلى مصر منذ القرون الأولى، في حين أن الدولة بدأت اهتمامها به منذ سنوات قليلة.

ويمتد مسار العائلة المقدسة لنحو 3500 كيلو متر ذهابًا، وإيابًا، في 25 محطة من محافظة شمال سيناء إلى أسيوط، ويضم 33 موقعًا ما بين نقاط، ومحطات مرور، بدءًا من “رفح”- غرب العريش-، ومرورًا بـ”الشرقية، وكفر الشيخ، وسمنود “محافظة الغربية”، ومصر القديمة، والمعادي بـ”القاهرة”، وانتهاءً بـ”جبل الطير”- المنيا، ودير درنكة- “أسيوط”.

” مسار العائلة المقدسة”.. سلطة الإدارة لمن؟

وفي مايو الماضي، قدم النائب عمرو درويش- وكيل لجنة السياحة، والطيران المدني بمجلس النواب، مشروع قانون تحت مسمى “إنشاء الهيئة العامة لمسار العائلة المقدسة”.

وتضمن مشروع القانون، الذي صنفه باعتباره “مشروعًا قوميًا” 14 مادة، بهدف توحيد الجهود في إطار منظم، وموحد يتم من خلاله تطوير مسار العائلة المقدسة، والخدمات المقدمة، وتنظيم رحلات المزارات، والترويج للمسار عالميًا، من خلال بوابة إلكترونية معدة لذلك، ووضع ضوابط الزيارات، والأعداد المصرح بها، باعتبارها مصدرًا رئيسًا من مصادر الجذب السياحي.

 بإعلان مشروع قانون “هيئة عامة لمسار العائلة المقدسة” لم يناقش بعد داخل مجلس النواب، أثيرت عاصفة تساؤلات بشأن بعض مواده، التي تُبرز تداخلًا بين السلطة الكنسية، وسلطة الهيئة المزمع تأسيسها على نقاط المسار، حيث تضمنت المادة الثالثة على سبيل المثال ما يلي: تتكون موارد الهيئة من الاعتمادات المالية، التي تخصصها الدولة، وعوائد استثمار الأراضي، والمنشآت التابعة لها، ورسوم الزيارات والخدمات التي تقدمها الهيئة في نقاط المسار، والمنح، والهبات، والتبرعات، والإعانات، وفقًا للقواعد المنظمة لهذا الشأن.

بمحاذاة ذلك، تساءل الدكتور إيهاب رمزي– عضو مجلس النواب السابق- عن بند تحصيل الهيئة لتبرعات الأقباط بالكنائس، لافتًا إلى أنها تعد تدخلًا في أمور مرتبطة بالعقيدة المسيحية، وأردف قائلًا: “كيف تدير هيئة معظم أعضائها من المسلمين شؤون الكنيسة، في ظل أن نقاط المسار معظمها كنائس تخضع لسلطة المقر البابوي في تحديد الكهنة، ومواعيد الصلوات، والرحلات الداخلية، والأعياد، والاحتفالات، إنها كنائس وليست مناطق سياحية أثرية”.

وحسب المادة السابعة لـ”مشروع القانون”، يتولى إدارة الهيئة العامة لمسار العائلة المقدسة مجلس إدارة يٌشكل على النحو التالي: رئيس مجلس الإدارة، وأعضاء مجلس الإدارة المنتدبين ممثلي الوزارات التالي ذكرها من الدرجة الممتازة: الدفاع والإنتاج الحربي، والسياحة والآثار، والطيران المدني، والتنمية المحلية، والثقافة، والمالية، والنقل والمواصلات، والتخطيط، والمتابعة، والإصلاح الإداري، والاستثمار والتعاون الدولي، وممثل عن جهاز المخابرات العامة، وممثل عن الاتحاد العام للغرف السياحية، وممثل عن الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، وممثل عن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وثلاثة من ذوي الخبرة في مجالات عمل الهيئة، ولمجلس إدارة الهيئة الاستعانة بأي من الوزارات، أو الجهات، أو الهيئات، التي تحتاجها في سبيل تحقيق أهدافها”.

خطوة غير مكتملة

وفي أعقاب التصريحات البابوية المناوئة ضمنيًا لوجود “هيئة عامة لمسار العائلة المقدسة”، لم يشر النائب عمرو درويش مقدم “مشروع القانون” إلى أية مناقشات خلال الفترة الحالية داخل مجلس النواب، مؤكدًا انشغال البرلمان بمناقشة الموازنة العامة للدولة.

لكن ذلك لم يمنع النائب السابق إيهاب رمزي- المقرب من المقر البابوي- من توصيف “مشروع القانون” على أنه بلا هدف، معرجًا على أن تطوير المسار، والاهتمام به لا يحتاج إلى إنشاء هيئة عامة، واستطرد قائلًا: “إذا كان الهدف منه استثمارًا سياحيًا، فإن وزارة السياحة هي المنوطة بالأمر”.

وسبق أن أطلقت وزارة السياحة في أكتوبر 2017 مبادرة تحت رعاية الوزير الأسبق يحيى راشد لـ”اعتماد مسار العائلة المقدسة قبلة للحج المسيحي”، في أعقاب زيارة البابا فرنسيس الأول بابا الفاتيكان للقاهرة في إبريل من العام ذاته، تأسيسًا على مقولته: “جئت للحج في أرض السلام”.

 على الصعيد ذاته، يقول نادر جرجس منسق لجنة إحياء مسار العائلة المقدسة بأندية “روتاري”: إن مشروع قانون “هيئة عامة لمسار العائلة المقدسة” يعد خطوة غير مكتملة، وإن كان فكرة سليمة، لكن صياغتها غير حرفية، ولا تخدم الفكرة.

ويضيف عضو لجنة إحياء مسار العائلة المقدسة السابق بوزارة السياحة، ورئيس لجنة إحياء المسار بـ”روتاري”، أن تصنيف مشروع القانون، الذي لم يناقش بعد داخل مجلس النواب على أنه رؤية لتنمية السياحة الدينية، فإن من تطرق لصياغته يظل مطالبًا بأن يأخذ في الاعتبار رؤى من سبقونا لهذا المجال، ويستطرد قائلًا: “لا يوجد مزار ديني مرهون برسم دخول”.

ويرى “جرجس”، الذي يتحفظ على وجود ممثل واحد للكنيسة في الهيئة العامة المقترحة– حسب مشروع القانون- أن المشروع قبل صياغته، وتقديمه لمجلس النواب كان لا بد أن يعرض على مستشاري البابا تواضروس لاستطلاع رأي الكنيسة.

ويسترجع– منسق لجنة إحياء مسار العائلة المقدسة- آليات عمل وزارة السياحة مع ملف “السياحة الدينية” إبان فترة الوزير الأسبق يحيى راشد، مؤكدًا أن ثمة لقاءات دورية كانت تجري داخل المقر البابوي للاستماع، وتبادل الرؤى، ما أحدث توافقًا كبيرًا بعكس مشروع القانون الراهن، الذي يلقى معارضة.

تخوفات قبطية من مشروع القانون

لم يخف “جرجس” تضامنه مع إنشاء هيئة لإدارة مسار العائلة المقدسة، لكن هناك تخوفات قبطية، من أن تصبح محطات مسار العائلة المقدسة مناطق محظورة الدخول، ويستطرد قائلًا: “لا بديل عن حوار مجتمعي في هذا الشأن”.

وبموجب المادة السادسة في “مشروع القانون” تنقل تبعية الأراضي والمنشآت السياحية (غير الأثرية) الواقعة في نطاق نقاط المسار بقرار من رئيس مجلس الوزراء إلى الهيئة”.

ورغم نفي الأنبا بيمن، منسق لجنة العلاقات العامة بالمجمع المقدس علم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بتفاصيل مشروع قانون “هيئة مسار العائلة المقدسة”، وعدم وصول أية مسودات للمقر البابوي، فإن النائب السابق إيهاب رمزي اعتبر تصريحات البابا تواضروس المتعلقة بحفاظ الرهبان على المسار منذ 2000 عام، رفضًا ضمنيًا لمشروع القانون، عطفًا على رفض المجمع المقدس، والأقباط بصفة عامة.

يقول رمزي: إن إحياء التراث محل تقدير، بشرط ألا يكون هناك تدخلًا في الشأن الكنسي، مشيرًا إلى أن مسار العائلة المقدسة يعد “مقدسًا” لدى الكنيسة.

ويرى– عضو مجلس النواب السابق- أن الأقباط شعروا بشكل من أشكال الاحتكاك- على حد تعبيره- في حين أن الكنيسة تعيش حالة تناغم مع مؤسسات الدولة، بما يعني ضرورة تجميد ما يمكن أن يثير صدامًا في المرحلة الراهنة.

 وتساءل– عضو مجلس النواب السابق- عن جدوى تضمين مجلس إدارة الهيئة المقترحة ممثلًا واحدًا عن الكنيسة الأرثوذكسية، لافتًا إلى عدم معقولية ذلك، في ظل أن كل محطات المسار كنائس تخضع لسلطة الكنيسة، وبالتالي لا علم لأعضاء الهيئة بطرق إدارتها- على حد تعبيره.

وفي ضوء إشارة البابا تواضروس الثاني، إلى “أن المسار منذ القرون الأولى موجود، ومصون، وتتم صيانته من خلال الآباء الساكنين فيه، بما يعني اختلافه عن الآثار الأخرى، التي لم يسكنها أحد”، يضيف رمزي، أن الكنيسة تحافظ على محطات المسار عبر التاريخ، لكنها لا تستطيع القيام بترميم أية كنيسة أثرية إلا بعد الحصول على تراخيص وزارة السياحة، والآثار، التطوير.

 ويحذر– عضو مجلس النواب السابق- من صدام على خلفية هذا المشروع المقترح، متسائلًا عن عدم استطلاع رأي الكنيسة، وتضمينها كرقم مهم في معادلة التطوير، والاستفادة من إسهامات البابا في حملة الدعاية للمسار في كل دول العالم.

الكنيسة لم تعلن موقفًا رسميًا

 وفي سياق ذلك، لم يفصح الأنبا مكاريوس أسقف المنيا، وتوابعها، عن رأيه في مشروع القانون المقترح، مكتفيًا بعبارة “لم أكون رأي حتى الآن”، يأتي ذلك في ظل إشادة الأنبا بيجول أسقف، ورئيس دير المحرق أبرز محطات مسار العائلة المقدسة، والذي قضت فيه العائلة المقدسة نحو 6 أشهر، حسب التقليد الكنسي، بجهود الدولة في تنمية، وتطوير مسار العائلة المقدسة.

بالتوازي مع ذلك، ينفي الدكتور إيهاب رمزي– عضو مجلس النواب السابق– معارضة الأقباط لأية أعمال تنموية، أو تطوير في المناطق المحيطة بمسار العائلة المقدسة، وإقامة بنية تحتية قوية لتلبية احتياجات الزائرين الأجانب، لكن ذلك لا يعني قبول تضمين اختصاصات الهيئة المقترحة إدارة الكنائس.

برلمانيون أقباط وقعوا على مشروع القانون!

وبرلمانيًا، يقول رمزي: إن النواب الذين وقعوا على مقترح مشروع قانون هيئة مسار العائلة المقدسة، والبالغ عددهم 60 نائبًا، تصوروا أن الكنيسة وافقت على المقترح، ومواد القانون.

وحسب تصريحاته لـ”مصر360″، فإن هناك نوابا أقباطا وافقوا على مشروع القانون، دون أن ينتبهوا إلى أن الكنيسة لم يؤخذ رأيها في صياغة مواده.

وحول عدم صدور بيان رسمي عن الكنيسة في هذا الشأن، يرى عضو مجلس النواب السابق، أنها ليست بحاجة لذلك، بعد ما أدلى به البابا من تصريحات خلال احتفالية “دخول العائلة المقدسة مصر”.

فيما ينفي “رمزي” علمه، بما إذا كانت ستجرى جلسات استماع قبيل مناقشة مشروع القانون داخل مجلس النواب، أو ستجري مقابلات مع الكنيسة في هذا الشأن، واصفًا المشروع الراهن، بأنه “فخ” ينصب لسلب الكنيسة سلطتها على كنائس مسار العائلة المقدسة.

يشار إلى أن المادة الرابعة من مشروع القانون تشير، إلى أن أموال الهيئة أموال عامة، ولها في سبيل اقتضاء حقوقها اتخاذ إجراءات الحجز الإداري طبقاً لأحكام القانون رقم 308 لسنة 1955 في شأن الحجز الإداري.

.