بين مسار تدعمه الخماسية الدولية (الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والإيجاد) ويستند إلى لجنة تحضيرية جامعة، ودعوة داخلية تواجه أزمة ثقة سياسية، يبحث السودانيون عن مخرج لحرب تدخل عامها الرابع.
بينما كانت وفود القوى السياسية والمدنية السودانية تتوافد إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا للمشاركة في المشاورات التي دعت إليها الآلية الخماسية الدولية مطلع يونيو الجاري، كان الفريق أول عبد الفتاح البرهان يوجه في خطابه بمناسبة عيد الأضحى دعوة لإطلاق حوار سياسي شامل داخل السودان، تشارك فيه ـ بحسب تعبيره ـ “القوى الوطنية وأصحاب الوجعة”، بهدف التوافق على أسس البناء الوطني واستكمال الانتقال المدني الديمقراطي.
للوهلة الأولى قد تبدو الدعوتان متشابهتان؛ فكلتاهما تتحدث عن حوار سوداني وسلام مستدام ومستقبل سياسي جديد للبلاد. لكن التدقيق في السياق والظروف المحيطة بكل منهما يكشف أن السودان يقف اليوم أمام مسارين مختلفين، لا يتنافسان فقط على إدارة المرحلة المقبلة، بل على تعريف العملية السياسية نفسها ومن يملك حق قيادتها.
فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب التي اندلعت في إبريل 2023، لم يعد السؤال المركزي في السودان يتعلق بمن ينتصر عسكرياً بقدر ما أصبح متعلقاً بكيفية بناء توافق سياسي يمنع انهيار الدولة ويضع حداً لدائرة الحرب المستمرة. وفي هذا السياق تكتسب مشاورات أديس أبابا أهميتها، ليس لأنها أنتجت اتفاقاً نهائياً أو خارطة طريق مكتملة، وإنما لأنها نجحت في جمع أطراف سياسية ومدنية تنتمي إلى معسكرات متباينة؛ بعضها محسوب على القوى الداعمة للجيش، وبعضها على القوى الرافضة للحرب، وبعضها الآخر ارتبط بمواقف أقرب إلى الدعم السريع.
هذا التطور وحده يمثل تحولاً مهماً في المشهد السوداني. فخلال السنوات الماضية فشلت معظم المبادرات في تجاوز حالة الاستقطاب الحاد التي قسمت الساحة السياسية إلى معسكرات متصارعة. أما في أديس أبابا فقد جلس خصوم سياسيون حول طاولة واحدة للبحث في كيفية تأسيس لجنة تحضيرية تمهد لحوار سوداني- سوداني أوسع.
وربما كانت فكرة اللجنة التحضيرية نفسها هي التطور الأهم الذي أفرزته مشاورات أديس أبابا. فالقضية لا تتعلق بمجرد لجنة فنية تتولى تنظيم الاجتماعات أو إعداد جداول الأعمال، وإنما بآلية سياسية ستحدد في نهاية المطاف شكل العملية السياسية المقبلة وحدودها. فاللجنة المقترحة ستكون معنية بوضع معايير المشاركة، وتحديد القضايا المطروحة للنقاش، وصياغة المرجعيات الحاكمة للحوار، وهو ما يجعلها في نظر كثير من القوى السياسية المدخل الحقيقي لرسم ملامح السودان بعد الحرب. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تتحول اللجنة نفسها إلى موضوع خلاف بين الأطراف المختلفة، فبعض القوى تنظر إليها باعتبارها ضمانة لعدم احتكار العملية السياسية من قبل الأطراف العسكرية أو بقايا النظام السابق، بينما تخشى قوى أخرى أن تصبح أداة لإعادة تشكيل المشهد السياسي وفق موازين قوى جديدة قبل أن يبدأ الحوار نفسه.
ورغم أن بيان الآلية الخماسية تحدث عن مشاورات “صعبة ولكن مثمرة”، فإن ما تحقق لا يزال أقرب إلى التوافق على آلية للحوار منه إلى التوافق على مضمون التسوية، فالقوى المشاركة ما زالت تختلف حول قضايا جوهرية تتعلق بمستقبل السلطة الانتقالية، والإصلاح الأمني والعسكري، والعدالة الانتقالية، وحدود المشاركة السياسية، وموقع الإسلاميين من العملية السياسية المقبلة.
لكن أهمية ما جرى تكمن في أن الأطراف المختلفة نجحت، ولو مؤقتاً، في الانتقال من منطق الإقصاء الكامل إلى منطق الحوار المشروط، وهي خطوة قد تبدو متواضعة، لكنها تكتسب وزناً كبيراً في بلد مزقته الحرب وأضعفته الانقسامات.
ولعل ما يلفت الانتباه أن البيان الختامي للخماسية لم يتحدث عن اتفاق سياسي شامل أو تسوية نهائية، وإنما ركز على بناء الثقة وتوسيع دائرة المشاورات وتأسيس عملية سياسية أكثر شمولاً. وهو ما يعكس إدراكاً لدى الوسطاء الإقليميين والدوليين بأن الأزمة السودانية أصبحت أكثر تعقيداً من أن تعالج عبر تفاهمات سريعة أو صفقات ثنائية بين الأطراف المتحاربة.
في المقابل، جاءت دعوة البرهان للحوار من موقع مختلف تماماً. فقد طرح الرجل رؤية تقوم على حوار يُعقَد داخل السودان وترعاه الدولة، مع رفض ما وصفه بحوارات ومؤتمرات العواصم الخارجية، والتأكيد على استبعاد من تلطخت أيديهم بدماء السودانيين.
ومن هنا يمكن فهم الفارق بين المسارين المطروحين اليوم. فمشاورات أديس أبابا تنطلق من محاولة بناء توافق سياسي واسع حول قواعد العملية السياسية قبل الانتقال إلى ترتيبات الحكم، بينما تنطلق دعوة البرهان من موقع السلطة القائمة التي تعرض رعاية الحوار داخل السودان. كما أن مسار الخماسية يسعى إلى جمع قوى متباينة في مواقفها من الحرب ومن أطرافها المختلفة، في حين ترتبط دعوة البرهان بشروط مسبقة للمشاركة وبسقف سياسي تحدده الدولة ومؤسساتها. وبينما يقوم المسار الأول على فكرة التوافق على قواعد اللعبة قبل الشروع في ممارستها، يبدو المسار الثاني أقرب إلى حوار يراد له أن يتحرك داخل إطار سياسي تم تحديد معالمه سلفاً.
ورغم ما تحمله دعوة البرهان من إشارات إيجابية تتعلق بالحوار واستكمال الانتقال المدني، إلا أن فرص تحولها إلى عملية سياسية جامعة تبدو محدودة. فالقوى المدنية الرئيسية التي شاركت في أديس أبابا لم تبدِ حماساً واضحاً للتجاوب معها، ليس رفضاً لفكرة الحوار نفسها، وإنما بسبب أزمة الثقة العميقة التي تحكم العلاقة بين هذه القوى والسلطة القائمة منذ سنوات. كما أن البيئة السياسية الراهنة لا تبدو مهيأة لنجاح حوار تدعو إليه جهة واحدة في ظل استمرار الحرب واتساع دائرة الاستقطاب.
إلى جانب ذلك، فإن الخطاب نفسه حمل مفارقة واضحة؛ ففي الوقت الذي دعا فيه البرهان إلى حوار سياسي شامل، ظل متمسكاً بخيار الحسم العسكري ومواصلة القتال ضد قوات الدعم السريع. وهو ما يجعل الحوار المطروح أقرب إلى مسار سياسي موازٍ للحرب، وليس بديلاً عنها أو مدخلاً مباشراً لإنهائها.
أما في أديس أبابا، فقد بدا المشهد مختلفاً. صحيح أن الخلافات كانت حاضرة بقوة، وصحيح أن الانقسامات ظهرت حتى داخل الكتل السياسية نفسها، كما حدث داخل مكونات الكتلة الديمقراطية، إلا أن جميع الأطراف المشاركة تقريباً انطلقت من فرضية مشتركة مفادها أن الحرب لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، وأن البحث عن تسوية سياسية أصبح ضرورة وطنية قبل أن يكون مطلباً دولياً.
ولهذا اكتسبت تصريحات المسؤولين الأمريكيين، وفي مقدمتهم مسعد بولس، أهمية خاصة. فحديثه عن تقدم دبلوماسي يستند إلى إعلان مبادئ برلين وإلى دعم أكثر من عشرين دولة ومنظمة دولية، يعكس وجود إرادة دولية متنامية لإعادة إطلاق المسار السياسي السوداني. كما أن بيان الخماسية حمل رسالة واضحة برفض أي ترتيبات يمكن أن تؤدي إلى قيام هياكل حكم موازية أو تكريس الانقسام الجغرافي والسياسي داخل البلاد.
غير أن التفاؤل الدولي لا يعني بالضرورة اقتراب الحل. فالسودان شهد خلال السنوات الماضية عدداً من المبادرات التي بدأت بوعود كبيرة وانتهت إلى نتائج محدودة. كما أن تعقيدات الأزمة الحالية تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية إلى قضايا تتعلق بمستقبل الدولة نفسها، وشكل الجيش، وطبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم، وآليات العدالة والمحاسبة، فضلاً عن آثار الحرب الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية.
ومع ذلك فإن الطريق لا يزال مفتوحاً على أكثر من احتمال. فالسيناريو الأكثر تفاؤلاً يتمثل في نجاح اللجنة التحضيرية في توسيع قاعدة التوافق السياسي وتحويل المشاورات الحالية إلى عملية سياسية تدريجية تنتهي بوقف الحرب وفتح الطريق أمام ترتيبات انتقالية جديدة. أما السيناريو الثاني فيقوم على استمرار الحوار دون تحقيق اختراق حقيقي، بحيث تنجح الأطراف في إدارة خلافاتها لكنها تعجز عن الوصول إلى تسوية نهائية. بينما يبقى السيناريو الثالث والأكثر خطورة هو عودة الاستقطاب السياسي والعسكري من جديد بسبب الخلافات حول التمثيل أو شروط المشاركة أو مستقبل القوى المتصارعة، وهو ما قد يؤدي إلى إجهاض الزخم الذي خلقته مشاورات أديس أبابا وإعادة الأزمة إلى نقطة البداية.
لهذا ربما تكون القيمة الحقيقية لاجتماعات أديس أبابا أنها أعادت طرح السؤال الصحيح في اللحظة المناسبة. فبعد سنوات من الرهان على الحسم العسكري، بدأت قطاعات متزايدة من السودانيين، ومعها أطراف إقليمية ودولية مؤثرة، تدرك أن إنهاء الحرب لن يتحقق عبر انتصار طرف على آخر، وإنما عبر بناء حد أدنى من التوافق الوطني يسمح بإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة.
وفي هذا السياق، لا يبدو التحدي الأساسي هو إطلاق حوار جديد، بل تحديد أي حوار يملك القدرة على جمع السودانيين حول طاولة واحدة. وبينما تبدو دعوة البرهان محاصرة بأزمة الثقة وشروط البيئة السياسية الراهنة، فإن مسار أديس أبابا، رغم هشاشته وكثرة تعقيداته، يملك فرصة أكبر لأنه يستند إلى قاعدة أوسع من التمثيل والانفتاح على مختلف الأطراف.
وربما لهذا السبب تحديداً ستشكل المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً للفرقاء السودانيين. فإما أن تتحول اللجنة التحضيرية إلى مدخل لحوار وطني جاد يفتح الطريق نحو السلام، وإما تنضم إلى قائمة طويلة من المبادرات التي اصطدمت بجدار الانقسام السوداني المزمن. وفي الحالتين، يبقى المؤكد أن السودان لم يعد يحتمل حرباً أخرى، ولا فشلاً سياسياً جديداً، وأن الوقت يضيق أمام الجميع للانتقال من إدارة الصراع إلى صناعة السلام.






