تتزايد صادرات مصر العلفية من البرسيم الحجازي بوتيرة مستمرة مع فتح أسواق جديدة وزيادة المساحات المنزرعة، مثيرة تساؤلات حول الهدف، إذ تأتي في وقت تشكو فيه مصر من تحديات مائية، وتُضيق مساحات الأرز على المزارعين؛ لتوفير مياه الري، وتستورد فيه الأعلاف من الخارج.

تتراوح المساحات المنزرعة بالبرسيم الحجازي، الذي يسميه المزارعون المصريون “دريس الفحل”؛ لكون أعواده أطول وأثقل من البرسيم التقليدي، بين 200 و600 ألف فدان، وتتراوح إنتاجية الفدان بين 10 و15 طنًا من البرسيم الطازج في الموسم، لكنه محصول معُروف عنه شراهة استهلاك الماء.

يُقدر إجمالي إنتاج مصر من البرسيم الحجازي حوالي 3.05 ملايين طن، وترتكز زراعته في الوادي الجديد (توشكى وشرق العوينات) بمعدل إنتاج يصل لنحو 1.7 مليون طن، والنوبارية بنحو 251,958 طنا، ومطروح بنحو 88,920 طنا، وفق بيانات وزارة الزراعة.

البرسيم الحجازي هو نبات عشبي دائم الخضرة، ويحتاج لدرجة حرارة بين 18 و30 درجة مئوية، يُزرع في فصلي الربيع والخريف، وبالتحديد في شهري مارس وإبريل، وسبتمبر وأكتوبر، ويحتاج إلى الري مرة في الأسبوع، على عكس محاصيل مثل القمح الذي يحتاج للري 4 مرات فقط خلال فترة عمره بالكامل.

يتم حصاد محصول “البرسيم الحجازي” بنظام القطف (يترك الجزء السُفلي من النبات حتى ينمو مجدًدًا)، ويجري الحصاد الأول بعد 40 يومًا من الزراعة بمجرد وصول طول النبات لحوالي 40 سنتيمترا، ويتكرر الأمر بعدها كل 30 يومًا.

إلى أين يذهب المنتج؟

تُصدر كميات كبيرة من البرسيم الحجازي لأصحاب مزارع الأبقار الحلوب بالخليج، ما يسهم في زيادة إنتاجها من الألبان، إذ يحتوي ذلك النبات على نسبة بروتين تصل إلى 22%، وهي نسبة عالية جًدا مقارنة بالعلف الطبيعي.

كما يعتبر عنصرًا مهمًا لأصحاب مزارع التسمين وتربية الأغنام والماشية؛ لما يضمه من قيمة غذائية عالية، تزيد من النمو ووزن الحيوان، لتوافر الكثير من العناصر الغذائية والفيتامينات وبأسعار أقل من الأعلاف المصنعة.

بحسب خبراء الزراعة، فإن المنتج المصري، الذي يتم تصديره متميز، إذ يتضمن نسبة رطوبة من 8% إلى 10% صيفاً وبين 10% إلى 14% شتاء، ونسبة الألياف القابلة للهضم بالحامض الوسط المتعادل تتراوح بين 35 و42% ونسبة الألياف القابلة للهضم بالحامض ADF تتراوح بين 26 و31%، ومحتوى السموم الفطرية لا يزيد عن 15 جزءا في المليون. كما تتميز الصادرات المصرية منه، بأنها خالية من كافة الشوائب (أسلاك حديدية- مواد بلاستيكية- مواد صلبة) بأوزان من 25 كيلو إلى 600 كيلو حسب الطلب.

المهندس أحمد عرفات، رئيس مجلس إدارة شركة إجروفاجن للحاصلات الزراعية، يقول إن السوق السعودي يسحب كميات كبيرة من البرسيم الحجازي المصري، تصل إلى مليون ونصف طن سنويًا، لافتًا إلى أن شهر يونيو من العام الماضي شهد  حجز جميع المساحات المزروعة  للتصدير إلى المملكة بمتوسط 150 إلى 220 حاوية.

أما أحمد أبو هبي ، رئيس مجلس إدارة «أوفر سيز» للتجارة للحاصلات الزراعية، فقال في مايو 2025، إن الشركة تعاقدت على تصدير ألفي طن من البرسيم الحجازي لدولة الإمارات العربية المتحدة بقيمة 800 ألف دولار خلال الفترة المقبلة، مضيفًا أن الشركة تصدر 100% من الإنتاج لدول الخليج وأوروبا وبعض دول أمريكا اللاتينية، وتسعى لدخول أسواق جديدة في إفريقيا وعدد من الدول العربية الأخرى.

الغريب، أن مصر أبدت رغبتها في استيراد البرسيم من البرازيل في 2020 خلال زيارة قامت بها وزيرة الزراعة البرازيلية “تيريزا كريستينا”، وقال الأمين العام للغرفة التجارية العربية البرازيلية تامر منصور (حينها)، الذي رافق الوزيرة في هذه الزيارة: “تعمل مصر على النهوض بالإنتاج الحيواني وزيادة اللحوم والألبان. وبالتالي، فقد أبدى المسؤولون اهتماماً كبيراً باستيراد البرسيم، واستخدامه كعلف للحيوانات الكبيرة الحجم”.

يتركز النشاط الزراعي للبرسيم الحجازي في الوادي الجديد بفضل التربة الخصبة والظروف المناخية المناسبة، وذلك على الرغم من قرار محافظ الوادي الجديد، اللواء محمد الزملوط، في 2020 السماح بزراعة 10% فقط من مساحة الأرض الكلية التابعة لصندوق استصلاح الأراضي بالمحافظة بمحصول البرسيم الحجازي، لتشجيع صغار المزارعين على تربية الماشية، لكن مع الحفاظ على المخزون الجوفي من المياه.

ويعتبر الوادي الجديد أكثر الأماكن زراعة لذلك المحصول، خاصة  منطقة توشكى والتي تعتبر وجهة استثمارية رئيسية لزراعة وتصدير البرسيم الحجازي (الدريس) في مصر. وتصل القدرات التصديرية في بعض مزارع المنطقة إلى تعاقدات بـ 10 آلاف طن سنوياً، بأسعار تصدير تنافسية تبدأ من حوالي 370 دولارًا للطن.

إهدار كبير للمياه

يقول الدكتور محمد فتحي سالم، أستاذ الزراعة الحيوية بجامعة السادات، إن مصر تصدر البرسيم الحجازي إلى دول الخليج العربي، بما يعادل نحو 4 مليارات متر مكعب من المياه سنويًا، معتبرًا أن توجيه هذه الموارد لخدمة الإنتاج الحيواني المحلي سيكون أكثر جدوى للاقتصاد والأمن الغذائي.

يستهلك فدان البرسيم الحجازي سنوياً كميات تتراوح بين 5,000 إلى 8,000 متر مكعب من المياه، وتختلف الكمية الفعلية، بحسب عوامل المناخ، وطبيعة التربة، ونظام الري المستخدم، بينما يستهلك فدان الأرز ما بين 4000 إلى 7000 متر مكعب من المياه خلال فترة زراعته (التي تستغرق نحو 3 إلى 4 أشهر)، أي أن الأرز الذي يضرب به المثل في استهلاك المياه يمثل 80% من استهلاك البرسيم الحجازي.

وقال سالم، إن الأولوية يجب أن تكون لتشجيع زراعة البرسيم الحجازي في مناطق الوادي الجديد، خاصة الفرافرة والداخلة والخارجة وتوشكى والعوينات، مع التوسع في تربية الأغنام للاستفادة من الأعلاف المنتجة محليًا والمساهمة في تقليص فجوة اللحوم الحمراء.

وقد وضعت الحكومة المصرية خططاً استراتيجية لرفع نسبة الاكتفاء الذاتي من الخامات العلفية، خاصة الذرة الصفراء وفول الصويا، بهدف الوصول إلى نسبة اكتفاء تتراوح بين 70% و75% مستقبلاً.

خطط الحكومة تستهدف تقليل الفاتورة الاستيرادية إذ يتم استيراد ما بين 14 و17 مليون طن سنوياً من الخامات العلفية، حيث تعتمد على الاستيراد لتلبية ما بين 80% إلى 95% من احتياجات السوق من المكونات الأساسية.

يضيف سالم، أن مصر تستورد ما يقرب من 1.4 مليون طن من اللحوم الحمراء الحية والمبردة والمجمدة سنويًا، واستمرار تصدير البرسيم الحجازي مقابل استيراد اللحوم يضع البلاد في حلقة مفرغة، تتعلق بملف الأمن الغذائي، تستوجب إعادة النظر في أولويات الإنتاج والتصدير لتحقيق قيمة مضافة أكبر للاقتصاد الوطني.

وأوضح سالم، أن الحل لا يكمن بالضرورة في منع التصدير بشكل كامل، وإنما في تحقيق التوازن بين احتياجات السوق المحلي والعائد التصديري. فبدلًا من تصدير جزء كبير من العلف كمواد خام، يمكن توجيه نسبة أكبر منه لدعم وتنمية الثروة الحيوانية المصرية.

على سبيل المثال، تنتج السعودية، التي تستورد البرسيم من مصر والبرازيل وأستراليا، أكثر من 2.6 مليون طن من الحليب والألبان سنويًا، محققة بذلك اكتفاءً ذاتياً يتجاوز 130%. يعتمد هذا الإنتاج الضخم على مزارع الأبقار المتخصصة، حيث تضم المملكة ما يقارب 600 ألف رأس من الأبقار الحلوب.

في المقابل، تستورد مصر أكثر من 100 ألف طن في العام لبن بودرة، وجزء كبير منها يدخل في إنتاج الأجبان، وتعتمد العديد من المصانع وشركات الأغذية على استيراد الحليب المجفف لإعادة تكوينه واستخدامه كبديل أو مُحسن في إنتاج الأجبان النصف صلبة (مثل الجبنة الرومي) والجبنة البيضاء.

لفت سالم إلى أن تحويل العلف إلى منتجات غذائية نهائية مثل اللحوم والألبان يحقق قيمة مضافة أعلى بكثير من تصدير المادة الخام نفسها. فالدول القوية اقتصاديًا لا تعتمد على تصدير المواد الخام فقط، بل تعمل على تصنيعها أو استخدامها في إنتاج سلع ذات عائد اقتصادي أكبر، مما يزيد من الدخل القومي ويعزز القدرة التنافسية للاقتصاد.