عودة دولة الاحتلال لاستكمال جرائم الإبادة الجماعية في قطاع غزة دون امتلاك أي قوة ردع عربية لوقفها، فتح الباب أمام مناقشة كيفية ردع إسرائيل، وهل الردع العسكري والمقاومة المسلحة يكفيان بمفردهما لردع الاحتلال؟ الحقيقة، أن كل المؤشرات تشير إلى أن ما جرى في قطاع غزة على مدار ما يقرب من عام ونصف، والاستباحة التي قامت بها إسرائيل، ترجع لعوامل عدة، أحدها تفوقها العسكري والآخر الدعم الأمريكي المطلق لها، ولكن ثالثها يتعلق بنقاط ضعف هيكلية في المقاومين وبشكل خاص حركة حماس، كما أن الدول العربية لا يمكنها أن تردع إسرائيل، إلا لو بنت نظما لديها شرعية سياسية في الداخل وغير مكبلة بالديون ومستقلة في قرارها السياسي، أما أن يتصور أحد، أن أعداد القطع العسكرية وضخامة الجيوش أو شجاعة عناصر المقاومة عوامل تحسم فقط ردع إسرائيل، فهو مخطئ؛ لأن الردع يتطلب بالأساس منظومة نجاح سياسية واقتصادية.
والحقيقة، أن قرار حماس بالقيام بعملية ٧ أكتوبر كرد على جرائم الاحتلال من حصار وتجويع واستيطان في غزة والضفة، كان فيه كثير من الجرأة، ولكنه أغفل شروط نجاح أي عملية عسكرية، بأن تكون عنصر ضغط على عدوها أي إسرائيل من أجل الالتزام بقرارات الشرعية الدولية المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني، وهو لن يتم، إلا إذا كانت حماس تمتلك مشروعا سياسيا قادرا على أن يوحد الداخل الفلسطيني ويؤثر في الخارج.
إن تصور أن عملية بحجم ٧ أكتوبر يمكن أن تحقق أهدافها في ظل الانقسام الفلسطيني الحالي خطأ كبير، فلا يمكن القول إن المهم الإعداد العسكري الجيد للعملية وإخفائها عن إسرائيل، ثم قتل حوالي ١٢٠٠ إسرائيلي بعضهم مدنيون، وأسر مئات آخرين، وفي نفس الوقت تجاهل أن المشروع السياسي الذي يفترض أن يغطي هذه العملية منقسم على ذاته، وأن هناك طرفا أي الرئاسة الفلسطينية مشغولة بإدانة حماس أكثر من مواجهه الاحتلال، كما أن الجناح السياسي للطرف الثاني من معادلة الانقسام هذه مصنف مع جناحه العسكري بأنه إرهابي بحيث لا يستطيع التفاوض مع أعدائه أو مع مخالفيه في التوجه دون وسطاء، بل وحتى المتضامنين مع الشعب الفلسطيني في كل الدول الغربية، ليس لهم أي علاقة بحركة حماس، ويتبرؤون من مشروعها الفكري والسياسي، كلما جاءتهم الفرصة لإعلان ذلك، وهو على عكس ما جرى مع كل القادة السياسيين في تنظيمات المقاومة المسلحة في مختلف تجارب التحرر الوطني الذين شكلوا غطاء سياسيا دوليا لتنظيماتهم المسلحة، سواء كان المؤتمر الوطني في جنوب إفريقيا، والذي خاض النضال المسلح والسياسي حتى التحرر والقضاء على نظام الفصل العنصري، أو جبهة التحرير الوطني الجزائرية التي استخدمت الكفاح المسلح، وصنفتها فرنسا في البداية، بأنها جماعة إرهابية، ولكنها امتلكت “جهاز سياسي” قاد مظاهرات في أوروبا، وخاصة في فرنسا البلد المحتل، وامتلك شرعية أن يفاوض الاحتلال حتى نالت الجزائر استقلالها.
والحقيقة، أن تجاهل حماس لأمرين واعتبارهما هامشيين، رغم أنهما من شروط نجاح أي فعل عسكري: الأول الانقسام الداخلي الفلسطيني، فلم تبذل أي جهد يذكر مثل فتح لمواجهته قبل القيام بعملية بحجم ٧ أكتوبر، حتى يكون هناك غطاء سياسي موحد لهذه العملية ويحمي الشعب الفلسطيني، والثاني غياب الجناح السياسي القادر على أن “يصول ويجول” في العالم دفاعا عن حقوق الشعب الفلسطيني وفضحا لجرائم دولة الاحتلال، وأن يكون حتى مجرد “مساعد” للجهود الكبيرة التي قامت بها جنوب إفريقيا في محكمة العدل الدولية.
غياب هذا الغطاء السياسي جعل سقوط أكثر من ٥٠ ألف شهيد أغلبهم من المدنيين، دون ثمن ودون قدرة على حساب إسرائيل على هذه الجرائم، وإن تجاهل حماس لما تعرفه جيدا قبل ٧ أكتوبر، أنها حركة إشكالية داخل محيطها الفلسطيني، فهي طرف مباشر ومسئول عن الانقسام الحالي، وأيضا داخل محيطها العربي؛ لأنها غير مقبولة من معظم الدول العربية، وعلى المستوى الدولي، هي تنظيم تصنفه أمريكا وكبريات الدول الغربية كتنظيم إرهابي، ولم يستطع أن يمتلك أدوات قوة أو اقناع لكي يغير هذا التصنيف حتى اللحظة.
ما تعتبره حماس والمقاومة المسلحة الفلسطينية “أمور هامشية” مثل، بناء نموذج سياسي ملهم في الداخل وامتلاك مشروع سياسي قادر على التأثير في الخارج، اتضحت تداعياته، وسهل من مهمة دولة الاحتلال في استباحة الدماء الفلسطينية والترويج لرواية حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، واجتثاث حماس، وإن أمكن أيضا تهجير الفلسطينيين من أرضهم.
إن معادلة قوة النموذج السياسي وشرعيته الشعبية ومتانة الوضع الاقتصادي هي من البديهيات التي يجب أن تكون حاضرة لدى كل الدول العربية والشرق أوسطية المحيطة بإسرائيل، فلا يجب أن يتصور أحد، أن مواجهه إسرائيل تطلب فقط قدرات عسكرية قوية، إنما أيضا وربما أساسا اقتصاد قوي قادر على أن يتحمل تبعات أي مواجهه مسلحة ورضا شعبي حقيقي تجاه النظام القائم، ودولة قانون عادلة، يشعر فيها المؤيدون والمعارضون، بأن حقوقهم متساوية أمام القانون.
لم يعد مقبولا الاستهانة بالمنظومة السياسية المحيطة بالفعل المسلح لأي بلد، أو حتى بالتنظيم المقاوم، إنما يجب أن تكون حاضرة وذات أولوية قصوى، حتى لا نشاهد كوارث جديدة وهزائم مؤلمة.