لما كانت العملية الانتخابية، لا بد لها من سياج قانوني، يحدد مسارها منذ اللحظة الأولى، وحتى إعلان النتيجة النهائية، وإغلاق الباب، وتحديد من له الحق في تمثيل المواطنين في مجلس النواب، فإن لهذه القوانين وضعيتها الحساسة في كونها تحمي العديد من الحقوق والحريات المرتبطة بتفعيل حق الانتخاب ذاته، وكذلك حماية حقوق المرشحين في الترشح وتحديد أطر الترشح والشروط اللازمة؛ لخوض المعترك الانتخابي، ومن ناحية لا تقل أهمية لحماية حقوق المواطنين “الناخبين” في تعميق المسار القانوني لهيمنة حقهم وبسطه على الساحة السياسية بأسرها، وهذا الأمر جميعه تحكمه مجموعة النصوص التشريعية التي يضعها بشكل نظري، المجلس التشريعي، بوصفه المسئول الرئيسي عن التشريعات في الدولة، بعيداً عما يدور في الأفق من هيمنة الأغلبية الحكومية، وبالتالي تمرير القوانين التي تشاءها الدولة من خلال تلك الأغلبية.

ويبدو دور المحكمة الدستورية دورا مفصليا قاطع الدلالة في إرساء الشكل الدستوري، وإسباغ الوصف السليم على تلك التشريعات الحاكمة والمنظمة للانتخابات، وهو الأمر الذي لا شك فيه في ارتباطه بشكل وثيق في ترسيخ معاني أو مبادئ الديمقراطية الحاكمة، مما يُفعل الدور السياسي للمحكمة الدستورية العليا، ناهيك عن دورها القضائي أو القانوني في تفعيل مبادئ دولة القانون وسيادة القانون بشكل مجمل، وهو أمر تعود نفعيته على حقوق المواطنين، وبشكل خاص وفي حدود ما يرتبط بالانتخابات، في حماية الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين.

وليس دور المحكمة الدستورية العليا بحديث عهد، فعلى مر التاريخ كان لها دوراً رئيسياً في أمر الانتخابات، سواء من حيث حماية الحق في الانتخاب أو الحق في الترشح لخوض الانتخابات، كما يبدو ذلك في حماية الانتخابات ذاتها كمضمون فاعل لمعنى الديمقراطية، سواء كان ذلك في تحديد النظام الانتخابي أو تقسيم الدوائر الانتخابية، أو في تفعيل الرقابة القضائية على الانتخابات، فعلى سبيل المثال نجد الحكم في القضية رقم 11 لسنة 13 قضائية، والذي قٌضي فيه بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة 24 من القانون رقم 73 لسنة 1956 بتنظيم مباشرة الحقوق السياسية- قبل تعديله بالقانون رقم 13 لسنة 2000- فيما تضمنه من جواز تعيين رؤساء اللجان الفرعية من غير أعضاء الهيئات القضائية. وجرى قضاء ذلك الحكم، على أن نصوص الدستور تتوخى أن تحدد لأشكال من العلائق السياسة والاجتماعية والاقتصادية مقوماتها، ولحقوق المواطنين وحرياتهم تلك الدائرة التي لا يجوز اقتحامها، فلا يمكن أن تكون النصوص الدستورية- وتلك غاياتها- مجرد نصوص تصدر لقيم مثالية ترنو الأجيال إليها، وإنما قواعد ملزمة لا يجوز تهميشها أو تجريدها من آثارها أو إيهانها من خلال تحوير مقاصدها أو الإخلال بمقتضياتها أو الإعراض عن متطلباتها، فيجب دوما أن يعلو الدستور، ولا يعلى عليه، وأن يسمو ولا يُسمى عليه.

وفي الحكم في الدعوى رقم 131 لسنة 6 قضائية المحكمة الدستورية العليا، قضت المحكمة بعدم دستورية المواد الخامسة مكرراً والسادسة “فقرة 1” والسابعة عشر “فقرة 1” من القانون رقم 38 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب المعدل بالقانون رقم 114 لسنة 1983، وقد جاء في ذلك الحكم، ما يمثل ترسيخاً لمعاني الديمقراطية وعلاقتها بسيادة القانون، بأنه وإن كان الأصل في سلطة التشريع عند تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور بقيود محددة، وأن الرقابة على دستورية القوانين لا تمتد إلى ملائمة إصدارها، إلا أن هذا لا يعني إطلاق هذه السلطة في سن القوانين دون التقيد بالحدود والضوابط التي نص عليها الدستور، ومن ثم، فإن تنظيم المشرع لحق المواطنين في الترشيح ينبغي ألا يعصف بهذا الحق، أو ينال منه على نحو ما سلكته النصوص المطعون فيها، إذ حرمت غير المنتمين إلى الأحزاب من حق الترشيح. ومن ثم تكون هذه النصوص قد تعرضت لحقوق عامة كفلها الدستور، وحرمت منها طائفة من المواطنين، فجاوز المشرع بذلك دائرة تنظيم تلك الحقوق الأمر الذي يحتم إخضاعها لما تتولاه هذه المحكمة من رقابة دستورية.

كما جاء في الحكم رقم 37 لسنة 9 قضائية، بأن الدستور إذ كفل- في المادة 62 منه- للمواطن حق الترشيحات غير مقيد بالانتماء الحزبي، وقرر في المادة 40 من حرية في الحقوق العامة، ومنها حق الترشيحات، وهو من حقوق الحرية التي تأتي في أساس من الحقوق العامة لتعلقها بالإرادة الشعبية المعبرة عن سابقه الشعب، وحظر الجميع فيها؛ بسبب اختلاف الآراء الحرة، وما يختص بالسلطة في المادة الثامنة، أن إخلاء حرية جميع الحقوق، مؤجلة هذه النصوص مترابطة ومتكاملة، إن شاء المستوفون لشروط الترشيحات لعضوية مجلس الشعب، يرى أنه بالنسبة لحق الترشيحات في أعضاء منفصلين، مما يجب أن تكون مارستهم لهذا الحق على التقدم وعلى أساس من الفرص المكافئة في المنافسة بالعضوية وفصل النظر عن أحزابهم الحزبية وعدمها، على أن يكون المرجع في المنافسة على العضوية للمرشحين- مستقلاً كان أو حزبياً، نظام الانتخاب بالقوائم الحزبية أو نظام الانتخاب- إلى إرادة الهيئة التي تمارس رقابة الشعب التي هي مصدر السلطة للجميع. وهو ما استتبع أن قضت المحكمة بعدم دستورية المادة الخامسة مكرراً من القانون رقم 38 بحكم 1972، فيما يتعلق بمجلس الشعب المعدل بالقانون رقم 188 بحكم 1986، فيما يمنعه من النص على أن يكون لكل دائرة عضو واحد، يتم اختياره عن طريق الانتخاب، ولكن ما عدا باقي الممثلين للدائرة عن طريق الانتخاب بالقوائم الحزبية.

ومن خلال هذه الأمثلة، يبدو جليا، بأن هناك دورا فاعلا وحقيقيا ومؤثرا للمحكمة الدستورية في حماية الكيان القانون للقوانين المنظمة للانتخابات، بما يعني حمايتها لمعنى الديمقراطية وترسيخ مضمونها وتفعيل مبادئها في الواقع الحياتي، وهو الأمر الذي نتطلع أن يكون له صدى حقيقي حيال انتخابات مجلس النواب الجارية خلال هذه الأوقات، وبشكل أخص فيما جرت عليه من نظام القائمة المغلقة، وهو ما يستتبع التطرق إلى تقسيم الدوائر الانتخابية، لكون هذا النظام لم يكن محققاً لآمال وطموحات الشعب المصري بكافة أطيافه، فيكفي أن ندلل على ذلك بأن ذلك النظام الانتخابي قد حسم نصف مقاعد مجلس النواب المقبل لأعضاء تلك القائمة دون خوض انتخابات، لعدم وجود قوائم مضادة، وهو ما كان له الأثر البالغ في حسم المقاعد بشكل غير مسبوق، مما سيكون له تأثير على أعمال مجلس النواب المقبل، بشكل لايحقق له الدور الدستوري المرسوم من غاية تشريعية أو رقابية على أعمال الحكومة، وهو ما يصيب المجلس القادم من قبل انعقاده بالضعف والهوان، وأرى أن ذلك سيكون محققاً من خلال أحد الطعون المقدمة على مسار هذه الانتخابات، متضمناً ما أصابه من أوجه عوار وعيوب، أفقدتها رونقها وبريقها، بل وأبعدتها عن شكلها الطبيعي.