في شهر يونيو عام ٢٠١٨ ، و تحت عنوان البحث عن حزب أغلبية، وبمناسبة ما عرف وقتها باجتماعات سهل حشيش بين أحزاب الموالاة كتبت أقول إن الحياة السياسية المصرية في حاجة ماسة- حقا وصدقا ويقينا- إلى حزب أغلبية، يساند الحكومة، ويوفر ظهيرا سياسيا لرئيس الجمهورية، ولكن بشروط أهمها أن يكون لهذا الحزب المستهدف قوام قيادي و تنظيمي مستقل ذاتيا عن الرئاسة، وعن أجهزة الدولة العميقة، بمعنى أنه حزب موالاة سياسية، لا حزب تبعية إدارية أو أمنية، بحيث يشارك في تأليف الحكومة، وفي صنع سياساتها، وفي المبادرات التشريعية، ومن ثم إقناع الرأي العام من خلال المناقشات البرلمانية، و الحوارات الحزبية الداخلية، وحوارات أعضاء الحزب بمستوياته المختلفة مع عموم المواطنين، على أن يستتبع ذلك بالضرورة وجود معارضة برلمانية لها أيضا قوامها المستقل، ورؤاها أو برامجها المختلفة عن سياسات الحكومة.

في ذلك الوقت كانت الكتلة البرلمانية الداعمة للحكومة تسمى تحالف دعم مصر، وكان نجوم تلك المرحلة من طراز المرحوم سامح سيف اليزل، و وزير الشباب الأسبق خالد عبد العزيز، و سلفه في الوزارة لاعب النادي الأهلي السابق طاهر أبو زيد، ورجل الأعمال محمد السويدي والصحفي أسامة هيكل، و مع تقديري لأشخاصهم، فهم في الأصل نكرات سياسية، أخجل من نفسي ومن قرائي اني مضطر لذكرهم في سياق تحليل سياسي جاد، أما المعارضة فكانت تتمثل وقتها في حزب المصريين الأحرار.

بالطبع إن مجرد استعراض تلك الأسماء المذكورة أعلاه، ينبئ بفشل محاولة تشكيل حزب الأغلبية المبتغي، بما أنه يذكرنا باختفائها من المسرح السياسي، أو بمعني أصحّ حرقها وإبعادها، ومعها عشرات غيرهم ممن كانوا يشاركونهم هذا الدور، وذلك دون سبب واضح أو مقنع، كأن لم يغنوا فيها بالأمس، و لنفاجأ في ذلك الوقت بانهيار ذلك التحالف نفسه داخل البرلمان، وليتصدر مشهد الأغلبية البرلمانية حزب مستقبل وطن بقيادات شبه مجهولة، فيما يجري انشقاق شبه مدبر داخل حزب المصريين الأحرار، فيترتب على ذلك انهيار التجربة كلها.

أما برلمان ٢٠٢٠ فلم يأت بجديد يذكر، أو حتي قديم يعاد، لنصل إلى مشهد انتخابات العام المنقضي، التي تصارعت فيها أحزاب الموالاة مع بعضها- خاصة بعد أن ظهر من المجهول حزب جديد من الفصيلة نفسها تحت مسمي الجبهة الوطنية، كما أظهرت تلك الانتخابات للكافة عمق و اتساع حالة الفراغ السياسي، وهزلية المشهد برمته، ونزعت مسبقا ماكان يفترض من الثقة في برلمان سيتعين عليه مواجهة استحقاق نهاية الفترة الرئاسية الحالية والأخيرة للرئيس عبد الفتاح السيسي، حسب نصوص الدستور المعدلة.

إن أسباب عدم ظهور حزب أغلبية ولو بالحد الأدني من شروط المصداقية، تتضح من العودة إلى ماذكرناه في الفقرة الأولي من هذا المقال من شروط قيام ذلك الحزب، والتي نضيف إليها التخلي عن فكرة ادارة الحياة السياسية بوصفها امتدادا تمثيليا وتنظيميا لأجهزة الدولة العميقة، وليست تمثيلا منظما لقوي اجتماعية ذات إيديولوجيات أو رؤى سياسية ومعبرة عن مصالح اقتصادية ،بالإضافة إلى الاستعداد الجاد لقبول وجود معارضة غير كرتونية هي بدورها من تصنيع تلك الأجهزة، ومن خامات رديئة في غالب الأحوال.

ولكي نصل إلى هذا المطلوب إثباته ، ينبغي أن يكون ذلك من أولويات ماتبقى من سنوات الفترة الرئاسية الأربع، وهنا نفترض أنه يوجد أساس لا بأس به للانطلاق منه، وهو أعمال المحور السياسي للحوار الوطني، الذي انعقد، ولايزال منعقدا على الورق- بمبادرة من الرئيس السيسي نفسه، بالإضافة إلى التكليف الرئاسي للدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء، بالعمل على تحويل مصر إلى دولة مدنية ديمقراطية أي تعددية، وهو التكليف الذي أعلنه مدبولي في ديسمبر عام ٢٠٢٠، في الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة الفساد.

ربما يستحسن أن أختتم هذه السطور باستخلاص درس تأسيس حزب أغلبية ناجح، و يحوز ثقة النخبة، و ثقة أغلبية الناخبين، وذلك في نظام سياسي هو النسخة الأصلية لنظامنا، أي النظام المختلط بين الرئاسي والبرلماني، وفي ظروف سياسية شبه استثنائية تعطي وضعا خاصا لشخص رئيس الجمهورية الجالس بالفعل على كرسي الرئاسة، أقصد النظام الفرنسي والتجربة الديجولية.

معروف أن الجنرال ديجول لم يكن يثق في الأحزاب السياسية، و كان يعتبر تناحرها هو السبب في الهزيمة الشائنة في بداية الحرب العالمية الثانية، ولكنه لم يكن قادرا على مواصلة الحكم دون ظهير سياسي، ومن هنا فإنه اضطرّ لمساندة أنصاره في تأسيس حزب التجمع من أجل الجمهورية، لكنه كان حزبا بمعني الكلمة، فكان الحزب يجتهد لنيل أصوات الناخبين، وكان يشارك الرئيس في اختيار وزراء الحكومة المنبثقة أصلا منه، كما كان الرئيس يحترم حق الحكومة في وضع برنامجها وتطبيقه، عدا الشئون الخارجية والدفاع بوصفها اختصاص أصلي للرئيس نفسه.

يُؤثر عن ديجول أنه قال في معرض شرحه لأسباب حاجته إلى ظهير سياسي حزبي: “إنني لا أتصور نفسي ذاهبا إلى الجمعية الوطنية (البرلمان ) لأناقش أسعار اللبن والخبز”.

مفهوم بالطبع أن هذا ليس هو الحال مع رؤسائنا المصريين جميعا وبلا استثناء، فهم يتدخلون في كل شيء، و يوجّهون حول كل صغيرة وكبيرة، بما في ذلك مدرب المنتخب القومي لكرة القدم، وهذا ما سنستعرضه في مقالنا التالي.