البرلمان التركي وافق في 22 ديسمبر 2025 على التمديد الثالث لمهام القوات التركية في ليبيا لعامين إضافيين بدءاً من 2 يناير 2026، وفي اليوم التالي مباشرة وصل الى مطار «إيسنبوغا» في أنقرة الوفد العسكري الليبي برئاسة الفريق أول محمد الحداد رئيس الأركان في غرب ليبيا، وعضوية اللواء الفيتوري غريبل رئيس أركان القوات البرية والعميد محمود جمعة القطيوي مدير الصناعات العسكرية، ومحمد العيساوي مستشار رئيس الأركان، حيث التقى بوزير الدفاع يشار جولر، والجنرال سلجوق بيرقدار أوغلو رئيس هيئة الأركان العامة، لبحث مستقبل التعاون العسكري بين الجانبين.
تباين المصالح
تزامن قرار تمديد وجود القوات التركية بليبيا لتستكمل 8 أعوام، مع مباحثات الحداد في أنقرة، تفرض التعرف على موقف كل جانب من مسألة استمرار هذه القوات:
رؤية محمد الحداد تجاه مقاربة الوجود العسكري الأجنبي وقضية الاستقلال والسيادة الوطنية، تباينت بحدة مع الرؤية التركية، لكنه حرص على أن يكون ذلك تباينًا مؤسسيًا لا صداميًا أو معلنًا، الحداد تبنّى رؤية مهنية، انطلقت من دوره القيادي في مسار توحيد المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا وغربها من خلال لجنة «5+ 5»، وإيمانه بمبدأ السيادة الوطنية والاستقلال ووحدة الدولة، وبالتالي كان يؤمن بضرورة الإنهاء التدريجي للوجود العسكري الأجنبي- بما فيه الوجود التركي- كمرحلة لاحقة للتسوية الشاملة وفرض الاستقرار، وبالتالي إخضاع هذا الوجود لترتيبات قانونية وإجرائية واضحة مرتبطة بسقف زمني محدد.
أما تركيا فتعتبر وجودها العسكري في غرب ليبيا حقا شرعيًا، لأنه تم بطلب من حكومة، كان معترفًا بها دوليا، وتم توثيقه باتفاقيات عام 2019، وترى استمراره ضروريًا كعامل ردع لتجنب أي تهديدات أمنية جديدة، رافضة الانسحاب المنفرد قبل توفر ضمانات أمنية بعدم المساس بالغرب الليبي، وخروج جميع القوات الأجنبية الأخرى، بما فيها الروسية والبعثات الفرنسية والإيطالية والبريطانية والأمريكية.
هذا التباين في الرؤى لم يرتقِ إلى مستوى الخصومة، بسبب حكمة الحداد ومراعاته للتوازنات الوطنية والقبائلية والميليشياوية الحساسة في البلاد، لكنه أصبح أقل حماسًا لشرعنة بقاء طويل الأمد دون أفق واضح، وأكثر تمسكًا بمقاربة تدريجية، تحمي الدولة الليبية من تحوّل الوجود الخارجي إلى أمر واقع مستدام.
والخلاصة؛ أن الحداد كان يرى الوجود التركي في ليبيا، باعتباره ترتيبات مؤقتة، بينما سعت تركيا لتثبيت وجودها في شطري البلاد كأمر واقع طويل الأمد.. الحداد لم يكن خصما لتركيا، لكنه لم يكن حليفا مضمونا، بل تهديدا لوجودها العسكري في ليبيا خلال المديين المتوسط والبعيد.
سقوط الطائرة ونظرية المؤامرة
بعد 16 دقيقة فقط من إقلاعها من مطار «إيسنبوغا» في أنقرة مساء 23 ديسمبر متجهةً إلى طرابلس، شهدت الطائرة انخفاضا حادا في السرعة العمودية، قبل أن تبدأ في الهبوط «وفق تقرير فلايت رادار»، ثم أرسلت نداء استغاثة «كود 7700»، وهو إشارة طوارئ، تستخدم في الحالات التي تتطلب تدخلا فوريا، سواء كان بسبب حالة طبية طارئة، أو مشكلة فنية في الطائرة «برهان الدين دوران رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية أرجعها لعطل كهربائي»، طاقم الطائرة طلب الهبوط الاضطراري، لكن سلطات المطار أعلنت انقطاع الاتصال واختفاء الطائرة من الرادار قبل تحطمها ومصرع الوفد الليبي وطاقم الطائرة «7 أفراد» قرب أنقرة.
الكاتب الصحفي الليبي عيسى عبد القيوم، أعاد التذكير بعملية اغتيال اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش السابق، بسبب رفضه تدخل «الناتو» في ليبيا عام 2011، وقال متسائلاً: «هل يحق لنا وضع فرضية، أن مقتل الفريق الحداد ورفاقه جاء أيضاً ضمن سياق رفضه للوجود الأجنبي؛ أم أنه القضاء والقدر؟!».. عبد المنعم الحر أستاذ العلوم السياسية ورئيس المنظمة الليبية لحقوق الإنسان، اتفق معه في التفسير التآمري للحادث، لكنه أكد وجود مؤشرات لتدخل طرف خارجي دبر الحادث لتوريط تركيا وتفجير أزمة ثقة بينها وبين حلفائها الليبيين، مشيرا إلى تنافس قوى عديدة داخل الأراضي الليبية، لكل منها مصلحة في خلط الأوراق، أهمها روسيا وفرنسا وغيرهم.
والواقع، أنه فيما يتعلق بالشبهات المتعلقة بالدور الروسي؛ فإن انفتاح تركيا على الشرق الليبي وربط مصالحه الاقتصادية والعسكرية والنفطية بعلاقات تعاون عميقة مع أنقرة، كان خصما من نفوذ موسكو ومصالحها في ليبيا، وأي عمليات تستهدف زرع الشكوك والقلق في بنغازي تجاه تركيا، يحقق مصالح روسيا التي تعتبر ليبيا بوابتها نحو إفريقيا، خاصة أن ذلك قد تزامن مع حرب ظل مستعرة بين موسكو وأنقرة، أبرز محطاتها الشبهات المتعلقة بتورط روسيا في إسقاط وتفجير طائرة شحن عسكرية تركية في 11 نوفمبر 2025، والقصف الجوي الروسي المباشر لسفينة تركية في ميناء أوديسا الأوكراني على البحر الأسود منتصف ديسمبر، وغموض مقتل رئيس وحدة الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU) أندريه أفريانوف في هجوم جوي على ناقلة النفط الروسية «قينديل» قبالة السواحل الليبية.
أما كون فرنسا داخل دائرة الشكوك؛ فالطائرة التي استقلها وفد قيادة الأركان الليبية هي طائرة فرنسية الصنع من طراز (فالكون 50)، ليست تابعة للجيش الليبي، ولكنها مستأجرة من شركة «هارموني جيتس» المالطية المتخصصة في رحلات رجال الأعمال، لكن المثير للدهشة أن الطائرة التي أقلت الوفد الليبي إلى أنقرة ليست هي نفس الطائرة التي سقطت بهم في رحلة المغادرة!! ولكن الاثنتين من نفس الطراز، وتجري عمليات صيانتهما الدورية في ليون بفرنسا، وكل منهما مزود بثلاثة محركات نفاثة؛ لتكون أكثر أمنا في مواجهة الأعطال الطارئة، الطائرة قادها طياران فرنسيان محترفان ومضيفة قبرصية يونانية.
فرنسا صاحبة مصلحة في الوقيعة بين تركيا والغرب الليبي، فعلاقات باريس مع أنقرة متدهورة، وسيطرة تركيا على الغرب الليبي أثار غضب الإليزيه الذي كان يطمع في إيجاد موطئ قدم له في شمال إفريقيا، بعد فقدان مواقعه في الساحل الإفريقي.. فرنسا عرضت تولى التحقيق في حادث الطائرة بحكم تصنيعها وطاقمها الفرنسي وخبراتها الدولية، ولكن تركيا رفضت، وعندما اعتذرت ألمانيا عن المشاركة في التحقيقات تم إسنادها لبريطانيا.. الاستبعاد الفرنسي والاعتذار الألماني والإسناد لبريطانيا، ربما أثار الكثير من الريبة والشكوك.
إجهاض توحيد المؤسسة العسكرية
الاجتهادات المتعلقة بمنظور المؤامرة ركزت على العوامل الخارجية، ولم تبد أي اهتمام بالصراعات الداخلية، الوفد الليبي الذي قضى في حادث الطائرة، كان يضم اثنين من أهم القيادات الفاعلة في اللجنة العسكرية المشتركة «5+ 5»، هما الفريق أول محمد الحداد والفريق الفيتوري غريبل.. الحداد طالب مراراً بالتواصل والتنسيق مع المشير خليفة حفتر قائد الجيش في شرق ليبيا؛ بهدف توحيد الشرق والغرب الليبيين، اللجنة قطعت شوطًا مهمًا في ملف إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية الليبية، وغياب الحداد وغريبل قد يؤدي إلى تعثر هذا المسار إن لم يكن عرقلته.. الطائرة سقطت في وقت لاح فيه قبس للخروج من نفق مظلم بتفعيل دور المؤسسة العسكرية، والمضي في تشكيل حكومة واحدة تشرف على الاستفتاء على الدستور، وإقامة انتخابات برلمانية ورئاسية.. أعداء هذا المسار معروفون للشعب الليبي، وتمسكهم بالسلطة مثار استياء محلي وإقليمي.
صراع السلطة في طرابلس
محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي بصفته قائدا أعلى للقوات المسلحة، كان مطمئنا في مواجهة الصراع على السلطة، إلى ولاء محمد الحداد رئيس الأركان ودعم «عبد الغني الككلي» المعروف بـ «غنيوة»، قائد جهاز دعم الاستقرار التابع للمجلس الرئاسي، وحتى يعزز مركز الأخير داخل النظام قدمه للولايات المتحدة وأشركه في الاجتماعات التي نظمتها في ليبيا لبحث آليات تفكيك الميليشيات وإعادة دمجها في القوات النظامية، وهي عملية اعتبرها عبد الحميد الدبيبة رئيس الحكومة تستهدف تقويض نفوذه الذي يعتمد بصفة أساسية علي الميليشيات، سواء في تأييد قراراته والعمل على تنفيذها أو في فرض سيطرته على الأهداف الاستراتيجية والخدمات والمرافق الحساسة.. حكومة الدبيبة كانت تسعى لطرح مناطق امتياز لاستغلال النفط والغاز تضم احتياطات 1.63 مليار برميل نفط مكافئ بحوض صبراتة البحري ضمن قطاع ميناء طرابلس، وذلك لحساب شركات تركية، لكن هذا القطاع كان خاضعا لسيطرة ميليشيات «الككلي»، صاحب أكبر وأقوى ميليشيات في العاصمة، مما لا يمكن استغلاله دون مشاركته أو التخلص منه، وقد تم الاستقرار على الاختيار الثاني.
الصراع على السلطة بين المنفي والدبيبة اشتعل أواره منتصف مايو 2025، جهاز دعم الاستقرار بقيادة «الككلي» فرض سيطرته على المرافق والمؤسسات والمخابرات والرقابة الإدارية، وأحكم قبضته على المؤسسة الوطنية للنفط وشركة الاتصالات، فاتهمته الحكومة بإعاقة عملها، استقواء بتبعيته للمجلس الرئاسي، كما اعتبره الدبيبة قد تجاوز معادلة التوازن الهش بين الفصائل المسلحة في العاصمة، أما تركيا فقد كانت تتطلع للسيطرة على ميناء طرابلس الخاضع للككلي، ومطار معيتيقة الذي يحكمه حليفه «جهاز الردع»، حتى تمتلك حرية تحريك قواتها من ليبيا وإليها دون عوائق.
الدبيبة استدعى تعزيزات عسكرية من قوة العمليات المشتركة المتمركزة في مصراتة والموالية للدبيبة، لدعم الميليشيات التابعة للحكومة وعلى رأسها اللواء 444 بقيادة محمود حمزة واللواء 111 التابع للدبيبة شخصيا، وذلك بالتزامن مع تحرك وحدات أخرى من الزاوية والزنتان بأوامر مباشرة من وزير الداخلية عماد الطرابلسي، الككلي رصد ذلك، ولم يتحسب لدلالاته، وقبل دعوة الوسطاء للتوجه الى مقر كتيبة حمزة بمعسكر التكبالي للمصالحة، حيث تمت تصفيته و10 من حراسة في كمين أعد مسبقًا، كبداية لعملية إعادة تشكيل الواقع العسكري والأمني في العاصمة، ليحكم الدبيبة ومن خلفه تركيا السيطرة على كل المرافق الحيوية والمنافذ البحرية والجوية ضمن تغييرات جوهرية في توازن القوى وخريطة المشهد السياسي.
مقتل «الككلي» أثار موجة من الغضب الشعبي والاحتجاجات بمناطق أبو سليم وسوق الجمعة وفشلوم في طرابلس العاصمة، للمطالبة بكشف ملابسات الجريمة وإسقاط حكومة الدبيبة التي اتهموها بالتواطؤ والتقصير، كما حملت المجالس المحلية الحكومة مسئولية تفجير الاشتباكات، واتهموها بمحاولة فرض هيكلة أمنية جديدة دون توافق ميداني، مما دفع المجلس الرئاسي بقيادة المنفي إلى إصدار قرار بتجميد قرارات الدبيبة ذات الطابع الأمني والعسكري، وتجميد صلاحيات الحكومة في الملفات الأمنية والعسكرية، كما دعا إلى وقف إطلاق نار فوري وتشكيل لجنة لتقصي الحقائق.
ولكن، بعد خسارة المنفي لـ«الككلي» افتقد محمد الحداد، وأصبح دون مرتكزات قوة يستند عليها، فهل تم ذلك من باب سوء الطالع، أم بفعل مؤامرات ومتآمرين، استهدفوا الانفراد بالسلطة في الغرب الليبي، والحيلولة دون توحيد المؤسسة العسكرية، ومنع اجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية توحد البلاد، وتطيح بأصحاب المصالح، سواء من الليبيين، أو من القوى الأجنبية التي تفرض نفوذها على البلاد؟! أسئلة تتردد أصدائها، ولكن دون إجابات شافية.






