في المقال الأول في هذه السلسلة، قلنا إنه لكي ينشأ حزب أغلبية له مصداقية سياسية، فلا بد أن يكون له قوام مستقل عن شخص الرئيس، ومؤسسة الرئاسة، ومن ثم، يكون للحكومة المنبثقة عن أغلبيته البرلمانية قوامها، وكيانها، ولا تكون مجرد (سكرتارية) للرئيس، كما هو العرف المستقر، والذي يعلو في الممارسة على النص الدستوري، بل ويخالف ذلك النص.
هذا التوصيف الصحيح والبليغ لوضع الحكومة في النظام السياسي في الدولة المصرية- والذي يسري أيضا على معظم مؤسسات النظام بنسب وأساليب متفاوتة- يكفي لتشخيص العلة الأولى والأصلية لضعف وركود الحياة السياسية المصرية، وكذلك لضحالة الحركة الحزبية، ولعل في كشف جذورها، وتبيان تطوراتها بعض الفوائد والدروس، ذلك أن الدولة الحديثة في مصر، كما أسسها محمد علي باشا، بنيت على مبدأ تجميع وتركيز كل أدوات ومظاهر ومصادر السلطة في مكان واحد، هو قصر الحاكم، وفي شخص واحد هو الحاكم نفسه، ربما باستثناء فترة صراع القوة بين القصر وبين عميد الاحتلال البريطاني، قبيل ثورة ١٩١٩ على وجه التحديد، وفي الفترات المحدودة والمتقطعة التي تولى حزب الوفد السلطة فيها، بوصفه حزب الأغلبية غير المزورة.
قبل محمد علي، ولقرنين كاملين من الزمان، كانت السلطة في مصر موزعة على عدة مراكز أو قوى، فالباشا العثماني في القلعة، وحاميته هي السلطة العليا الاسمية، ولكن يقابله أو يوازنه سلطة المماليك، الذين كانوا هم أنفسهم موزعون على أحزاب متنافسة، ويوازن هذين المركزين قوى شعبية مهمة ومؤثرة، تتمثل في علماء الأزهر، والطرق الصوفية ورؤساء طوائف الحرفيين.
أما نظام الحكم في دولة محمد علي وخلفائه، فقد قام على رفض وإنهاء تلك التعددية، ليحل محلها- كما قلنا توا- مبدأ تعبئة المجتمع والنظام حول شخص الحاكم، ومن ثم، تجميع كل مصادر مظاهر وأدوات القوة السياسية في يدي هذا الحاكم، سواء كان اسمه سمو الوالي، أم جناب الخديوي، أو عظمة السلطان، أو جلالة الملك، باستثناء الحالات المذكورة في الفقرة السابقة، ولذلك كان الباشا يوصف، بأنه المالك الوحيد والتاجر الوحيد في مصر، وكان اللقب الذي يُخاطب أو يُذكر به كل واحد من خلفائه هو ولي النعم.
نعم أدّى النفوذ الأجنبي، ثم الاحتلال البريطاني، وكذلك أدى نمو منظمات المجتمع الأهلي في المساحة بين القصر والاحتلال إلى الحد من تركيز السلطة في يد ولي النعم، ولكن كل منهم ظلت تراوده أحلام الاستبداد، وكل منهم عمل جاهدا لإجهاض كل محاولات المشاركة الشعبية، وسوف نحتاج إلى عدة مقالات، لبيان ماذا فعل كل من الخديوي إسماعيل وخليقته توفيق، ثم عباس حلمي وكل من الملك فؤاد والملك فاروق لاستبقاء السلطة في أيديهم.
أما في نظام ضباط يوليو، فإن تجميع وتركيز السلطة في مؤسسة الرئاسة وشخص الرئيس ازداد حدة وشدة، على نحو ما سيأتي بعد قليل، وهو ما أدى إلى استقرار العرف السياسي على أن الواجب الأول لرئيس الحكومة ووزرائه هو تنفيذ توجيهات السيد الرئيس، وتلقي اللوم والنقد نيابة عنه، أو بدلا منه إذا شئنا الدقة، أما المديح والثناء (أو التطبيل) فهو حق مطلق وحصري للرئيس، الذي يوصف عادة بالكبير أو بصاحب البلد.
أما إذا حاول عليها أحد رؤساء الوزراء ممارسة بعض سلطاته الدستورية، دون الرجوع للرئيس في كل صغيرة وكبيرة، فسرعان ما تردعه حقيقة، أنه لا يملك شيئا من أدوات القوة السياسية، أو سرعان ما يطاح به، والأمثلة على ذلك عديدة، وأشهرها حالة زكريا محي الدين مع جمال عبد الناصر، وحالة عزيز صدقي مع أنور السادات، وحالة كمال الجنزوري مع حسني مبارك، وربما يكمن هنا سر بقاء عاطف صدقي رئيسا للوزراء أطول فترة في رئاسة مبارك، فقد سمعت من محمود عبد العزيز الرئيس الأشهر للبنك الأهلي المصري، وكان مقربا من صدقي، أنه اقترح عليه شخصا لتولي رئاسة وانقاذ بنك متعثر، فرد عليه رئيس الوزراء مندهشا: أتظن أني أستطيع تعيين (فراش) في بنك دون استئذان الرئيس؟!
لقد اخترع نظام ضباط يوليو أدوات جديدة للسيطرة، وأدخل مجالات ومؤسسات جديدة في نطاق احتكارهم السلطوي، فبعد إلغاء الأحزاب، صودرت الحياة السياسية لحساب التنظيم الواحد الذي يترأسه الرئيس، وألغيت الانتخابات البلدية والقروية لحساب مبدأ التعيين السلطوي، وأممت النقابات المهنية والعمالية تقريبا، وكذا اتحادات العرف التجارية، واتحاد الصناعات، بل والتعاونيات، فضلا عن تأميم المؤسسات الاقتصادية والإنتاجية الكبرى، بل والصحف والمسرح وصناعة السينما، حتى السيرك القومي، وكان الرئيس- من خلال أجهزته الأمنية هو الذي يختار القيادات العليا في جميع تلك القطاعات والمؤسسات، بل كان الرئيس ولا يزال كتقليد مستقر، لا يخرج عليه النواب أنفسهم- هو الذي يختار رئيس البرلمان، بالمخالفة لروح الدستور القائم على مبدأ الفصل بين السلطات سواء في مجلس النواب أو الشيوخ، إضافة طبعا إلى حقه الدستوري في تعيين رئيس وأعضاء المجلس الأعلى للقضاء ورؤساء المحاكم الكبيرة، الذين وإن كانوا غير قابلين للعزل لا يزالون عرضة لتغول السلطوية بوسائل شتى.
لقد توفي جمال عبد الناصر، وهو يرأس الجمهورية والحكومة والاتحاد الاشتراكي، بالإضافة إلى القيادة العليا للقوات المسلحة على الرغم من إصابته بأزمة قلبية، وتمكن مرض السكر منه، وكل ذلك ليحتفظ بكل الخيوط، أو حسب كلامه لتفادي صراع المؤسسات وقت إعادة بناء القوات المسلحةّ، وكذلك فعل أنور السادات، رغم أنه حاول في البداية تخفيف تركيز السلطة، فمات أيضا وهو رئيس للجمهورية والحكومة والحزب الوطني وقائدا أعلى للقوات المسلحة، ودون أي شريك حقيقي في السلطة، إلا السيدة حرمه رحمها الله تقريبا.
أما في حالة الرئيس حسني مبارك فقد كان كل أفراد الأسرة الرئاسية هم الشركاء المهمون في السلطة على تفاوت في الأنصبة والاهتمامات.
في كل تلك النماذج ما كان يمكن أن تنشأ حياة سياسية، ولو بالحد الأدنى، وما كان يمكن لحزب الأغلبية، أو ما يسمى حزب الأغلبية أية مصداقية سياسية، لا عند الرأي العام، ولا عند بقية أطراف النخبة السياسية، بل ولا عند أعضائه أنفسهم، فالكل في مكانه بإرادة الرئيس أو رضاه على الأقل، ولا أحد يستطيع أن يبقى في هذا المكان ساعة من نهار، إذا أراد الرئيس (أو من ينوب عنه من الأسرة) إبعاده.
لذلك يسمع المراقب أو يقرأ تعبيرات وتبريرات- لا تقال ولا تكتب إلا في مصر- لحالة استسلام النخبة السياسية المشيئة الرئاسة، (وأحيانا لمشيئة أو مزاج القريبين) كالقول إنني جندي في كتيبة يقودها الرئيس، أو القول إنني خادم للرئيس، أو لقد ولدت مصر من جديد يوم ولد سيادته.
من المؤكد والمفهوم أن القارئ يتساءل، وماذا عن حقبة الرئيس عبد الفتاح السيسي؟
والإجابة هي أنه من المؤكد ومن المفهوم، أنه لا شيء تغير، وأن الحال كما كان مع كل رؤساء يوليو، وإلا ما كنا في حاجة إلى كتابة هذه المقالات من الأصل، بل كلنا نرى أن حقبة السيسي أدخلت في سلطة الرئيس القانونية والإدارية- من خلال ملكية الدولة المباشرة لقطاعات جديدة عديدة في الإعلام والاقتصاد والخدمات الجماهيرية.
خلاصة القول، هي أنه لا حزب أغلبية، ولا أحزاب معارضة. ولا حياة سياسية طبيعية في إطار نظام سياسي معبأ- دائما وأبدا- حول شخص الرئيس، لا تتحرك مؤسساته إلا بالتوجيهات، بل وتستمد وجودها ذاته من إرادة الرئيس.
لكن يبقى علينا أن نقول، وأن نعي جيدا أن ما كان يصلح- ولو بالكاد- في أحد الأوقات، لا يصلح لكل الأوقات، وأن ما كان يمكن أن يقبل- ولو على مضض- في مجتمع تعداده خمسين، أو ستين مليونا من البشر، وفي حالة حرب فعلية، لا يسهل قبوله في مجتمع تعداده مائة وعشرين مليونا من الأنفس، ويعيش حالة سلم منذ أكثر من نصف قرن من الزمان، وخاض تجربة تغيير نظامين في عامين، بين عامي ٢٠١١ و٢٠١٣.






