في ذروة التصعيد الإقليمي الحالي، خرج التحذير القطري واضحًا ومباشرا: “أي تصعيد واسع ضد إيران ستكون له عواقب كارثية” التحذير ليس موقفا إنسانيا أو لغة وساطة حيادية، بل ترجمة مباشرة لحسابات الجغرافيا والطاقة والأمن مجتمعة في رسالة محسوبة من دولة خليجية، تدرك ان أي انهيار غير محسوب سواء بضربة عسكريه أو خلخلة داخلية سيدفع الإقليم كله ثمنه، قبل أن تدفعه طهران نفسها.
التحذير لم يأتِ في فراغ. فقد تزامن مع مؤشرات تصعيد أمريكي محتمل، ومع تصاعد الحديث عن تحريك الداخل الإيراني بالتوازي مع ضربة، لا يُعرف شكلها أو نطاقها جوية، أم سيبرانية، أم مركّبة.
في هذه اللحظة تحديدًا، عاد السؤال الجوهري ليُفرض على دول الخليج ومصر بقوة، هل تكمن المصلحة في سقوط النظام الإيراني، أم في تقييد سلوكه ومنع انكسار الدولة؟
من الإجابة يبدأ فهم الموقف الإقليمي لا بوصفه تباينًا في الرؤى، بل كاختبار كلفة وحدود، تحكمه حسابات الأمن والطاقة والممرات، أكثر مما تحكمه الرغبات السياسية أو الخصومات الأيديولوجية.
الثابت أنه لطالما شكّلت إيران مصدر قلق استراتيجي متفاوت لدى دول الخليج، إلا أن النقاش حول احتمالات انهيار النظام أو تغيّر طبيعته، أعاد فكرة فرز المقاربات الخليجية من حيث المصالح والوسائل، دون أن يبدّد نقطة الالتقاء الأساسية بينها “الحفاظ على أمن الخليج واستقراره”.
الإجابة على السؤال ليست بسيطة، بل تكشف عن تباينات في المصالح والأولويات الاستراتيجية، وأن كانت تتقاطع في نقاط واضحة، سنحاول تفكيك هذه التباينات ونقاط التقاطع في السياق التالي، ولكن بعد أن نلقي نظرة على تاريخ العلاقة الملتبسة لإيران بدول المنطقة لنقترب من الصورة الكلية….
من القطيعة إلى «إدارة الخصومة»… كيف تشكّلت العلاقة الخليجية– الإيرانية؟
لم تكن القطيعة بين إيران ودول الخليج نتاج لحظة أو حادثة عابرة، بل نتيجة مسار تصادمي تراكمي، بدأ منذ الثورة الإيرانية، وتحوّل تدريجيًا من خلاف أيديولوجي إلى صراع مباشر على السيادة والأمن الإقليمي.
هذا المسار لم ينتهِ إلى حسم، بل إلى إعادة تعريف لطبيعة الخصومة نفسها.
في بداياته، تأسّس الصراع على مبدأ «تصدير الثورة»، الذي اعتبرته دول الخليج تهديدًا صريحًا لفكرة الدولة الوطنية وحدودها السياسية.
هذا التهديد لم يُقرأ نظريًا فقط، بل تجسّد عمليًا في محاولات بناء نفوذ عابر للحدود، والتواصل مع مجتمعات داخل دول الخليج خارج الأطر الرسمية للدولة. هنا وُضعت البذرة الأولى للقطيعة.
لاحقًا، انتقل الصراع إلى مستوى أكثر حدّة مع توسّع سياسة نشر الوكلاء، حيث لم تعد إيران فاعلًا، ينافس على النفوذ السياسي، بل لاعبًا يملك أدوات عسكرية غير دولية في ساحات قريبة من الخليج.
في اليمن، تحوّل الحوثيون إلى قوة صاروخية، استهدفت العمق السعودي. وفي العراق، نشأت فصائل مسلّحة، تعمل خارج سلطة الدولة.
عند هذه النقطة، لم يعد الخلاف قابلًا للإدارة الدبلوماسية التقليدية، وبدأت القطيعة السياسية تتعمّق، وبلغ الصدام ذروته حين مسّ شرايين الطاقة والملاحة عبر التهديد المتكرر لمضيق هرمز، والهجمات على ناقلات النفط، ثم استهداف منشآت أرامكو في 2019، كل هذا نقل العلاقة إلى مستوى جديد، وهو اعتبار إيران لم تعد خصمًا سياسيًا أو أمنيًا فحسب، بل عامل اضطراب مباشر في الاقتصاد العالمي.
وبالتالي لجأت دول الخليج لإعادة تقييم أدواتها، لكنه لم يدفعها إلى خيار الحرب المفتوحة، بل إلى تشديد الردع والقطيعة.
غير أن سنوات القطيعة والتصعيد أظهرت محدودية هذا المسار، حيث لم تُنهِ المواجهة نفوذ إيران، ولم تُفكّك شبكاتها، بل رفعت كلفتها، وصار الاستنزاف عبئا على الجميع عند هذه النقطة بدأ التحول الأهم، الانتقال من منطق الصدام إلى منطق إدارة الخصومة.
هذا التحول لم يأتِ في صورة مصالحة أو تطبيع استراتيجي، بل في صورة خفض محسوب للتصعيد، إعادة فتح القنوات الدبلوماسية، كما حدث بين السعودية وإيران في 2023، أو إعادة السفراء كما فعلت الإمارات قبل ذلك، لم يكن ذلك تعبيرًا عن ثقة، بل عن إدراك عملي، بأن الخصومة إذا تُركت بلا ضوابط تتحول إلى خطر غير قابل للسيطرة. في الوقت نفسه، حافظت دول الخليج على خطوطها الحمراء: لم تتخلّ عن تحالفاتها، ولم تمنح إيران شرعية لدورها الإقليمي، لكنها قبلت بواقع أن كلفة الانهيار أو الانفجار أعلى من كلفة الاحتواء.
إيران اليوم تعامل كدولة، يجب تقييد سلوكها لا كسر بنيتها، وضبط حركتها لا تجاهل وزنها. هذا ما يفسّر التعايش بين الردع والاتصال، وبين الشك السياسي والانفتاح الدبلوماسي المحدود.
الصراع الخليجي– الإيراني لم يُحلّ، لكن أُعيدت هندسته، من قطيعة قائمة على الردع والاستنزاف، إلى خصومة مُدارة؛ تهدف إلى تقليل المخاطر دون وهم الحسم. هذه الصيغة لا تعكس ثقة متبادلة، بل اعترافا بالوزن والثقل الاستراتيجي.
كيف تنظر دول الخليج اليوم إلى إيران في أزمتها؟
في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة، تقف المنطقة أمام أحد خيارين، طالما طُرحا بوصفهما متناقضين، سقوط النظام الإيراني أم تغيير سلوكه الإقليمي؟
الإجابة الخليجية الراهنة، لا تُقدَّم في صيغة موقف موحّد، لكنها تُستخلص بوضوح من مسار القرارات خلال السنوات الأخيرة. فإيران ما تزال تمثل مصدر قلق استراتيجي متفاوت التقدير بين العواصم الخليجية، غير أن الحديث عن انكسار الدولة أو انهيار النظام أعاد ترتيب الأولويات، ودفع هذه الدول إلى مقاربة تقوم على حساب الكلفة قبل أي رهان سياسي.
في هذا السياق، لا يتم التعامل مع إيران كنظام سياسي فحسب، بل كـوزن إقليمي لا يمكن شطبه من معادلة الخليج، ولا يمكن في الوقت نفسه تركه يعمل بلا قيود.
وكسر هذا الوزن بالكامل قد يفتح المنطقة على مخاطر أشدّ: تدخلات خارجية مباشرة، أو فوضى طاقة، وممرات لا تحتملها اقتصادات الخليج، ويُضاف إلى ذلك ثِقَل العلاقات الاقتصادية غير المباشرة، إذ تُظهر بيانات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أن شبكات التجارة، وإعادة التصدير، والخدمات اللوجستية، وتدفقات الطاقة بين إيران ودول خليج—خصوصًا عبر الإمارات وعُمان— تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات سنويًا، ما يجعل أي تفكيك جذري لهذه الروابط مقامرة اقتصادية إقليمية، قد تضرب سلاسل الإمداد، واستقرار الأسواق، وأمن الممرات البحرية.
كسر إيران.. تحفظ خليجي
التحفّظ الخليجي على سيناريو السقوط يرتكز إلى مخاطر ملموسة أولها، أمن الطاقة والممرات؛ فأي انفلات داخلي في إيران أو صدام ممتد، سينعكس فورًا على مضيق هرمز، بارتفاع حاد في كلفة التأمين البحري واضطراب الإمدادات وتقلب الأسواق.
ثانيها، تفكك السيطرة المركزية؛ إذ لا يعني انهيار الدولة نهاية أدوات النفوذ، بل قد يحرّر شبكات الوكلاء والصواريخ والمسيّرات من أي سقف سياسي، محوّلًا التهديد من قابل للإدارة إلى فوضوي.
ثالثها، فتح الباب لتدخلات خارجية أكثر مباشرة، تعيد هندسة الإقليم وتقلّص هامش المناورة أمام الدول الخليجية.
وأخيرًا أثر الدومينو؛ فدولة بحجم إيران، إذا انكسرت ستُطلق موجات عدم استقرار، تمتد إلى العراق وسوريا واليمن ولبنان، ما يضاعف المخاطر على أمن الخليج والشرق الأوسط.
فروق المقاربات الخليجية
على هذا الأساس، تتقارب العواصم الخليجية الكبرى على السقف، وتختلف في الأدوات، السعودية انتقلت بعد سنوات من الصدام غير المباشر والاستنزاف إلى خفض المخاطر؛ استئناف العلاقات عام 2023 لم يكن مصالحة شاملة، بل فتح قنوات لمنع الانفجار مع إبقاء الردع قائمًا.
الإمارات تبنّت مقاربة برجماتية مع تحوط أمني؛ أعادت السفير عام 2022، واستمرت في التجارة، لا قبولًا بالدور الإيراني، بل رفضًا لخسائر الانهيار، أما قطر فهي الأكثر وضوحًا في موقفها الراهن، بتحذير صريح من عواقب كارثية لأي تصعيد واسع.
موقف الدوحة لا يدافع عن سلوك إيران، لكنه يرفض الحرب وكسر الدولة، وهو ما تتفق فيه معها اليوم السعودية والإمارات، وإن اختلفت النبرة، بما يؤكد أن الرؤية الخليجية تتمحور حول رفض الحرب الشاملة والدفع نحو التقييد والتهدئة كخيار عملي لأمن الطاقة واستقرار المنطقة.
إيران كـ “كابح استراتيجي”
في العمق، تدرك دول الخليج، أن إيران تؤدي وظيفة كابح بنيوي أمام الحسم الخارجي السريع.
وجود قوة إقليمية غير مندمجة بالكامل في المنظومة الغربية يرفع كلفة التدخل، ويفرض تفاوضًا ومقايضات، ويمنح الدول المتوسطة هامش مناورة.
قد يكون هذا الكبح مكلف ومزعج، لكنه أقل خطورة من غيابه الكامل.
مصر ومعادلة إيران:
لا تنظر مصر إلى مستقبل النظام الإيراني من زاوية الخصومة المباشرة، بل من زاوية ارتدادات التوازن الإقليمي.
فالقاهرة ليست طرفًا في صراع النفوذ الخليجي– الإيراني، لكنها تقع في قلب نتائجه، خصوصًا حين يتصل الأمر بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية والطاقة واستقرار الدول.
دعم إيران للحوثيين حوّل الصراع اليمني إلى تهديد ممتد للملاحة الدولية، انعكس مباشرة على حركة السفن وتكاليف التأمين وإيرادات قناة السويس، ما يجعل أي تصعيد إيراني غير منضبط خطرًا اقتصاديًا– أمنيًا مباشرًا لا ملفًا بعيدًا.
من هنا، لا يُقرأ تغيير سلوك إيران كمكسب سياسي مجرد، بل كحماية لشريان اقتصادي حيوي، بينما يُنظر إلى انهيار الدولة الإيرانية أو انفلاتها الكامل، بوصفه سيناريو يضاعف عدد الفاعلين غير الدوليين في البحر الأحمر، وينقل التهديد من قابل للإدارة إلى فوضوي.
هذا التقدير يتقاطع مع عقيدة مصرية راسخة تعتبر الدولة الوطنية وحدة الاستقرار الأساسية؛ فخبرات الانهيار في العراق وليبيا وسوريا، ليست دروسًا نظرية للقاهرة، بل كوابيس أمن قومي حيّة، ما يفسّر تحفّظها الشديد تجاه أي رهان على إسقاط الأنظمة دون تصور واقعي لما بعدها.
وفي حالة إيران، يتضاعف هذا التحفّظ؛ لأن دولة بهذا الحجم السكاني والجغرافي، إذا انهارت لن تنتج انتقالًا سلسًا، بل فراغًا إقليميًا، تتشابك فيه الميليشيات والتهريب والتدخلات الخارجية، مع امتدادات مباشرة إلى شرق المتوسط والبحر الأحمر. يضاف إلى ذلك الارتباط العضوي بين الأمن القومي المصري وأمن الخليج؛ فأي تهديد واسع للسعودية أو الإمارات ينعكس على القاهرة سياسيًا واقتصاديًا، ومع انتقال المزاج الخليجي من منطق الصدام إلى منطق الاحتواء والتقييد، يصبح الموقف المصري متناغمًا مع هذا المسار بوصفه قراءة متقاطعة للمصالح لا اصطفافًا آليًا.
في هذا الإطار، تحركت القاهرة بحذر نحو فتح قنوات تواصل مع طهران، دون اندفاع إلى تطبيع كامل، بهدف اختبار إمكانات خفض التصعيد في الملفات التي تمس الأمن البحري والممرات.
. الخلاصة أن مصر لا تراهن على سقوط النظام الإيراني، ولا تمنح شرعية لسلوكه الإقليمي، بل تعتمد معادلة برجماتية واضحة، إيران المُقيَّدة أقل خطرا من إيران المنهارة. لأن التقييد يسمح بإدارة التهديد ضمن حدود معروفة، بينما ينقل السقوط الإقليم إلى مرحلة اضطراب مفتوح، يصعب على القاهرة— كما على الخليج— احتواء كلفته.
في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة وفق منطق مختلف. واشنطن لا تُخفي طموحها إلى تحريك الداخل الإيراني، مستندة إلى ضغوط اقتصادية وسياسية ونفسية متراكمة، ومتزامنة مع إشارات عن ضربة محتملة، لا يُعرف شكلها ولا مداها.
ما هو غير معلوم أيضًا هو حدود الرد الإيراني، إذا ما وقعت هذه الضربة، وما إذا كان النظام سيحتوي الصدمة أم سيفتح أبواب تصعيد يصعب التحكم في مساره.
الخطر هنا لا يكمن فقط في احتمالات الضربة ذاتها، بل في تداعيات الخلخلة غير المحسوبة، فإيران رغم أزماتها الداخلية، ما تزال تملك أدوات تعطيل واسعة، وأي انتقال من الضغط إلى الكسر قد يحوّل الشرق الأوسط إلى ساحة تفاعلات متسارعة: ممرات مهددة، طاقة مضطربة، وفاعلون غير دوليين أكثر جرأة وأقل قابلية للضبط.
وبين طموح أمريكي لإعادة تشكيل المعادلة، وحرص إقليمي على منع الانفجار، يقف الشرق الأوسط اليوم على حافة لحظة فارقة؛ إن لم تُدار بحساب دقيق، ستكون كلفتها أعلى بكثير من قدرة الجميع على الاحتمال.






