تمثل الضربات العسكرية الواسعة التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل يوم 28 فبراير ضد أهداف داخل إيران، وردّ طهران باستهداف عدة أهداف إسرائيلية ومصالح أمريكية في دول الخليج، لحظة اختبار حقيقية للمواقف الأوروبية ومدى استجابتها للأزمات في الشرق الأوسط.
وخلال 48 ساعة، شهدت الساحة الدولية تحولاً ملحوظاً من تبنّي مقاربة الحذر والدعوة إلى التهدئة، مع تباين في المواقف ونشر محدود للقوات، إلى اصطفاف أوروبي سياسي وأمني متسارع خلف واشنطن وتل أبيب، اتخذ أشكالاً دفاعية، وتعاوناً استخباراتياً، وإعادة انتشار للقوات، دون إعلان رسمي عن المشاركة في الهجمات.
يتضح هذا النمط من التحول، في الموقف البريطاني حيث أعلن رئيس الوزراء كير ستارمر، أمس الاثنين 2 مارس، أن بلاده لا تشارك في “الضربات الهجومية” الأمريكية والإسرائيلية على إيران، مضيفاً أن اتخاذ قرارات كهذه يتطلب “أساساً قانونياً” و”خطة مدروسة وقابلة للتطبيق”، في المقابل، أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن استيائه من عدم مشاركة بريطانيا.
ورغم ذلك، يُلاحظ التحول السريع، لا سيما في مواقف ألمانيا وفرنسا وبريطانيا نفسها، فبعد يومين فقط من اندلاع الحرب، ومع اتساع دائرة الاستهداف الإيراني لتشمل أصولاً عسكرية غربية، وهو ما أعاد تقييم الأزمة في العواصم الأوروبية من كونها “مواجهة ثنائية إسرائيلية– إيرانية” إلى تهديد مباشر للأمن الغربي، وأمن الطاقة العالمي، وحرية الملاحة، وقد تجلى ذلك في بيان مشترك للدول الثلاث، أعلنت فيه استعدادها للتنسيق مع واشنطن ودول المنطقة لتعزيز التعاون الدفاعي وصدّ الهجمات الإيرانية.
التحولات
في الساعات الأولى لاندلاع العمليات الهجومية، سادت لغة التحفظ وإدارة الأزمة في العواصم الأوروبية (باريس، برلين، لندن)، تمحورت الأولويات الأوروبية حول أهداف تقليدية: الحيلولة دون اندلاع حرب إقليمية شاملة، والحفاظ على حرية الملاحة في الممرات المائية الحيوية، وصون أمن الطاقة العالمي.
لم تنبع هذه المقاربة من رغبة سياسية في لعب دور الوسيط، بقدر ما عكست حسابات جيو-اقتصادية مباشرة؛ إذ تستورد أوروبا قرابة 20% من احتياجاتها النفطية عبر طرق، تمر بالخليج العربي.
ومثّل التهديد الإيراني بإغلاق مضيق هرمز، الذي يعبره نحو 21 مليون برميل نفط يومياً، صدمة مباشرة للاقتصاد الأوروبي، الذي تأثر سابقاً بتداعيات حرب أوكرانيا وتذبذب أسعار الطاقة؛ نتيجة المواجهة الأوروبية- الأمريكية مع روسيا.
غير أن هذا التحفظ لم يصمد طويلاً، إذ تآكل سريعاً مع أول مؤشر على تجاوز طهران لقواعد الاشتباك التقليدية وتوسيع نطاق ردودها، وقد شكّل استهداف قاعدة “أكروتيري” البريطانية في قبرص، إحدى أهم نقاط الارتكاز للعمليات العسكرية الأوروبية في شرق المتوسط، نقطة تحول بارزة، إلى جانب مخاطر نقص إمدادات الطاقة واضطراب سلاسل التوريد.
عند هذه اللحظة، ومع تكرار الهجمات، تدخلت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، معلنة “الوقوف الجماعي والقاطع للاتحاد مع الدول الأعضاء ضد أي تهديد”.
لم يكن هذا الموقف مجرد تضامن سياسي أو تصريح دبلوماسي تقليدي، بل مثّل بداية انخراط أوروبي أوسع تحت مظلة “الدفاع عن النفس” وحماية الممرات الملاحية، لا سيما مع إعلان إيران قرار إغلاق مضيق هرمز.
ومن المرجح، أن يقترب الموقف الأوروبي أكثر من الخطاب الأمريكي- الإسرائيلي الذي يصنف إيران كتهديد دولي شامل، وهو ما تجلى في خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أشار بوضوح، إلى أن إيران استهدفت “جنوداً أمريكيين وحلفاءنا”، في إشارة ضمنية إلى القوات الأوروبية المتواجدة في المنطقة منذ عقود.
من التصريحات الدبلوماسية إلى الاستعداد الدفاعي
في مؤشر إضافي على إمكانية التحول والانخراط العسكري بدرجة أكبر، أعلن وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، استعداد بلاده للمشاركة في الدفاع عن دول الخليج والأردن التي تعرضت لضربات إيرانية، مستنداً إلى الاتفاقيات الأمنية القائمة ومبدأ الدفاع الجماعي المشترك، عكس هذا الإعلان انتقال الموقف الفرنسي “الأوروبي” من مستوى التصريحات الدبلوماسية إلى مستوى الاستعداد الأمني العملي، خاصة مع تأكيد باريس دعمها للدول الإقليمية التي وجدت نفسها منخرطة في أتون حرب لم تخترها.
وتعزز هذا المسار بصدور إدانة حازمة في بيان مشترك ضم الولايات المتحدة وعدداً من الدول العربية (السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، البحرين، والأردن) للهجمات الإيرانية التي استهدفت أراضي ذات سيادة.
تأكيد هذه الدول على حقها الأصيل في الدفاع عن النفس، وتشديدها على استمرار وتعميق التعاون الدفاعي (لا سيما في مجالات الدفاع الجوي)، يشير إلى تبلور اصطفاف دفاعي إقليمي دولي متعدد الأطراف، حتى وإن لم يُعلن رسمياً كـ “تحالف عسكري” كلاسيكي، حيث أشار الموقعون، أنهم يقفون متحدين في الدفاع عن مواطنيهم وسيادتهم وأراضيهم، وكرروا حقهم في الدفاع عن النفس رداً على الهجمات، والتزامهم المستمر بالأمن الإقليمي، وأشادوا بالتعاون الفعال في مجال الدفاع الجوي والصاروخي الذي ساعد في منع وقوع خسائر أكبر في الأرواح والدمار.
تصعيد ميداني يوسّع نطاق الاشتباك الجغرافي
ترافق هذا التحول السياسي مع تصعيد ميداني، أخرج الصراع من دائرة “الردع المحدود”، فقد أعلن الجيش الإيراني تنفيذ هجمات صاروخية، استهدفت قواعد أمريكية رئيسية في المنطقة، من بينها قاعدة “علي السالم” الجوية في الكويت، وتزامن ذلك مع إعلان التلفزيون الإيراني نقلا عن مقر “خاتم الأنبياء” الإيراني مسئوليته عن إسقاط مقاتلة أمريكية من طراز F-15.
وفي مسرح عمليات موازٍ، أكدت بريطانيا إصابة مدرج قاعدتها العسكرية في قبرص إثر هجوم بطائرة مسيّرة، غير تصريحات الرئيس القبرصي الذي أعلن تحطم مسيّرة إيرانية داخل قاعدة أكروتيري.
وتزامن هذا المشهد المعقد مع تحذيرات حازمة من واشنطن بشأن استمرار إطلاق صواريخ أو مسيّرات فوق المجال الجوي الأردني، في حين أعلنت وزارة الدفاع الكويتية سقوط طائرات حربية أمريكية على أراضيها.
تعكس هذه الوقائع المتسارعة انتقالاً للصراع من ضربات متبادلة اتخذت شكل الردع، إلى حرب متعددة المراكز ومتسعة جغرافياً، تطال البنى التحتية والقواعد التي تمثل العمود الفقري للوجود العسكري الأمريكي، والغربي في الشرق الأوسط.
الدوافع الاستراتيجية لإعادة التموضع الأوروبي
لم يكن هذا الانتقال نحو الانخراط (الدفاعي أو الاستخباراتي) مجرد استجابة ظرفية للصراع، بل يعكس حزمة من الدوافع الاستراتيجية العميقة، التي تقوم عليها العلاقة الأمريكية الأوروبية، ومصالحها المتقاطعة، وعلاقاتها بدول الشرق الأوسط وإسرائيل.
وفى هذا السياق، ترى العواصم الغربية أن السماح لإيران بفرض كلفة عالية وضرب أصول غربية، دون تلقي رد عقابي حاسم، سيشكل سابقة خطيرة، قد تُغري قوى دولية منافسة (مثل روسيا والصين)، أو حتى قوى إقليمية متوسطة، لاختبار حدود القوة الغربية في مسارح عمليات أخرى حول العالم.
كما يبرز الناتو كمحدد آخر، بعد جهود توحيد صفوفه على خلفية حرب أوكرانيا، إذ تدرك العواصم الغربية، أن إظهار الانقسام أو التردد في الشرق الأوسط سيكون خياراً مكلفاً سياسياً واستراتيجياً، وسيبعث برسائل ضعف وتراجع لدورها في النظام الدولي.
كما تمثل حماية البنية التحتية العسكرية هدفا أساسيا، ويعتمد النفوذ الغربي في المنطقة على شبكة من القواعد العسكرية التي تضم أكثر من 40 ألف جندي أمريكي، إضافة إلى آلاف الجنود من بريطانيا وفرنسا، وأي توسع في الرد الإيراني، سيحول هذه الأصول البشرية والمادية إلى رهائن وأهداف سهلة، مما يرجح التدخل من الدول الأوروبية تحت لافتة الدفاع عن النفس.
الاتفاق على الأهداف الاستراتيجية
كانت أوروبا تقف مع واشنطن صفا موحدا في الملف النووي، وحاليا واشنطن تحت إدارة ترامب تستخدم أقصى درجات الضغط العسكري كأداة تنفيذ هدفها، هذا النمط الكلاسيكي يسعى إلى تجريد الخصم من أوراقه القوية وإضعاف بنيته العسكرية كشرط مسبق قبل إجباره على الجلوس إلى طاولة مفاوضات، تُفرض فيها شروط تسوية جديدة وصارمة، هذا إذا ظل سيناريو التفاوض والتسوية قائما مع النظام الإيراني ؛ نظرا لأن واشنطن تدفع نحو تغير النظام من الداخل، وإضعافه عسكريا، والقيام بعمليات اغتيال لقيادته العسكرية والسياسية في عملية ضغط مكثف، تسميها الدوائر الأمريكية تغير عقلية النظام.
مؤشرات التحالف الوظيفي الأمريكي- الأوروبي
على الرغم من عدم الإعلان عن “تحالف رسمي” بآليات معلنة ضد إيران حتى اللحظة، إلا أن المعطيات الميدانية تؤكد تفعيل تحالف وظيفي قديم متجدد، يقوده التساند الأمريكي- الأوروبي، تتجلى مؤشراته في التكامل الاستخباراتي والاستطلاعي، حيث رصدت زيادة في الطلعات الجوية الاستطلاعية فوق شرق المتوسط لتوفير بنك أهداف وإنذار مبكر.
يتكامل هذا مع مؤشرات الاستنفار المؤسسي، وتفعيل حالة الطوارئ والإنذار المتقدم في قواعد الناتو (قبرص، اليونان، إيطاليا).
ويراقب الحلف التطورات في إيران ومنطقة الشرق الأوسط عن كثب، كما أعلن المتحدث باسمه مارتن أودونيل، كما قام الحلف بتعديلات على وضع وانتشار قواته لضمان أمن الدول الأعضاء، مع تعزيز قدرته على مواجهة التهديدات، وهو تطور يعكس تمدد المخاوف لخارج النطاق الجغرافي التقليدي للحلف، تستدعي اتصالات وترتيب للتعاون بالتزامن مع تحركات أمريكية سابقة على الهجوم، كما نشر أنظمة دفاع جوي متكاملة (باتريوت وثاد) وتفعيل بروتوكولات التنسيق البحري لحماية الممرات المائية الحيوية، ومنع استهداف السفن التجارية.
الموقف الإقليمي
تتسم مواقف العواصم العربية (الخليجية على وجه الخصوص) بازدواجية معقدة، تفرضها الجغرافيا السياسية وحسابات الأمن، ما بين مواجهة إيران والخوف من توسع الهجمات على أراضيها كرد انتقامي، يستهدف ليس وحسب القواعد الأمريكية، لكن أيضا المنشآت الاقتصادية والبنية التحتية ويشل هذه الدول.
ويبرز هاجس تحول منشآت الطاقة التي تؤمن 30% من صادرات النفط العالمية، إلى أهداف مباشرة للانتقام الإيراني، وهو ما قد يعطل الإنتاج بشكل كامل (سيناريو استهداف منشآت أرامكو سابقاً واغلاقها حاليا للتحوط).
ويتزايد هذا القلق مع اتجاه إيران لتوسيع هجماتها نحو أهداف عسكرية داخل دول خليجية وتوسيع محاولاتها استهداف حركة السفن.
من جهة أخرى، تنظر بعض العواصم إلى هذه الأزمة كفرصة استراتيجية لإعادة ضبط التوازن الإقليمي الذي اختل من وجهة نظرها لصالح إيران طوال العقود الماضية، وترى في المواجهة الأمريكية تقليم أظافر طهران في المنطقة.
بناءً على ذلك، يُرجح أن تستمر الدول العربية في انتهاج مقاربة “الدعم ” المتمثل في تقديم التسهيلات اللوجستية، وتمرير المعلومات الاستخباراتية، والتعاون مع القوات الأمريكية لحماية الأهداف الغربية على أراضيها، دون الإعلان عن انخراط عسكري مباشر ومكشوف ضد إيران في المدى القصير.
مع بقاء احتمالية الانخراط في “تحالف دولي موحد” قائمة، إذا ما اتجهت الأمور نحو مواجهة شاملة ومحسومة النتائج.
السيناريوهات المستقبلية
بناءً على التقاطع بين المعطيات الميدانية والسياسية، تتجه الأزمة والمواقف الأوروبية نحو ثلاث مسارات محتملة.
السيناريو الأول: الاستنزاف المدروس ودبلوماسية الإكراه.
أن يستمر نمط الاستنزاف عبر التحالف الوظيفي الغربي، يقابله رد إيراني تكتيكي محسوب، يتجنب إيقاع خسائر كارثية (على غرار عملية قبرص التي قُرأت كإنذار أكثر منها هجوماً تدميرياً).
في هذا المسار، تتبنى واشنطن وحلفاؤها استراتيجية استخدام القوة لإضعاف القدرات الإيرانية، مع إبقاء نافذة التفاوض مفتوحة لفرض تسوية، تقيد نفوذ طهران الإقليمي وبرنامجها الصاروخي والنووي.
الانزلاق نحو الحرب الشاملة وإسقاط النظام
في حال وسعت إيران هجماتها بشكل يعطل تماما منشآت طاقة خليجية كبرى أو أوقعت خسائر بشرية كبيرة في صفوف القوات الأمريكية أو الأوروبية، قد يحفز ذلك واشنطن وأوروبا للانتقال إلى توجيه ضربات استراتيجية للداخل الإيراني وتشكيل تحالف دولي واسع؛ هدفه المعلن إسقاط النظام الإيراني وإعادة هندسة موازين القوى إقليمياً، رغم الإدراك المسبق للتكلفة الباهظة لهذا الخيار، من ردود فعل قد تتخطى الرد العسكري المباشر والتقليدي إلى عمليات تستهدف المصالح الاوربية والأمريكية ضمن نمط حروب رمادية وحرب استنزاف حتى مع إسقاط النظام.
لكن في نفس الوقت، هناك احتمال أن يتعرض الموقف الغربي للتصدع، ويرتبط هذا السيناريو بقدرة طهران على ممارسة استراتيجية “حافة الهاوية” بنجاح، عبر تعطيل الملاحة في مضيق هرمز لفترة كافية لدفع أسعار النفط لمستويات قياسية، تضر بالاقتصاد العالمي، وقدرتها على استمرار ذلك كأداة ضغط، وهذا إذ ما تزامن مع حملات شعبية وداخلية في أوروبا رافضة للحرب، قد يدفع العواصم الأوروبية لإعادة النظر في اصطفافها مع واشنطن، ومطالبة إسرائيل بوقف العمليات واللجوء للوساطة الدبلوماسية لاحتواء الموقف.






