يواجه النظام الإيراني واحدة من أخطر أزماته منذ تأسيسه قبل نحو نصف قرن مع الثورة الإسلامية عام 1979. فالاحتجاجات التي اندلعت في نهاية ديسمبر 2025، وتوسعت إلى حد انتفاضة، قد تفضي خلال أسابيع مقبلة- بحسب بعض التوقعات- إلى تغير في بنية النظام، إما عبر إعادة إنتاجه مؤقتًا بوجوه جديدة، أو بالوصول إلى مرحلة تفككه الداخلي كخطوة تمهد لسقوطه، في ظل أزمات مركبة ومتداخلة، وحصار وعقوبات أمريكية وأوروبية، وتوجهات خارجية زادت من أزمته، بعد أن كان يراكم نفوذا إقليميا، بدا في التراجع إلى مقاربة الانهيار مع السابع من أكتوبر، ومرورا بحرب يونيو 2025 أو حرب الاثني عشر يومًا بتسمية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

فعقب الهجمات المتبادلة بين طهران وتل أبيب، وانخراط أمريكي بضرب موقعين نوويين، انتقل الصراع من حرب الظل والمنطقة الرمادية إلى مواجهة فعلية ومباشرة، ومعها تعمقت أزمة النظام الإيراني، الذى يعاني من تكلس، ولم يقدم على إصلاحات بنيوية، تساعده على الاستمرار، ولم يسمع لا لمعارضة الخارج ولا حتى لإصلاحيي الداخل، في ظل جمود وفشل متراكم في تنفيذ إصلاحات سياسية أو اقتصادية تمكنه حتى من إدارة الأزمات.

وسط هذه الأزمة المتشابكة اقتصاديًا وسياسيًا، ومع الاحتجاجات الواسعة، والتهديدات الأمريكية، يتكرر السؤال: هل يتجه ترامب إلى توجيه ضربة عسكرية جديدة، أم يراهن على مسار الاحتجاجات واحتمالات سقوط النظام من الداخل؟

وفي ظل تحولات الردع، هل يُستبدل الهجوم العسكري بأدوات ضغط غير تقليدية، ويجري إدارة الصراع عبر أدوات بديلة مع إبقاء الخيار العسكري مؤجّلًا، دون إسقاطه من الحسابات؟ أم أن واشنطن ستوجه ضربات محدودة من خارج أو داخل إيران، كما كشفت الجولة السابقة؟

البيئة الاستراتيجية

شكّلت حرب يونيو 2025 نقطة تحوّل استراتيجية في طبيعة الصراع الإقليمي، إذ كانت لحظة كاشفة لتآكل منظومات الردع التي حكمت العلاقة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة لعقود، وأظهرت استعداد الأطراف الثلاثة للانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة، وترافقت مع ضربات إسرائيلية وأمريكية، ألحقت أضرارًا جسيمة بالمنشآت النووية الإيرانية والبنية التحتية الصاروخية.

وشملت الضربات الإسرائيلية والأمريكية، بما فيها عملية “مطرقة منتصف الليل” منشآت نووية في نطنز وفوردو وأصفهان، إضافة إلى مواقع مرتبطة بالبنية الصاروخية في بارشين وشاهرود.

 ورغم تعهد طهران بإعادة البناء، فقد تآكل ردعها نسبيًا، وانكشفت حدود قدراتها وخطوطها الحمراء في مواجهة إسرائيل، سواء بحسابات موضوعية أو باعترافات ضمنية من قيادات النظام حول حجم التأثيرات، وكشفت الحرب، هشاشة قدرة طهران على حماية أصولها، ما أضعف ردعها خلال الموجهات، رغم مساعيها لاحقا لإعادة البناء وإظهار التماسك، والتعاون مع قوى دولية وإقليمية في سبيل ذلك، في الوقت الذى أبدت تفاهما حول التفاوض والخيار الدبلوماسي.

لكن النتائج أن الحرب كسرت الخطوط الحمراء التقليدية، ونقلت الصراع من حروب الظل والعمليات غير المباشرة إلى استهداف متبادل للأراضي والعمق الاستراتيجي للطرفين، عبر ضربات داخل إيران ورد صاروخي إيراني على مدن ومرافق حيوية داخل إسرائيل.

وفي الوقت نفسه، أبرزت الحرب محدودية الردع المتبادل، وفشل أدوات الاحتواء في منع التصعيد، ما أدخل الإقليم في حالة قلق وإعادة حسابات، وفتح الباب أمام تداخل العوامل الداخلية الإيرانية مع معادلات المواجهة الخارجية على نحو متصل، وأكثر خطورة.

احتمالات مواجهة مباشرة ثانية

بعد حرب يونيو 2025، انتقلت المواجهة من حرب الظل إلى صدام مباشر كاسرًا قواعد الاشتباك التي سادت لعقود، وتعود احتمالات تكرارها مع تصعيد في الخطابين الإسرائيلي والأمريكي، متزامنًا مع أزمة داخلية بنيوية للنظام الإيراني سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وفي مقدمتها الاحتجاجات التي تشمل معظم أرجاء إيران بما فيها العاصمة.

يدعم هذا الاحتمال تصريحات ترامب حول انتهاء خيارات التفاوض الدبلوماسي مع إيران، ودعمه العلني للاحتجاجات وتقديم العون للمتظاهرين، وحديثه عن “إيران جديدة”  أو لنجعل ايران عظيمة مرة أخرى، ومطالبته المحتجين بالاستمرار، وأن العون قادم إليهم.

ومع استمرار الاحتجاجات وتعطل مفاوضات البرنامج النووي، يعود خيار استهداف إيران عسكريًا إلى الواجهة، مدعوما بفشل الاحتواء الدبلوماسي من أطراف دولية وإقليمية.

ورغبة أمريكية وإسرائيلية لانصياع إيران لشروطهم حول البرنامج النووي وتصنيع الصواريخ وتغير السياسة الخارجية.

الأزمة الداخلية والاحتجاجات: دافع للحرب أم سبب للتأجيل؟

تتشابك التوترات العسكرية الخارجية بشكل خطير مع أزمة بنيوية عميقة داخل إيران، ما يجعل الوضع الداخلي متغيرًا حاسمًا في حسابات كل من واشنطن وتل أبيب.

لا تمثل موجة الاحتجاجات الحالية اضطرابا عابرا، بل تحديًا في توقيت بالغ الحساسية، وهي الأكبر منذ انتفاضة مهسا أميني، التي قتلت بعد احتجازها بتهمة ارتداء حجاب غير لائق، وهذه الاحتجاجات، تختلف في طبيعتها ودوافعها العميقة والمتشابكة، وتعود جذورها إلى أسباب اقتصادية واضحة، وأزمة اجتماعية.

 انهيار قيمة العملة بنحو 60% في 6 أشهر، والتضخم الجامح وارتفاع أسعار الغذاء، فيما يزيد عن 70 بالمائة، ونقص السيولة والوقود.

هذا جعل رقعتها تتسع، لتشمل شرائح اجتماعية، كانت تُعد تقليديًا من قاعدة النظام، مثل تجار الأسواق الكبرى وأصحاب المتاجر الصغيرة والموظفين الحكوميين، ما يعكس تآكلًا ملموسًا في القاعدة الاجتماعية للنظام.

يمكن قراءة أزمة النظام الإيراني، بما فيها الاحتجاجات مع الأزمة البنيوية، بوصفها عاملا يطرح خيار الضربة العسكرية كأداة ردع وضغط مكثف، يستهدف حل أزمة الملف النووي، ووقف بناء القدرات الصاروخية، وتغيير السياسة الخارجية لطهران، وهي الأهداف التي تظل جوهر الصراع مع النظام الإيراني.

كما أن حسابات الحرب استراتيجيًا، وتوفر بدائل أقل كلفة، تدفع نحو تقليص البعد العسكري كلما أمكن، باعتبار أن الحرب في النهاية أداة لتحقيق أغراض سياسية، وليست هدفًا قائمًا بذاته، حتى مع استخدام ترامب أحيانًا صورة “الرجل المجنون” غير متوقع التصرف.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى الأدوات غير العسكرية، بما فيها دعم الاحتجاجات والمعارضة والإصلاحيين، من زاويتين:

 أداة استنزاف وضغط وبديل مؤقت عن الضربة، أو تمهيد سياسي لتصعيد لاحق، ورغم الخطاب المتشدد من تل أبيب ومطالبة نتنياهو ترامب بدعم مخططات مهاجمة إيران، تشير معطيات إلى رغبة في التريث، نظرًا لكلفة الضربة المحتملة وعدم قابلية رد الفعل الإيراني للتوقع، بما قد يضر بصورة الانتصار الإسرائيلي في جبهات حرب قادتها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر.

عمليًا، تسعى الولايات المتحدة إلى الردع دون حرب شاملة، مستخدمة التهديد العسكري كورقة تفاوض، في حين تهدف إسرائيل إلى تعطيل البرنامج النووي بالكامل وتحييد القدرات الصاروخية واستثمار لحظة الضعف، مع الاستعداد للتحرك مستقبلًا منفردة أو مع واشنطن، مع ترقب نتائج الاحتجاجات واحتمالات التغيير الداخلي.

الأدوات البديلة وموانع الضربة

قبل اللجوء إلى الخيار العسكري عالي المخاطر، تمتلك الولايات المتحدة وحلفاؤها مجموعة من الأدوات السياسية والاقتصادية والأمنية للضغط على إيران، وتحقيق الأهداف الاستراتيجية، وهي محور نقاش دائم في دوائر صنع القرار.

 سياسيًا، تعتمد واشنطن وحلفاؤها على عزل النظام الإيراني وإضعاف شرعيته داخليًا وخارجيًا، عبر دعم الاحتجاجات، وتسهيل تجاوز القيود على الإنترنت، وبناء إجماع دولي ضد سياسات طهران، مع تفعيل “آلية الزناد” التي أعادت فرض عقوبات الأمم المتحدة، وأغلقت عمليًا مسار التفاوض.

اقتصاديًا، تركز الضغوط على خنق موارد النظام عبر تشديد العقوبات واستهداف قطاعات الاقتصاد الحيوية، ولا سيما صادرات النفط المتجهة إلى الصين بوصفها الأهم لطهران.

 إضافة إلى فرض عقوبات على الكيانات والدول المتعاملة مع طهران، بهدف تجفيف مصادر التمويل الاقتصادي الخارجي، وتراهن واشنطن، على أن يؤدي تراكم هذه الضغوط إلى نتائج قريبة من أثر الضربة العسكرية، ولكن بكلفة ومخاطر أقل، فهدف الحرب في النهاية هو إحداث تغيير سياسي، إما بإسقاط النظام أو تغير توجهاته.

حسابات الهجوم العسكري

على الرغم من تصاعد الخطاب التهديدي، يظل خيار توجيه ضربة عسكرية لإيران يتضمن مخاطر جيو سياسية تحد من اندفاع واشنطن لتنفيذه.

قد يفتح الهجوم الباب أمام توسع رد الفعل الإيراني إقليميا، واستهداف القواعد الأمريكية في الخليج والعراق وسوريا، أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز، فضلًا عن معارضة صينية روسية واضحة، تزيد كلفة أي تحرك عسكري، خاصة فيما يخص الممرات البحرية.

إلى جانب ذلك، تبرز كلفة عسكرية واقتصادية مرتفعة، إضافة لنقص المخزونات الإسرائيلية خلال عامين، بينها حرب يونيو، مع العامل الإقليمي المتمثل في غياب حماس للانخراط في الدفاع والمراقبة والرصد، خصوصًا من دول الخليج التي تخشى التحول إلى ساحة مواجهة مباشرة، وما قد يصاحب ذلك من تهديد للمنشآت النفطية والممرات البحرية، وهو ما يعقّد الحسابات الإقليمية والدولية.

مؤشرات هامة للترقب

تتمثل مؤشرات الإنذار المبكر لاحتمال توجيه ضربة عسكرية في سلسلة تحركات، تسبق التنفيذ، رغم بقاء عنصر المفاجأة، وتشمل إجلاء المواطنين الأمريكيين، وفعليا جرى طلب رسمي بمغادرتهم إيران، وطالبت روسيا مواطنيها بالحذر من السفر إلى إسرائيل.

وعسكريا، تحريك حاملات الطائرات والقطع البحرية، ورفع حالة التأهب في القواعد العسكرية، وهذا لم يجرِ حتى الآن، لكن قد تستخدم أدوات أخرى لدى الولايات المتحدة، لا تحتاج نقلا وتمركزا في المنطقة، خاصة مع وجود فعلي لبعض القوات.

 إلى جانب رصد الخطاب السياسي والتسريبات الإعلامية المقصودة، وفشل قنوات التفاوض والوساطة، والنشاط العسكري الإيراني غير الاعتيادي مثل تكثيف تدريبات الحرس الثوري الصاروخية.

 ويسمح رصد هذه المؤشرات مجتمعة بتقييم احتمالات الهجوم واستشراف السيناريو الأقرب للتنفيذ، وهي في نفس الوقت لا تحسم وترشح أن الضغط والتهديد بالضربة قائما، لكن تنفيذها ليس حاسما، ومنخفضا في المدى القصير.

السيناريوهات المحتملة

إدارة الصراع دون ضربة عسكرية واسعة

في ضوء المعطيات الحالية، لا تبدو الولايات المتحدة بصدد توجيه ضربة عسكرية واسعة في المدى القريب، بل تميل إلى إدارة الصراع عبر مزيج من أدوات الضغط غير العسكرية، تشمل تشديد العقوبات والعزل الدبلوماسي والعمليات الأمنية غير المباشرة، مع إبقاء التهديد العسكري كأداة ردع أخيرة دون الانتقال إلى التنفيذ.

ضربة عسكرية محدودة ومضبوطة

قد تلجأ إسرائيل بدعم استخباراتي أو لوجستي أمريكي، إلى تنفيذ ضربات تستهدف منشآت نووية أو صاروخية محددة داخل إيران، إذا فشلت أدوات الضغط الأخرى، أو المراهنة على إثر الاحتجاجات في بنية النظام والضغط نحو التفاوض لتنفيذ شروط أمريكية.

مواجهة إقليمية واسعة

ينطوي هذا السيناريو على انهيار كامل للردع المتبادل؛ نتيجة خطأ في الحسابات، ما يدفع إلى تصعيد إقليمي واسع وتدخل أمريكي مباشر، لكنه يظل الأقل ترجيحًا؛ نظرًا لكلفته العالية وموانعه الاستراتيجية.

يبقي القول، إن الانتقال بين هذه السيناريوهات يرتبط بتطور المؤشرات الميدانية والسياسية، وبالقرارات في واشنطن وتل أبيب وطهران، حيث يبقى ميزان الاحتمالات مرجِّحًا لإدارة الصراع والضغط المتدرج، مع إبقاء خيار القوة حاضرًا دون استخدامه الفوري في المدى القصير، والمراهنة خلال الأيام أو أسابيع مقبلة على تغير سياسي تحت ضغط الاحتجاج.