لم تعد الاحتجاجات في إيران تعبر فقط عن غضب اجتماعي، كما لم تعد تنحصر في سردية جاهزة عن “مؤامرة خارجية”.
يتقاطع المشهد الإيراني اليوم عند مستويات متداخلة، احتجاج يتسع، عنف يظهر على الهامش، حدود تُستدعى إلى النقاش، وصورة تفرض نفسها على الواقع.
تكشف هذه اللحظة، كيف تتعامل الدولة مع الغضب دون تفاوض، وكيف يفقد الاحتجاج معناه، حين ينتقل من مطلب اجتماعي إلى ملف أمني وسردي.
لا نسعى هنا إلى الإجابة عن سؤال السقوط أو الاستقرار، بل إلى تفكيك، كيف تغيّر معنى ما يحدث في إيران، ومن يفرض هذا المعنى على الداخل والخارج، وهل يكفي تفسير ما يجري بنظرية المؤامرة، أم أن الواقع الداخلي للدولة الإيرانية يفرض قراءة أكثر تعقيدًا.
من الاحتجاج إلى العنف
لم يكن التحول الأخطر في الاحتجاجات الإيرانية خروج بعض المشاهد عن سلميتها، بل اللحظة التي تغيّر فيها تعريف ما يجري.
خلال أيام قليلة، انتقل المشهد من “غضب اجتماعي” إلى “عنف”، ثم إلى “تخريب”، وصولًا إلى توصيفه كـ“إرهاب”.
لم يكن الانزلاق لغويًا فقط، بل سياسيًا وإعلاميًا بامتياز، وحدث عبر مسار واضح يمكن تتبعه.
في بداياتها، بدت الاحتجاجات امتدادًا طبيعيًا لأزمات متراكمة، اقتصاد مأزوم، خدمات متآكلة، وشعور عام بانسداد الأفق.
لكن مع اتساع رقعتها الجغرافية، وغياب قيادة سياسية أو نقابية قادرة على ضبط الإيقاع، بدأت تظهر أنماط عنف متفرقة على الهامش، حرق ممتلكات، اعتداءات فردية، واشتباكات غير متكافئة مع قوات الأمن.
لم تكن هذه الأفعال واسعة بما يكفي لتوصيف المشهد كله، لكنها كانت كافية لإعادة تعريفه، تغيّرت وظيفة العنف، ولم يعد مجرد نتيجة للاحتكاك، بل أداة لإعادة صياغة القصة.
أخطر مشاهد العنف لم تكن الأكثر انتشارًا، بل الأكثر قابلية للتوظيف. حادثة الاعتداء على مدني مسن في الأهواز مثال كاشف، واقعة محدودة جغرافيًا، لكنها مثالية سرديًا.
مدينة ذات حساسية اثنية، ضحية أعزل، تصوير واضح، وسياق جاهز للقول، إن “الغضب خرج عن السيطرة”.
صورة واحدة أزاحت عشرات المشاهد الأخرى الأقل عنفًا، والأكثر تمثيلًا.
ما تلا ذلك كان متوقعًا، الإعلام الرسمي الإيراني أعاد بث المشهد، باعتباره جوهر ما يجري في الشارع، دليلًا على أن الاحتجاج فقد طابعه الاجتماعي.
وفي المقابل، أعادت منصات خارجية تدوير المشهد نفسه، باعتباره علامة على انهيار أمني وفقدان الدولة للسيطرة.
في الحالتين، تراجعت المطالب الأصلية، وتقدّمت صورة العنف بوصفها العنوان الوحيد القابل للتداول.
المفارقة، أن العنف في هذه اللحظة لا يخدم طرفًا واحدًا، النظام يستخدمه لتبرير عسكرة المشهد ونزع الشرعية عن أي حراك اجتماعي واسع، بينما يستخدمه الخارج لتسويق فكرة “الدولة المنفلتة” غير القابلة للإصلاح.
وتكشف التجربة الإيرانية نمطًا متكررًا، أشد وقائع العنف لا تظهر في المركز، بل في الأطراف، الأهواز، المناطق الكردية، والمناطق البلوشية.
لا يعود ذلك إلى “طبيعة السكان”، بل إلى هشاشة الخدمات، وضعف شبكات الوساطة الاجتماعية، وسرعة تحوّل الاحتجاج في هذه البيئات إلى صدام محلي، إضافة إلى سهولة اختراقها إعلاميًا وأمنيًا. حادث واحد في مدينة طرفية يصبح قادرًا على إعادة تعريف حركة احتجاج وطنية كاملة.
في هذا السياق، يتحول غياب القيادة إلى سيف ذي حدين. يمنح الاحتجاج قدرة على الانتشار، لكنه يحرمه من آلية حماية. في هذا الفراغ، لا يحتاج الاختطاف إلى مؤامرة كبرى؛ يكفي حادث واحد مُصوَّر جيدًا؛ ليتم التلاعب به بمهارة بالتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي.
إذا كان العنف قد أعاد تعريف الاحتجاج من الداخل، فإن السؤال يصبح حتميًا، هل استُخدم هذا التحول فقط على مستوى الصورة، أم حاولت أطراف ما دفعه خارج حدوده الطبيعية، وتحويل لحظة الغضب إلى ورقة ضغط تتجاوز الشارع؟
الاختراق الخارجي.. محاولات حقيقية وسردية مضخّمة
عندما تتسع الاحتجاجات وتفقد مركزها، تقفز الحدود سريعًا إلى المشهد، لا لأنها الأضعف، بل لأنها الذريعة الأسهل لإعادة تأطير الأزمة.
في الحالة الإيرانية، تزامن الحديث عن “الاختراق الخارجي” مبكرًا مع أولى لحظات العنف المصوَّر، وكأن الاتهام كان حاضرًا ينتظر مادته البصرية.
ما يمكن تثبيته دون تهويل، أن إيران دولة ذات تاريخ حدودي معقّد. على أطرافها الغربية والشرقية، توجد منذ عقود جماعات مسلحة ذات طابع انفصالي أو عابر للحدود، خصوصًا في المناطق الكردية والبلوشية.
هذه الجماعات لم تُخلق مع الاحتجاجات، لكنها غالبًا ما تستغل لحظات الاضطراب لتوسيع هامش الحركة ومحاولة الاستفادة منها.
خلال الأسابيع الأخيرة، تحدثت تقارير متقاطعة في صحف غربية ومراكز متابعة أمنية عن محاولات تسلل محدودة من الأراضي العراقية إلى داخل إيران، نفذتها مجموعات كردية مسلحة. اللافت في هذه التقارير ليس حجم التحرك، الذي وُصف بالمحدود، بل توقيته المتزامن مع ذروة القمع وانقطاع الإنترنت. هذا النمط يتكرر في كل موجة اضطراب تقريبًا: اختبار للحدود، لا بهدف قيادة الاحتجاج، بل لاستثمار الفراغ الأمني المؤقت.
في المقابل، انتشرت روايات عن “تدفق مقاتلين” و“غرف عمليات خارجية” و“تمويل واسع”، تُقدَّم بلغة حاسمة وأرقام دقيقة، لكنها تفتقر إلى دليل قابل للتحقق. هذه السردية لا تُستخدم داخل إيران فقط؛ بعض المنصات الغربية تلمّح إليها عبر تعبيرات رمادية مثل “خروج الأمور عن السيطرة”، بما يسمح بتبرير سيناريوهات ضغط لاحقة أي أن كلا الطرفين يستخدم نفس السرد كل لأهدافه.
في دوائر التحليل الجيو سياسي، يسود شبه إجماع نادرًا ما يُقال صراحة: الاحتجاجات الإيرانية أكبر من أن تُقاد من الخارج، وأعقد من أن تُصنع فيه.
ما يستطيع الخارج فعله، وغالبا ما يفعله هو الاستثمار في الفوضى والتضخيم لا التوجيه.
فالبنية الأمنية الإيرانية تجعل أي اختراق مركزي واسع شبه مستحيل، كما أن المجتمع الإيراني شديد الحساسية لأي قيادة خارجية مكشوفة، وغالبًا ما يتماسك حين يشعر بتدخل مباشر.
لذلك تفضّل الأطراف الخارجية العمل في الطبقة السردية أي الإعلام، حقوق الإنسان، الضغط الدبلوماسي لا في الطبقة التنظيمية.
معركة السرديات.. حين تُدار إيران بالصورة لا بالواقع
تمتلك إيران بنية إنترنت داخلية خاصة بها، تسمح لها بفصل الاتصال الخارجي عن العالم دون تعطيل كامل للدولة، لا بهدف إسكات المشهد بالكامل، بل إلى التحكم فيما يخرج منه.
لذلك، حين قطعت السلطات الإنترنت خلال ذروة الاحتجاجات، لم تعزل البلاد عن العالم، بل غيّرت طريقة وصول العالم إليها. انتقل المشهد من التغطية المتعددة إلى الصورة الواحدة، ومن الرواية المركبة إلى المقطع القصير.
رغم القيود الصارمة، انتشرت مقاطع العنف عبر مسارات بديلة: شرائح اتصال مهربة، شبكات VPN، ثم إعادة نشرها دوليًا.
لم تدر معركة السرديات بين دولتين فقط، بل بين منظومتين إعلاميتين تستخدمان الصورة نفسها لأهداف متناقضة.
الإعلام الرسمي الإيراني ركّز على مشاهد العنف لتبرير القمع وقطع الإنترنت، بينما ركّزت منصات غربية على مشاهد القتل وإطلاق النار لتأكيد سردية فقدان السيطرة.
لم تعتمد هذه العملية على التزييف الكامل، بل على إدارة الذروة البصرية.
في هذا السياق، لعبت أدوات الذكاء الاصطناعي دورًا غير مباشر عبر التضخيم: قصّ المقاطع، تحسين جودتها، إعادة تركيب الصوت، ودفعها عبر حسابات آلية إلى الصدارة.
في المقابل، ظل عدد الضحايا محل تضارب كبير. منظمات حقوقية كبيرة ومنها منظمة العفو الدولية، تحدثت عن مئات القتلى خلال موجات احتجاج متعاقبة، مع تقارير تشير إلى أرقام أعلى يصعب التحقق منها في ظل التعتيم الرسمي، إضافة إلى اعتقالات واسعة وأحكام إعدام بحق متهمين على خلفية المشاركة أو التحريض. هذا الغموض زاد اعتماد الخارج على الصورة بدل البيان.
هكذا وجد الإيراني العادي نفسه خارج السردية. صوته لا يصل، لأن لغته طويلة ومعقّدة ولا تناسب منطق المنصات.
وهكذا اختُطف الاحتجاج مرتين: مرة حين أعادت الدولة تعريفه أمنيًا، ومرة حين أعادت المنصات تعريفه بصريًا لصالح تأجيج الغضب على السلطة الإيرانية، وأضف إلى ذلك، أن جزءا كبيرا من إعادة إنتاج المشهد الإيراني لا يحدث داخل البلاد، بل عبر شبكات نشطاء وجاليات إيرانية في الخارج، تلعب دور الوسيط بين المقاطع الخام والمنصات الدولية، وتُعيد ترتيبها ضمن خطاب سياسي جاهز.
فيما يجري داخل إيران، لا تغيب الحقيقة؛ لأن طرفًا أخفاها كاملة، بل لأنها تاهت بين تضخيم خارجي، يحوّل الاستثناء إلى قاعدة، وتعتيم إيراني ممنهج، يترك الفراغ بلا رواية موثوقة.
في هذه المنطقة الرمادية، لا تنتصر السردية الأدق، بل الأعلى صوتًا.






