لم يكن خطاب دونالد ترامب الأخير تجاه مصر مجرّد رسالة ودّية في توقيت مضطرب، لكن على العكس، جاء كاشفًا عن نمط متكرر في مقاربة واشنطن للقاهرة: لغة ناعمة، تقدير معلن، وحدود مقيدة غير منطوقة للدور.

في ظاهر الخطاب، بدت مصر شريكًا محوريًا في ملفات شديدة الحساسية: غزة، البحر الأحمر، والاستقرار الإقليمي، لكن ما لم يقله الخطاب، كان أكثر دلالة مما قيل: غياب أي التزام سياسي، أو اعتراف بدور مصري في صياغة الحلول، لا مجرد إدارة تداعياتها.

هذا الخطاب أعاد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا: كيف ترى الولايات المتحدة مصر؟ هل هي شريك استراتيجي كامل، أم مجرد أداة ضبط إقليمي؟ وما سبب تكرار هذا النمط عبر الإدارات المختلفة.

لإيضاح ذلك، سننطلق من خطاب ترامب الأخير، حول سد النهضة، كنقطة دخول، لا تكتفي بتحليل عباراته فقط، بل لتفكيك السياسة الكامنة خلفه، ووضعه داخل سياق إقليمي أوسع، حيث وضعت واشنطن الدور المصري حاضرًا من غزة إلى السودان، لكنها في الوقت نفسه حرصت على ألّا يتحول الحضور إلى نفوذ سياسي، أو قدرة على فرض قواعد جديدة للعبة.

العلاقات الأمريكية المصرية بعد 2014:

الاستقرار دون تمكين

منذ عام 2014، لم تتعامل الولايات المتحدة مع مصر بوصفها ملفًا متغيرًا بتغيّر الإدارات، بل بوصفها دورًا ثابتًا، يُعاد صياغة لغته.

 تغيّر الخطاب بين إدارات مختلفة، لكن جوهر العلاقة ظل: الحفاظ على الاستقرار دون تمكين سياسي إقليمي.

في السياق، أعادت واشنطن ضبط علاقتها بالقاهرة على أساس برجماتي نفعي، تراجعت فيه الأسئلة المتعلقة بالتحول السياسي والملفات الداخلية، لتتمركز عند سؤال واحد: كيفية التعامل مع دولة مركزية بحجم مصر، بما يمنع الانفجار، ودون أن تتحول إلى لاعب مستقل، يعيد تشكيل الإقليم.

في عهد باراك أوباما، اتسمت العلاقة بالتحفّظ؛ لم تصل إلى القطيعة، لكنها لم تعد شراكة سياسية، حيث جرى الحفاظ على قنوات التعاون الأمني، مع تجميد أي تفويض سياسي أو دعم لدور إقليمي مستقل، فكانت مصر ضرورية للاستقرار، لكنها غير مفضلة كشريك في المنطقة.

مع وصول دونالد ترامب، لم يتغير هذا الجوهر، بل تغيّرت لغة الخطاب، أُسقطت الانتقادات العلنية، وحلّ محلها خطاب مباشر يقوم على الثناء والتقدير، دون أن يُترجم ذلك إلى تغيير في طبيعة العلاقة.

أصبح الدور المصري أكثر وضوحًا من حيث حدوده: شريك أمني، عنصر ضبط، ووسيط عند الأزمات، من دون تفويض سياسي أو مشاركة في صياغة القرارات الكبرى. اختفى التوتر العلني، وبقي التقييد العملي؛ نعومة في الخطاب قابلها ثبات في السقف.

بهذا المعنى، لا يمكن قراءة سياسة ترامب بوصفها قطيعة مع ما قبلها، بل باعتبارها تكريسًا لنمط تشكّل منذ 2014: القاهرة عنصر لا غنى عنه في إدارة الأزمات، لكن ليست شريكًا في إعادة تصميم الإقليم، هذا التوصيف البنيوي للعلاقة، هو ما يفسّر كيف تُدار الملفات الأخرى، وهو ما يظهر بوضوح في ملف غزة.

غزة: ممانعة بلا تفويض في إطار الاستقرار دون تمكين

لم تكن مصر طرفًا محايدًا أو وسيطًا شكليًا، بل دولة ممانِعة لسيناريو التهجير منذ اللحظة الأولى للحرب على غزة، ومتمسكة بعدم فرض أي واقع ديموجرافي سكاني جديد على حدودها أو على القضية الفلسطينية.

 هذا الموقف كان ترجمة لمحددات الأمن القومي ظلت ثابتة، طوال الحرب وحتى الآن، وبقيت القاهرة حجر الزاوية في مسار التفاوض، وقناة للتهدئة، وإدخال المساعدات، ولم يكن هذا الدور قابلاً للاستبدال، وهو ما تعترف به واشنطن وتل أبيب.

 غير أن هذا الثقل لم يتحول إلى تفويض سياسي، وإن عبر ترامب عن تقدير واضح للدور المصري، لكن واشنطن في المقابل عملت على تحييد قدرة القاهرة على تحويل الممانعة إلى مسار سياسي مُلزِم، فشروط وقف النار، وحدود ما بعد التهدئة، وأي تصور لمستقبل غزة، خارج الدور المصري، ولكنها داخل وضمن إطار أمريكي إسرائيلي.

بهذا المعنى، لا تكشف غزة عن ضعف الموقف المصري، بل عن سقف دولي مفروض عليه. مصر منعت التهجير وأدارت التفاوض، لكنها لم تحصل على أدوات لفرض تسوية سياسية تعكس هذا الدور، وهذا النمط يُظهر التوجه الأمريكي تجاه مصر: قبول الدور حين يخدم الاستقرار، وضبطه حين يقترب من إعادة تشكيل القرار، وهو النمط نفسه الذي سيظهر لاحقًا في ملف سدّ النهضة.

سدّ النهضة بين الاعتراف المتأخر وإدارة الصراع

في ملف سدّ النهضة، لا يمكن قراءة الموقف الأمريكي بوصفه تعثّر وساطة أو سوء تقدير دبلوماسي، حيث يكشف السلوك الأمريكي منذ بداية الأزمة عن سياسة واعية لإدارة الصراع، لا لحلّه، وهو ما ظهر بوضوح في خطاب ترامب الأخير، الذي مثّل لحظة كاشفة أكثر منه موقفًا جديدًا، وسبق واعترف أن بلاده ساهمت في تمويل السد، وكشف عن دور ظل حاضرًا منذ المراحل الأولى للمشروع.

ودعمت واشنطن إثيوبيا سياسيًا ومؤسسيًا، ووفّرت لها غطاءً داخل المنظومة الدولية، ثم عادت لتطرح نفسها وسيطًا في أزمة، شاركت أصلًا في صنع شروطها.

 بهذا المعنى، لم تقف الولايات المتحدة خارج الصراع، بل دخلته مبكرًا، ثم أدارت مساره لاحقًا، من موقع من يعرف حدوده وحدود الآخرين، ومنذ إعلان المشروع، تعاملت مع الأزمة بوصفها نزاعًا تفاوضيًا قابلًا للإدارة، لا تهديدًا وجوديًا لمصر، ولم تنظر إلى السد من زاوية الضرر غير المتكافئ بين الأطراف، بل من زاوية توازن مصالح إقليمية أوسع.

 لهذا السبب، امتنعت واشنطن عن ممارسة ضغط حقيقي على إثيوبيا، وتجنبت استخدام الأدوات التي لجأت إليها في ملفات أقل حساسية: لم تفرض عقوبات، ولم تربط المساعدات بشروط، ولم تضع إطارًا ملزمًا للتفاوض، رغم وضوح الخلل القانوني والسياسي في مسار الملء الأحادي.

وتنظر واشنطن إلى إثيوبيا بوصفها دولة صاعدة في القرن الإفريقي، وشريكًا أمنيًا، ونقطة ارتكاز في مواجهة تمدد النفوذ الصيني، وضبط توازنات شرق إفريقيا، ولم ترَ في السد أزمة يجب كبحها، بل أداة قوة إثيوبية يمكن احتواء تداعياتها سياسيًا. لذلك، لم تُرسل إلى أديس أبابا رسائل تحذير من تجاوز خطوط حمراء، ولم تطالبها بتنازلات جوهرية، ولم تربط استمرار المشروع بكلفة سياسية حقيقية.

في المقابل، وجّهت واشنطن إلى مصر خطابًا مختلفًا، اعترفت بحق القاهرة في القلق، وتفهّمت حساسية الملف، لكنها لم تمنح هذا الاعتراف ترجمة عملية.

حافظت على لغة التعاطف، لكنها امتنعت عن تحويلها إلى التزام، طالبت مصر بالصبر التفاوضي، وحثّتها على الاستمرار في الحوار، بينما تركت الوقائع تتراكم على الأرض لصالح الطرف الآخر، بهذا السلوك، لم تكتفِ بتحييد قدرتها على الضغط، بل حيّدت أيضًا قدرة مصر على تحويل موقفها القانوني والسيادي إلى فعل سياسي حاسم، وهو ما لا يمكن فصله عن تاريخ تعامل مع الأزمة منذ بدايتها، حيث اختارت واشنطن إدارة الزمن بدل ضبط السلوك، وإطالة التفاوض بدل فرض قواعد ملزمة.

 سمح هذا المسار لإثيوبيا بترسيخ أمر واقع، ومنح الولايات المتحدة موقع المتحكم في إيقاع الأزمة دون تحمّل كلفة الحسم، كما لم تمارس هذا الدور بدافع العجز، بل بدافع المصلحة: إدارة خلاف مفتوح تمنح نفوذًا أطول من حلّ نهائي يفرض اصطفافات واضحة

السد لم يكن ملفًا خرج عن السيطرة، بل ملفًا أبقته واشنطن داخل السيطرة عبر إدارة الصراع لا تسويته، حتى وإن جاء ذلك على حساب شريك استراتيجي بحجم مصر.

سدّ النهضة إذن، لا يشكّل استثناءً، بل يؤكد نمطًا تكرر في ملفات أخرى: موقف مصري واضح وثقل سياسي حقيقي، يقابله سقف أمريكي يحتكر السيطرة على القرار النهائي، وهو النمط نفسه الذي يظهر لاحقًا في البحر الأحمر بأدوات مختلفة.

البحر الأحمر: تدويل الأمن كأداة تحييد للدور الإقليمي

في البحر الأحمر، يظهر المنطق الأمريكي نفسه الذي حكم مقاربة غزة وسد النهضة، لكنه يستخدم أدوات مختلفة، حيث تنظر واشنطن للبحر الأحمر بوصفه ممرًا استراتيجيًا للتجارة والطاقة، وتركّز على ضمان حرية الملاحة وتأمين سلاسل الإمداد، مع تدويل الأمن بدل تمكين ترتيبات إقليمية مستقلة لدوله.

وتحتل مصر موقعًا مركزيًا بحكم الجغرافيا وقناة السويس وقدراتها البحرية، وتحتاج واشنطن إلى هذا الدور، لكنها ترفض تحوّله إلى قيادة مستقلة، وتسمح بمشاركة مصر ضمن الأطر متعددة الجنسيات، مع بقاء القرار النهائي في يد واشنطن.

 هذا الخيار سياسي أكثر منه تقني، فتمكين مصر قياديًا يعني إعادة توزيع النفوذ.

يتقاطع هذا النهج مع مقاربة سدّ النهضة: هناك إدارة الزمن بدل السلوك، وهنا إدارة الأمن بدل السيادة، مع الحفاظ على نفوذ أمريكي عبر أطر دولية تمنع أي دولة من أن تصبح مركز قرار.

ويطبق المنطق نفسه على محاولات التنسيق الإقليمي، حيث ترى واشنطن أي صيغة مستقلة لإدارة البحر الأحمر تهدد دورها، فتعمل على تقييدها.

 بهذا المعنى، لا ينظر للبحر الأحمر كامتداد للأمن المصري، بل كساحة دولية تُدار ضمن سقف أمريكي: دور مصر مطلوب تشغيليًا، لكنها غير قيادية، وهو النمط نفسه الذي يمتد إلى اليمن والسودان، حيث يقبل الدور حين يخدم الاستقرار ويُحجم حين يقترب من صياغة القواعد.

السودان واليمن: إدارة الفوضى والاستنزاف لمنع الحسم الإقليمي

لا تفصل واشنطن بين الساحتين، السودان واليمن، بل تنظر إليهما كحلقتين في سلسلة واحدة تمتد من القرن الإفريقي إلى باب المندب والبحر الأحمر، حيث يشكّل الحسم خطرًا أكبر من استمرار النزاع.

في السودان، أبقت الصراع مفتوحًا دون مسار حاسم، وتتابع التطورات وتدعو إلى وقف النار، لكنها لا تفرض إطارًا تنفيذياً أو ضغطًا لإنهاء التآكل، مانعة بذلك تشكّل سلطة مستقرة تقودها قوى الجوار الطبيعي، وعلى رأسها مصر، التي ترى فيه عمقها الجنوبي الحيوي.

في اليمن، يطبق المنطق نفسه بأدوات مختلفة: لا يسمح بانتصار إقليمي واضح، ولا انهيار شامل، وتدار الأزمة عند مستوى استنزاف منخفض، يحافظ على التوازن، مع تركيز واشنطن على أمن الملاحة وباب المندب، ورفض تمكين أي طرف إقليمي من هندسة تسوية سياسية شاملة.

ينعكس هذا النهج مباشرة على دور القاهرة، والتي لها مصلحة واضحة في استقرار البلدين، بحكم ارتباطهما بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية.

قبلت واشنطن هذا الدور في إطاره التشغيلي، لكنها حاصرته سياسيًا، وسمحت بالمشاركة حين تخدم الضبط، ومنعت التحول إلى نفوذ حين يقترب من صياغة القرار. بهذا المعنى، تواجه مصر سقفًا دوليًا، يمنع تحويل الدوافع الاستراتيجية إلى فعل حاسم.

لا يأتي هذا الخيار الأمريكي من فراغ، ترى واشنطن، أن أي حسم في السودان أو اليمن قد يُنتج نموذج تعاون إقليمي متماسك، يربط بين مصر والسعودية وقوى أخرى، ويعيد توزيع النفوذ في القرن الإفريقي. لذلك، تفضّل إدارة نزاعات طويلة الأمد، يمكن احتواؤها على تسويات سريعة، تُنتج مراكز ثقل إقليمي.

بهذا الدمج، يظهر السودان واليمن كساحتين لتطبيق سياسة واحدة: إدارة الفوضى هنا، وإدارة الاستنزاف هناك، بهدف واحد هو منع الحسم وتعطيل إدارة التكتل الإقليمي، ويكتمل بذلك النمط الأمريكي: قبول بالدور المصري حين يخدم الاستقرار، وتحجيم له حين يقترب من إعادة تشكيل القرار.

في المحصلة، لم تكن سياسة دونالد ترامب تجاه مصر متناقضة بقدر ما كانت محسوبة.

 أراد مصر قوية بما يكفي لضبط الإقليم، يتضح ذلك من صفقات التسليح لمصر المنضبطة، ولكن لا يريدها فاعلة بما يكفي لإعادة تشكيله، هذا الفهم يتقاطع مع توصيف غالبية المراكز البحثية الغربية، التي ترى في القاهرة ركيزة استقرار ووسيطًا لا غنى عنه في إدارة الأزمات، لكنها تتعامل بحذر مع أي تحوّل لهذا الدور إلى نفوذ سياسي مستقل، يعيد صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط.

هنا يتحدد سقف الشراكة: تعاون كثيف عند الأزمات، وحدود صارمة عند القرار، فهل تبقى القاهرة عند هذا التوصيف مع اتساع حجم التحديات المحيطة؟