لا يتحرك الرئيس الأمريكي بشكل عشوائي، حتى لو تبدو خصاله الشخصية عشوائية، ولا تعبر خططه فقط عن انحياز لطرف أو رغبة في التملك، إنما هي أيضا خطط محسوبة، فهو يبادر تقريبا في كل مكان، ويعرف أن بعض هذه المبادرات “للشو” واللقطة”، ولكن بعضها الآخر جزء من تصورات وضعها تيار ومؤسسات أمريكية كثيرة، ولم تجد “أحسن من ترامب” لكي ينفذها.

والحقيقة، أن ترامب تحرك في غزة، كما تحرك في أوكرانيا وباغت الجميع بخططه، فهناك خطة ترامب ذات الـ٢٠ نقطة في غزة، وهناك خطته ذات الـ ٢٨ نقطة في أوكرانيا، ونجح في الأولى، وأوقف بشكل غير كامل الحرب، ولم ينجح في الثانية بعد رغم المفاوضات المكثفة التي يجريها مع طرفي الصراع وداعميهم.

والمؤكد، أن خطة ترامب لإنهاء حرب غزة، والتي اعتمدها الطرفان، لم تلتزم بها إسرائيل حتى اللحظة بشكل كامل، فلا زالت المعابر شبه مغلقة، ولا زال استهداف وحصار الفلسطينيين مستمرا، في حين أعلنت حماس استعدادها لتسليم سلاحها بعد انسحاب إسرائيل من قطاع غزة.

خطة ترامب لم تكن عشوائية، إنما نظرت للواقع، كأنه رقعة شطرنج وعرفت نقاط القوة والضعف لدى كل جانب، فلم تطالب إسرائيل بالتزامات، تتعلق بمنظومة حكمها السياسية والقانونية، أو باحترام الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة؛ (لأن أمريكا لا تحترمها أيضا)، إنما فقط تعمل على ضمان التزام دولة الاحتلال بالخطة الأمريكية، أما الجانب الفلسطيني صاحب الحق التاريخي والأخلاقي في الأرض وفي بناء دولته المستقلة، فإنه نتيجة الانقسام الفلسطيني والفشل الحمساوي في إدارة قطاع غزة والموت والدمار الذي لحق بالمدينة عقب عملية ٧ أكتوبر؛ فإنها انحازت للقوة الإسرائيلية، واختبرت “الجدارة الفلسطينية” في الإدارة والحكم، وليس فقط استبعاد حماس من المشهد السياسي والعسكري.

 والحقيقة، إن خطة ترامب ربطت أي أفق للتسوية السياسية والسلمية باستحقاقات مطلوبة، يقوم بها فقط الجانب الفلسطيني بالقول: “مع تقدّم إعادة إعمار غزة، وعندما يتمّ تنفيذ برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية بأمانة، قد تتهيأ الظروف أخيرا لفتح مسار ذي مصداقية نحو تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية، وهو ما ندرك بأن الشعب الفلسطيني يتطلّع اليه، وإن الولايات المتحدة ستقيم حوارا بين إسرائيل والفلسطينيين للاتّفاق على أفق سياسي لتعايش سلمي ومزدهر”.

اختبار الجانب الفلسطيني في قلب مشروع ترامب، وأن رغبة إسرائيل في فشلة مؤكدة؛ لكيلا تصل إلى النقطة التي تقبل فيها بالانسحاب الكامل من غزة، والدخول في مسار تسوية سياسية، ومن هنا، فإن التحرك الأمريكي بنى خطته على معرفة ببواطن القوة العبرية، ويرى أن الفصائل الفلسطينية أصبحت غير قادرة على المقاومة، وأن الإدارة الوطنية لقطاع غزة التي يرأسها علي شعث، ستواجه قيودا وتناقضات داخلية، ستجعلها عاجزة عن الإنجاز، وبالتالي تحمل الجانب الفلسطيني مسئولية تعثر التسوية السياسية.  

لن يجدي كثيرا مناقشة خطة ترامب “بالينبغيات” والشعارات التي تؤكد انحيازها لإسرائيل؛ لأنها بعيدة عن تفكيره، فهو رجل “بيزنس” وصفقات وعلاقات قوة، وأوراق ضغط يزن بها علاقاته الدولية وحجم كل دولة وتأثيرها الحقيقي، وأن المطلوب تغيير أوراق قوتنا على رقعة الشطرنج، حتى نؤثر في خطط ترامب.

ومن هنا، فلم يكن غريبا أن تكون قوة إسرائيل هي العامل الأساسي وراء جعل خطة ترامب وتحركاته منسجمة معها، فهو يعتبرها دولة قوية حليفة لأمريكا، ولا يجب أن تتعرض لأي محاسبة، حتى لو كانت دولة احتلال، في حين أنها اعتبرت الضحية والمظلوم ناقص الأهلية، يجب مراقبته ومتابعة “الشاردة والواردة” في كل تصرفاته؛ بسبب سوء أداء نخبته وانقسامها الذي أعطى مبررات لهذه الوصاية والتدخلات، ولن تتقدم القضية الفلسطينية، إلا إذا ظهرت “حماس” جديدة سياسية ومدنية، وجددت السلطة بنيتها بالجراحة، وليس المسكنات، وتغير شكل الإدارة الفلسطينية.

برجماتية ترامب ونظرته للعالم، تبدو كمن ينظر إلى رقعة شطرنج، يعرف فيها جيدا، من يمتلك وزيرا وطابية وحصانا، ومن يمتلك فقط جنود مبعثرين حول الملك، ويطلق مبادراته على هذا الأساس، فهو ليس رجل مبادئ، ولم يؤمن بحقوق الشعب الفلسطيني، ولم يعتبره صاحب قضية مشروعة، يعاني من ظلم واحتلال، وسعى إلى تهجيره من قطاع غزة وطالب نتنياهو حرفيا، بأن ينجز عمله (Job) بسرعة ويجتث حماس، ويحرر الرهائن بالقوة، حتى اكتشف إنه لا يحقق أي من هذه الأهداف على مدار عامين.

والحقيقة، أن أبعد رجل عن الدفاع عن القضية الفلسطينية هو ترامب، فهو يقع في أقصى اليمين، ويكره التيارات المدنية في أمريكا والعالم الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، ويختلف مع الانحياز “العاقل” الذي يبديه الحزب الديمقراطي تجاه إسرائيل؛ لأنه يؤمن بالقوة، وليس الحق والقانون والعدالة.

ورغم أن هذه الصفات تقول إنه آخر زعيم يمكن أن يحرص على إيقاف الحرب في غزة، ولكنه فعلها، ووضع أولا خطته لوقف الحرب، ثم أسس مجلسا دوليا للسلام، ضم بعض السياسيين وكثير من رجال الأعمال، ويسعى لضم مصر وتركيا وقطر، بعد أن أعلنت المغرب موافقتها على الانضمام، في حين فشل باقي زعماء العالم في إيقاف هذه الحرب، بما فيهم سلفه بايدن الأقل انحيازا لإسرائيل والمؤمن بالقانون وشرعية المؤسسات الدولية.

نجاح ترامب كان في الفعل وليس العدالة والقانون، والذي انطلق فيه من توازنات القوى الموجودة على الأرض، وهو هنا أخلص لذاته وتصوراته ونرجسيته أكثر من إخلاص الكثيرين المؤمنين بالقانون والعدالة، فنجح في إيقاف الحرب ولو بصورة غير عادلة.