قبل أن نقدم إجابتنا على هذه التساؤلات، كما وعدنا في المقال السابق عن أمراض النخبة وجذورها المجتمعية، سوف نستكمل في عجالة بقية أمراض النخبة السياسية المدنية، التي لم نذكرها في ذلك المقال السابق؛ خشية الإطالة، وهذه القائمة الجديدة من أمراض النخبة هي كلها من صنع نظام يوليو ١٩٥٢ ودولته العميقة المستمرة بلا أي انقطاع، رغم دعاوى التعددية، ومحاولات الإصلاح الشكلية.
فمنذ اكتمال سيطرة الضباط في مارس ١٩٥٥، عزلت القوى المدنية بالكامل وحتى اليوم عن المعلومات والمشاركة في الشؤون والأجهزة المسماة بالسيادية، ومع مرور السنوات أصبحت محرومة من الصلة بتلك الأجهزة، وعديمةً الخبرة بهذه الشؤون، ومن ثم، أصبحت غريبة على الدولة العميقة، مثلها مثل جماعة الإخوان المسلمين سواء بسواء، وهذا بدوره عمق إيمان الدولة العميقة بأن القوى المدنية والمعارضة السياسية ماهي إلا “رذالة شوية أفندية عندهم مياه ساخنة وباردة في بيوتهم “ بتعبير الرئيس الراحل أنور السادات، الذي ألغى التنظيم السياسي الواحد، وأدخل التعددية، بمعنى أن المعارضة السياسية المدنية هي إزعاج لا لزوم له، ومجموعة من المثقفين الثرثارين العاطلين والمعطلين الذين يتباهون (بشوية قراءة و لديهم عقدة الخواجات)، بل إن الحكومة نفسها، والبرلمان- في رأيهم- ما هما إلا مؤسسات تابعة للسلطة الأمنية التنفيذية الشمولية، وكما نعرف جميعا، فالبرلمان لم يمارس دوره الرقابي قط في قضايا وسياسات الأمن القومي والدفاع، ولا على مؤسساتها، ورقابته شكلية في شؤون الأمن الداخلي كذلك.
حكى أحد رؤساء الوزراء السابقين، أن العرف كان لا يسمح له بالالتقاء مع ممثلي الأجهزة السيادية، إلا إذا دعاه رئيس الجمهورية إلى اجتماع معهم برئاسة الرئيس شخصيا، وهو ما لم يحدث إلا نادرا بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣.
ويقول أحد رؤساء الأحزاب المعارضة الجادة نسبيا، والذي يشارك حزبه في القائمة الوطنية الموحدة لانتخابات مجلسي النواب والشيوخ الأخيرة، إنه في أثناء التفاوض على أعداد المقاعد التي ستخصص لكل حزب، وبعد أن طال التفاوض، وتعثر الاتفاق قليلا، صاح ممثل الدولة العميقة في ممثلي المعارضة قائلا: والله لو كان الأمر بيدي لكان الحل الأفضل للبلد هو وضعكم جميعا في السجن، ويقول الدكتور أحمد البرعي وزير القوي العاملة الأسبق، الذي حاول تمرير قانون إنشاء النقابات المستقلة، إن ممثلي أجهزة الأمن سألوه بدهشة غير مصطنعة، لماذا تريد نقابات مستقلة في حين الدولة عملت لكم نقابات (زي الفل) والدنيا ماشية من غير مشاكل، فالمعاشات تصرف، وتصريحات ممارسة المهنة منضبطة… إلخ!!
بالطبع، فإن رجال الدولة العميقة من طول تآلفهم مع السلطوية والشمولية استقر لديهم، أن هذا هو الطبيعي، وأن النقابات هي مجرد تنظيمات خدمية، وتنظيمية فقط، وليس لها دور سياسي، ولا ينبغي لها ذلك، وأن الأحزاب المعارضة ماهي إلا زوائد دودية للنظام لا حاجة ولا وظيفة حقيقية لها، سوى أنها استكمال للشكل، أو (إستيفا) بلغة الدواوين البيروقراطية.
خلاصة الفقرات أعلاه، والمقال السابق، أن القوى المدنية ليست مؤهلة ذاتيا للمشاركة الحقيقية في السلطة والقرار السياسي، وليست قادرة على الضغط المجتمعي السلمي لإحداث التغيير الإصلاحي، وفي الوقت نفسه، فإنها أيضا ليست مقبولة ولا مقنعة للدولة العميقة كشريك سياسي، وإنما يمكن قبولها كتابع بيروقراطي شكلي، سواء في البرلمانات، أو في الحياة العامة.
الآن ورغم هذه الصورة المحبطة، فلنحاول الإجابة على تساؤلات العنوان.
فإذا افترضنا ثبات كل هذه العوامل التي شرحناها، واستبعدنا أية مفاجآت، فإن أول واجبات النخبة المدنية هو التعلم من خبرة الماضي التعيسة، بحيث لا تستدرج مرة أخرى إلى فخاخ الخديعة، ولا سبيل لذلك سوى دراسة الماضي بموضوعية وشمول، ولذا فإني أقترح على الأحزاب الجادة، وفي مقدمتها الوفد، والمصري الديمقراطي الاجتماعي، والتحالف الشعبي الاشتراكي، وحزب الكرامة، أن يشكل كل منها فريقا بحثيا وسياسيا؛ لتقويم تجاربها السابقة سلبا وإيجابا، وتقويم تطورات الحياة السياسية المصرية دون تردد على الأقل منذ ثورة يناير ٢٠١١، والانطلاق من هذا التقويم إلى اقتراح بنود الإصلاح، ووضع الخطط اللازمة له حزبيا، و على مستوى البلد ككل، ثم تطرح هذه التقويمات والتوصيات للنقاش الحزبي على كل المستويات، ثم تصدر كوثيقة حزبية ودليل عمل، تقدم إلى الرأي العام.
عند هذه اللحظة سوف تظهر القواسم المشتركة، أولا داخل كل تيار يسارا ووسطا ويمينا، وهي القواسم التي يمكن على أساسها بناء تكتل لأحزاب التيار الواحد، كما ستظهر القواسم المشتركة بين كل التيارات، و التي يمكن بناء تحالف جبهوي وطني ديمقراطي على أساسها، للتفاوض من نقطة قوة مع السلطة حول خطوات الإصلاح المطلوب، أو في أسوأ الأحوال لانتظار ظهور جناح إصلاحي داخل الدولة نفسها، تحت ضغط الأزمات الداخلية الكبرى، كالديون، أو التوترات الطائفية، أو الأزمات الإقليمية والدولية الكبرى أيضا، وما أكثرها حاليا وفي المستقبل المنظور ، وهنا يجب ألا ننسى كيف وكم غير الغزو الأمريكي للعراق الأوضاع السياسية في الإقليم، وفي مصر نفسها، بداية من توسيع الهامش الديمقراطي، مثل التسامح مع حرية التعبير والتظاهر والاحتجاج، وإقرار بعض الحقوق للمرأة والأقباط، وزيادة عدد مقاعد المعارضة في البرلمان، حتى تعديل الدستور لاختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب، بدلا من الاستفتاء، حتى وإن جاء في سياق ذلك، المشروع سيئ الذكر المعروف بالتوريث.
كما يجب على القوى المدنية، أن تكون جاهزة للتعامل مع أية متغيرات غير منظورة حاليا، أو للحظة الخلخلة الطبيعية التي تعقب التغيير الحتمي في رأس السلطة، وذلك بالقضاء والقدر، اللذين يجعلان لكل إنسان أجلا محدودا، يستوي في ذلك الملوك مع رعاياهم، ولنتذكر جميعا القانون الشهير في علوم الرياضيات، والذي يقول إن الصفر يحفظ الخانة، علما بأن ما نقترحه قد يرفع قيمة المعارضة المدنية في المعادلة السياسية في مصر كثيرا على الصفر.
إن ثورة يناير ٢٠١١ كانت في حقيقتها هي إعلان نهاية نظام يوليو ١٩٥٢، لانتهاء صلاحيته أو لانقضاء عمره الافتراضي، ولولا خطايا القوى المدنية، ورعونة وانتهازية جماعة الإخوان المسلمين، ما كان لنظام يوليو أن تعود له الروح من جديد، أو على الأقل كان سيجبر على قبول مشاركة مدنية حقيقية، وليست مشاركة شكلية أو تبعية مقنَعة، ومع ذلك فدوام الحال من المحال، حتى في النظم السياسية، ولا بد من الوصول، وإن طال السفر.
اقرأ أيضا :






