نظريا يفترض أن نكون دخلنا المرحلة الثانية من خطة ترامب، ونظريا يفترض أن يكون معبر رفح قد تم فتحه من الجانبين دون قيود إسرائيلية ولا مضايقات وتحقيقات للعائدين إلى غزة، وكان يفترض أيضا أن تدخل المواد الغذائية والطبية والمساعدات الإنسانية دون أي قيود إسرائيلية تعرقلها وأحيانا تمنعها.

ورغم أن المرحلة الأولى لم تلتزم بها إسرائيل إلا جزئيا، وظلت تستهدف فلسطينيين أبرياء، وتحتل نصف قطاع غزة حتى مع البداية النظرية للمرحلة الثانية، وظلت تماطل في دخول مجموعة الـ١٥ الفلسطينية التي ستدير القطاع، ويعتبر دخولها دلالة على بداية المرحلة الثانية، ونزع سلاح حماس والبدء في إعادة الإعمار.

لا أحد يختلف على الانحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل ولا انتهاك دولة الاحتلال لكل الأعراف والقوانين الدولية، كما أن الصمود الفلسطيني ونبل أهداف المقاومة المسلحة وصلابتها وتضحياتها أمر لا يمكن إنكاره، ولكن ما هو مطروح الآن أو بالأحرى “مسوغات” الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب، هو جدارة الإدارة الفلسطينية للمرحلة الانتقالية حتى في ظل السياسات العدوانية الإسرائيلية، والتقدم خطوات للأمام نحو تعظيم دور “المكون الفلسطيني” الموحد في تركيبة من يديرون المرحلة الانتقالية، خاصة في ظل وجود “مجلس السلام العالمي”، وممارسة مزيد من الضغوط على دولة الاحتلال للتوقف عن استمرار عدوانها على قطاع غزة.

الحقيقة، أن سردية حماس في المقاومة معتمدة على الصمود والاستشهاد والبنية العقائدية الصلبة وتكرار الحديث عن جرائم الاحتلال والمظالم التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني وغياب العدالة الدولية، ولكنها حتى اللحظة لم تنجح منذ انقلابها بالقوة العسكرية على السلطة الوطنية في غزة في تقديم نموذج نجاح في إدارة غزة، يقبل بالتنوع الداخلي، ويفتح الجسور مع منظمة التحرير، ويقدم التنازلات المطلوبة من أجل القضية الفلسطينية والصالح العام وليس لصالح هذا الفصيل أو ذاك.

سيعتبر الكثيرون، أن حماس نجحت في اختبار الصمود، وقدمت شهداء وتضحيات كبيرة، ولكنها بالقطع لم تنجح في اختبار جدارة الإدارة والحكم طوال زهاء ما يقرب من عقدين، وأن التحديات الحالية ليس لها علاقة بنموذجها في المقاومة المسلحة الذي تراجعت فعاليته، إنما جدارتها وقدرتها على تبني سياسات جديدة، تقبل فيها بالكمون والتحول نحو تيار مدني سياسي قادر على المساهمة في بناء نموذج في الحكم والإدارة، يُحدِث قطيعة مع حالة الانقسام التي هيمنت على المشهد الفلسطيني زهاء ما يقرب من ٢٠ عاما، ويتحمل وزرها كل من فتح وحماس.

ورغم كل هذه الظروف الصعبة المحيطة بالشعب الفلسطيني وقضيته العادلة واستمرار جرائم الاحتلال، بقي السجال بين حماس والسلطة الفلسطينية تقريبا على حاله، وبات الهدف السيطرة على غزة، وكأنها “غنيمة سياسية” وتصرف الجانبان كفصائل متناحرة، وليس كأصحاب مشاريع وطنية جامعة.

ما حرك ضمير العالم، وزاد الضغوط على حكام الغرب والشرق، ودفع إدارة منحازة بشكل مطلق لإسرائيل مثل إدارة ترامب، أن تتحرك لوقف الحرب هو ليس “تقدمية” أو إنسانية أيديولوجية حماس ولا جدارة نموذجها في الحكم والإدارة، مثلما جرى مع منظمة التحرير عقب تأسيسها عام ١٩٦٤، حيث كان لها حلفاء وأنصار مؤمنون بخطها ومشروعها السياسي، واعتبروها تجسد النضال الفلسطيني، وكان لها أيضا خصوم وأعداء، ولكنها أسست لنفسها جدارة في التعبير عن النضال الفلسطيني في الأدب والشعر ومراكز الفكر والأبحاث والترويج الثقافي والسياسي للسردية الفلسطينية رغم الشتات، والكفاح السياسي والمسلح، وهذا على خلاف حماس التي خاطب مشروعها أنصارها و”إخوانها” في إيران، وبقيت معظم دول العالم بما فيها التي اعترفت بالدولة الفلسطينية ترفض التعامل معها.

يقينا، العالم العربي والمثقفون العرب منقسمون حول حماس، ولكن التحدي المطروح حاليا لا يستدعي هذا الانقسام؛ لأنه لا يتعلق بالموافقة على نموذجها المسلح أو عملية ٧ أكتوبر أو رفضها، وليس له علاقة بشجاعة وصمود عناصرها، إنما في تقديم جدارة سياسية قادرة على تقديم نموذج تحرري، يجذب العالم لمشروع بناء الدولة الفلسطينية.

التحدي الحقيقي الذي بات أمام الإدارة الفلسطينية الجديدة لقطاع غزة لا يتعلق فقط بالتعامل مع الهموم اليومية للمواطن الغزاوي، ولا إعادة إعمار القطاع، إنما أيضا بناء جسر سياسي بين الأطراف الفلسطينية المختلف والعمل على إنهاء الانقسام الفلسطيني، خاصة بعد أن جرى تفريغ السلطة ومنظمة التحرير من جانب كبير من قيادتها المخلصة وشهدنا جدارتها أثناء مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو، قبل أن يتراجع في العقدين الأخيرين، حتى أصبح غير قادر على تقديم نموذج للجدارة في الحكم، وبات متهما بالفساد وسوء الإدارة وتكريس الانقسام.

الوضع الحالي أصعب من مسار أوسلو، رغم أن التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية بعد الجرائم الإسرائيلية، لم يحدث بهذا القدر في أي مرحلة سابقة، ولكنه يمكن أن يتبخر أو يتراجع، إذا لم تقدم القيادات الفلسطينية نموذج جدارة في الإدارة، يوحد الجهود ويقبل بالتنوع الداخلي والاختلاف من داخل المشروع الوطني الفلسطيني.  

يقينا الإدارة الوطنية لغزة مؤهلة أكثر من فتح وحماس، أن تتعامل مع الواقع الحالي ومع توازنات القوى، كما هي ودون أي إسقاطات أيديولوجية، فتتصور أن رفض الانحياز الأمريكي لإسرائيل أو إدانة الانتهاكات الإسرائيلية سيغير موازين القوى على الأرض، إنما المطلوب التعامل مع هذه الممارسات كمعطى (مع إدانتها كل يوم)، ويبنى المشروع الفلسطيني على أساس هذه المعطيات، ويقدم نموذج نجاح، ولو نسبيا رغم جرائم الاحتلال والانحيازات الأمريكية، يساعد العالم في الضغط على تل أبيب من أجل وقف القتل والانسحاب من غزة وإعادة الإعمار.