صنف الغرب تيارات وجماعات عنف سياسي ومقاومة مثل حركة حماس وحزب الله، على أنها جماعات إرهابية، وهو تصنيف يختلف تماما عن مدى الاتفاق والاختلاف معهم أو درجة رفض مشاريعهم السياسة كليا أو جزئيا، في حين تراجعت أمريكا والغرب عن تصنيفها لهيئة تحرير الشام وقادتها من إرهابيين مطلوبين للولايات المتحدة إلى قادة معترف بهم دوليا، واستقبلهم الرئيس ترامب في البيت الأبيض وأشاد بهم.

وقد وضعت الولايات المتحدة “أسوة غير حسنة” في تمييز آخر بين حركة طالبان وحماس في مفارقة صارخة، فالأولى التي شاركت القاعدة في اعتداءات 11 سبتمبر الإرهابية، لم تصنفها جماعة إرهابية، حتى بعد أن حاربت أمريكا على مدار 20 عاما، وقتلت مئات الجنود الأمريكيين، أما حماس التي لم تحارب الولايات المتحدة، ولم تقتل جنودها، ولكنها واجهت حليفتها الأولى إسرائيل، فاتخذت أمريكا موقفا منها أكثر عدائية من موقفها من حركة طالبان، وصنفت تنظيمها العسكري والسياسي كجماعة إرهابية.

المفارقة أن أمريكا صنفت حماس قبل عملية 7 أكتوبر كحركة إرهابية، وتجاهلت مسئولية سلطة الاحتلال، عما يجري في الأراضي المحتلة إلا بعض التصريحات الطيبة التي ترى أهمية السلام وحل الدولتين، أو خطة ترامب التي لا زالت مرحلتها الثانية متعثرة؛ بسبب الاعتداءات الإسرائيلية.

 لقد كالت الولايات المتحدة بمكيالين تجاه حركات متشددة وفق أهواء السياسة وحساباتها، ولم تطالب طالبان مثلا بتعديل توجهاتها العقائدية، وخاصة موقفها من المرأة قبل تسليمهم حكم البلاد، إنما تركت لهم البلد يحكموها بما هم عليه من أفكار، لأنهم اقتنعوا أن مآل أي سلطة احتلال هو الانسحاب، وترك أهل البلد يحكمون بلادهم بأنفسهم، مهما كان الرأي فيهم.

أما المقارنة بين حركة حماس وهيئة تحرير الشام، فسنجد أنهما يختلفان فيما يتعلق بتحديد الخصوم والأعداء وشكل التحالفات الدولية، فالهيئة واجهت “احتلال داخلي”، يفترض أنه من بني جلدتها، وبالتالي، فإن معركتها الأساسية كانت ضد النظام القائم أي نظام بشار الأسد، وليس الأعداء والخصوم التقليديين لتيارات الإسلام السياسي وتنظيمات التطرف العنيف كأمريكا وإسرائيل، أما حماس فهي تواجه احتلالا استيطانيا إسرائيليا مدعوما من أمريكا، وبالتالي، بنت مشروعها العقائدي والسياسي والعسكري على مواجهة الاحتلال بصرف النظر عن تقييم هذا المشروع ومدي صوابية، ما قامت به.

ورغم هذا الماضي العنيف لكلا التنظيمين، والذي صنفه الغرب بالإرهاب، إلا أن الموقف الأمريكي منهما اختلف بشكل جذري، فقد قبل دمج قادة هيئة تحرير الشام والإدارة السورية الجديدة في النظام الدولي، ولو “تحت الاختبار” رغم الماضي الجهادي لقادتها وتصنيف كثير منهم على قوائم الإرهاب، ومع ذلك تم التغاضي عنه من قبل المنظومة الدولية والولايات المتحدة.

والحقيقة، أن هذا الكيل بمكيالين في المنظومة الدولية والتمييز بين حماس وفصائل جهادية أخرى، صُنفت في السابق إرهابية مثل هيئة تحرير الشام يرجع لحسابات المصالح والأهواء السياسية، لأن حماس واجهت دولة احتلال مدعومة بشكل كامل من القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة، في حين واجهت هيئة تحرير الشام نظام بشار الذي رفضته القوى الغربية الكبرى، وخاصة أمريكا، وبالتالي، فإن العالم ظل مستعد لقبول قادة هيئة تحرير الشام في المنظومة الدولية بشروط، بعضها قامت بها، والبعض الآخر لا زال محل بحث.

يقينا تخلي حركة حماس عن المقاومة المسلحة وإعلانها، أنها “تابت عن كل ما فعلته” لن تقبله “أمريكا الحالية” لأسباب تتعلق بانحيازها المطلق لدولة الاحتلال، وهو على خلاف هيئة تحرير الشام التي بدأت حكمها، وهي جزء من محور الاعتدال، وحلت مكان نظام “ادعاء الممانعة”، وأعلنت أنها لن تواجه إسرائيل.

ليس مطلوبا أن تقبل المعايير الأمريكية المزدوجة تنظيم حماس المسلح، ولا تقبل عملية 7 أكتوبر أو حتى مبدأ المقاومة المسلحة، إنما أن تسمح لها بتجديد نفسها والانتقال إلى العمل السياسي وخروج قادتها من المشهد والضغط على إسرائيل للتوقف عن عمليات القتل المتعمد للمدنيين ولعناصر الحركة على السواء، وكأن هناك رغبة إسرائيلية بغطاء أمريكي، أن تبقي حماس منغلقة على خياراتها القديمة، ويستمر تصنيفها بالعين الأمريكية الواحدة كتنظيم إرهابي.

المفارقة في المعايير الأمريكية المزدوجة، أنها لم تميز فقط بين حماس وطالبان أو بين هيئة تحرير الشام وحماس، إنما أيضا تجاهلت إرثا غربيا في دمج تنظيمات مسلحة وعنيفة في المنظومة السياسية الداخلية والعالمية، كما جرى في أكثر من بلد أوروبي أو في أكثر من خيرة دولية من جنوب إفريقيا الذي اعتبر الغرب في البداية المؤتمر الوطني تنظيما إرهابيا، أو جبهة التحرير الجزائرية التي صنفتها فرنسا أيضا كجماعة إرهابية، وانتهى الحال بأن تفاوضت معها، وحصل قادتها على استقلال الجزائر، وحتى منظمة التحرير الفلسطينية فقد صنفتها أمريكا وإسرائيل في البداية كمنظمة إرهابية، وانتهت بأن كانت الشريك الوحيد المعترف به دوليا كممثل للشعب الفلسطيني، والذي وقع على اتفاق التسوية السلمية الوحيد مع إسرائيل (أوسلو)، قبل أن تنتهكه إسرائيل بالاستيطان في الضفة وحصار غزة.  

يقينا لا يمكن أن تستمر سياسة الكيل بمكيالين إلى ما لا نهاية، ولا يمكن أن نصنف تنظيمات وجماعات تحمل السلاح في وجه محتل، أنها إرهابية حتى لو اختلفت مع وسائلها وخيارتها، وإن تعددت المعايير واختلاف التصنيفات، حسب الهوى والمصلحة والانحياز السياسي يفقد المنظومة الدولية مصداقيتها، وأيضا قدرتها على مواجهة الإرهاب الحقيقي الذي رأيناه على يد تنظيم داعش وغيره، والذي استثمر عدم عدالة المنظومة الدولية ومعاييرها المزدوجة في ارتكاب جرائم لا تعد ولا تحصى.