مع انشغال العالم بتطورات الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران منذ نهاية فبراير الفائت، افتتحت إثيوبيا فصلًا جديدًا في دورها كقوة مُزعزِعة للاستقرار الإقليمي بانتهازها فرصة الحرب للبدء في انتهاك عسكري لسيادة السودان بشكل مباشر.
وزارة الخارجية السودانية حذرت مساء 2 مارس الجاري في بيان رسمي لها إثيوبيا من مواصلة الأخيرة “سلوكها العدواني” بالسماح باستخدام أراضيها لإطلاق هجمات بالمسيرات، وأن الخرطوم “تحتفظ بحق الرد على هذه الانتهاكات”.
مثلَ الاتهام سابقة أولى من نوعها باتهام الخرطوم لأديس أبابا بالتورط بشكل مباشر في الحرب الجارية في السودان قرب دخولها عامها الرابع، وتعزيزًا لتقارير إعلامية راجت مطلع العام الحالي باستضافة إثيوبيا لمعسكر تدريبي لآلاف العناصر من ميليشيات الدعم السريع قرب الحدود بين البلدين (في ولاية النيل الأزرق شرقي السودان)، وتقديم دعم لوجيستي وأسلحة بتمويل إماراتي.
ولفتت الخارجية السودانية إلى مراقبة الحكومة دخول مسيرات من الأراضي الإثيوبية طوال شهر فبراير، ومطلع مارس الجاري واستهدافها “مواقع داخل السودان”.
وجاءت الاتهامات على خلفية تطورات خارجية خطيرة على رأسها الحرب الأمريكية على إيران، والتي تزامن اندلاعها مع وجود رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في زيارة مهمة لأذربيجان المجاورة لإيران (26- 28 فبراير)، وتطورات داخلية أبرزها، تكثيف ميليشيا الدعم السريع بالتعاون مع حركة التحرير الشعبية- شمال بقيادة عبد العزيز الحلو هجماتها في ولاية النيل الأزرق القريبة من المعسكر المذكور منذ مطلع العام الجاري.
إثيوبيا تنشط عسكريًا في السودان.. ما الجديد؟
يبدو أن أطماع إثيوبيا في التمدد الإقليمي، سواء عبر الحصول على منفذ بحري بالقوة وبطرق التفاوض القائمة على استغلال هشاشة دول الجوار الراهنة، أو التدخل العسكري المباشر في شؤون دول الجوار كما السودان، قد حظيت بدفعة كبيرة على وقع الحرب الأمريكية- الإسرائيلية الراهنة.
وإن تسويق إثيوبيا لنفسها كقوة إقليمية مرهوبة الجانب وقادرة على إحداث تغييرات ملموسة في الأوضاع القائمة في القرن الإفريقي الكبير قد اكتسب مقبولية جديدة، سواء من قبل دول مثل الإمارات وإسرائيل لم تخف جهودها في زعزعة استقرار الإقليم بشكله المعروف (على الأقل قبل ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثانية قبل أكثر من عام)، أو بدعم تقليدي من قبل الولايات المتحدة التي تميل إدارتها الحالية إلى فرض حلول بالقسر والقوة.
وتجلى ذلك، كمثال رئيسي هنا، في توجه أديس أبابا لشن حرب جديدة على جبهتي إقليم التيجراي وإريتريا في توقيت واحد.
وأكدت تقارير غربية مهمة، مدعومة بشهادات محلية في ظل التضييق الإعلامي الذي فرضته حكومة ؤئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في الأسابيع الأخيرة على منصات إعلامية مهمة تعمل في البلاد، احتمالات متزايدة بإطلاق هذه الحرب في شهر مارس الجاري، الأمر الذي سيكون له تداعيات مباشرة على السودان، إذ “سيؤدي الصراع في التيجراي إلى زيادة التنافس الوكالي الحالي بين حكومة إثيوبيا الفيدرالية والقوات المسلحة السودانية، ويزيد مخاطر اندلاع صراع حدودي مسلح بين إثيوبيا وإريتريا، الأمر الذي قد يجذب دولًا مثل مصر والإمارات وإسرائيل وربما السعودية” (Critical Threats, Feb. 25, 2026).
وعلى خلفية هذه التطورات، ومع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نهاية فبراير الفائت، تصاعد التوتر السوداني الإثيوبي لمستويات جديدة لاسيما منذ نشر رويترز تقريرها الشهير (Reuters, Feb. 10, 2026) عن استضافة إثيوبيا لقاعدة “سرية” مستخدمة في تدريب قوات ميليشيات الدعم السريع بدعم من الإمارات حسب أدلة قدمها التقرير.
وعزز بيان الخارجية السودانية هذه الاتهامات، وأضاف لها حقيقة قيام قوات جوية إثيوبية بعمليات مباشرة في داخل السودان، أو السماح بانطلاق هجمات جوية داخل السودان انطلاقًا من الأراضي الإثيوبية.، الأمر الذي يمثل مرحلة جديدة من التورط الإثيوبي في الأزمة السودانية، وبداية “حملة” إثيوبية لاستعادة زمام المبادرة ميدانيًا في هذه الأزمة بعد استعادة الجيش السوداني لأغلب المناطق السودانية في إقليم الفشقة في العام 2020، وإطلاقًا لدور إثيوبي متطور مدعوم من قبل الإمارات لتعويض غياب الأخيرة شكليًا عن الانخراط المباشر في الأزمة السودانية بعد التوتر الأخير مع السعودية.
ويمثل الانخراط الإثيوبي توجهًا جديدًا من جهة السعي لفتح جبهة صراع خطيرة للغاية بين الجيش السوداني وميليشيات الدعم السريع في شرقي السودان؛ الأمر الذي يعمق فعليًا جهود تقسيم السودان الحالي على المدى المتوسط، ويفرغ أية خطط مستقبلية لإطلاق مرحلة انتقالية في السودان من مضمونها تمامًا، إذ يعني انتقال الصراع إلى شرق السودان تدويله بشكل مباشر (لاسيما في حالة اشتعال الحرب في إقليم التيجراي أو بين إثيوبيا وإريتريا)، وتمدد غير مسبوق لميليشيات الدعم السريع على رقعة تتجاوز ثلثي مساحة السودان واشتباك هذه الميليشيات في تعاون وثيق مع قوى سودانية في ولايات مثل النيل الأزرق وسنار والنيل الأبيض (المجاورة لشمال كردفان وجنوب كردفان والجزيرة والخرطوم) تلتقي معًا في هدف مواجهة الجيش السوداني والتخلص من دولة 1956.
حدود العمليات العسكرية “الإثيوبية” في السودان
أكد بيان الخارجية السودانية (2 مارس) استهداف مسيرات مختلفة لمناطق داخل السودان، وأن هذه المسيرات التي تكثفت هجماتها في فبراير ومطلع مارس الجاري، جاءت من الأراضي الإثيوبية؛ وحسب تقارير محلية، فإن قائمة الأهداف التي طالتها المسيرات الإثيوبية تركزت في ولاية النيل الأزرق بالتزامن مع تصعيد الدعم السريع أنشطته الأولية هناك، مما يمكن معه القول إن الجهد الإثيوبي يأتي منسقًا على نحو كامل مع تحرك الدعم السريع، ومع توجيهات خارجية بتوسيع رقعة الحرب في السودان وتقديم الدعم اللازم لميليشيات حميدتي لموازنة رفض الخرطوم المستمر أي دور إماراتي في الرباعية الدولية مستقبلًا، سواء على نحو كامل أو حتى تجميد أنشطة أبوظبي داخل الرباعية الدولية، ومنعها من طرح أفكار سلبية تؤثر على فرص تسوية واقعية وقابلة للحياة.
ولبيان خطورة التدخل الإثيوبي، يلاحظ أن الصراع في ولاية النيل الأزرق قد بلغ مرحلة جديدة في نهاية يناير 2026 باحتدام الصراع بين الجيش السوداني، وكل من ميليشيات الدعم السريع وجبهة تحرير السودان شمال- فصيل عبد العزيز الحلو في العديد من المواقع، بعد عبور قوات الحلو من جنوب السودان إلى الولاية.
وتركزت هجمات المسيرات الإثيوبية في المناطقة الواقعة بين العاصمة الدامازين ومحلية كورمك، وهدفت هجمات المسيرات الإثيوبية إلى إحداث توازن في المواجهات البرية، خاصة أن الدعم السريع وقوات الحلو قد زادت عمليات انتشارها في النيل الأزرق منذ منتصف ديسمبر 2025، في الوقت الذي اتهمت فيه القوات المسلحة السودانية إثيوبيا رسميًا “بتقديم دعم عسكري لميليشيات الدعم السريع” (دون الوصول لمستوى التورط المباشر بجعل الأراضي الإثيوبية منصة للمسيرات المذكورة في بيان الخارجية السودانية).
كما لاحظت تقارير مهمة (ALCED Data, January 2026) خطورة هذا التطور مع تحول ولاية النيل الأزرق لنقطة محورية في الصراع الدائر في السودان، وأن التحرك المشترك لميليشيات الدعم السريع وقوات الحلو يأتي ردًا على تحرك الجيش السوداني الناجح نسبيًا في شمال وجنوب كردفان، وما يعنيه ذلك من فتحة جبهة جديدة لاستنزاف جهود الجيش السوداني بشكل تدريجي ومنتظم، ومن ثم إحكام ميليشيات الدعم السريع وقوات الحلو سيطرتها على وسط السودان، وضمان وجود خطوط إمدادات عسكرية ولوجيستية قصيرة وسخية لدعم أنشطة التمرد في السودان، والقفز بالأخير إلى مرحلة التقسيم الفعلي على الأرض كسيناريو بديل للمسار الدبلوماسي الذي تقوده الرباعية الدولية، رغم ما يبدو عليه من وهن واستنفاد أغراضه بالنظر لطبيعة تناقضات مواقف الأطراف المكونة لها، وغياب إرادة أمريكية حقيقية للتوصل لحل واقعي.
مصر وانتهاك إثيوبيا لسيادة السودان: مقاربة عاجلة
ظل الدعم المصري للسودان وقواته المسلحة عاملًا مهمًا في الحفاظ على سيادته ومواجهة كثير من التهديدات التي تأتي من بعض دول جواره، مدفوعة بأجندات إقليمية ودولية أخذت تنكشف واحدة تلو الأخرى في توقيتات مفصلية.
وعزز التعاون المصري السوداني قبل إبريل 2023 (لا سيما ما تجسد في مناورات نسور النيل الأولى والثانية عام 2021) قدرة الجيش السوداني على استعادة أراضٍ في إقليم الفشقة وإفشال مشروعات استثمارية إماراتية- إثيوبية في الإقليم، تقوم بالأساس على نهب أراضي السودان الزراعية.
وهكذا لا يمكن فصل سياسة إثيوبيا الراهنة، باعتبارها وكيلًا مباشرًا للإمارات وعلى علاقة عضوية بتوجهات واشنطن- تل أبيب الشرق أوسطية الراهنة والمستقبلية، في انتهاك سيادة السودان والتدخل العسكري المباشر في أزمته عن السياق السابق.
كما لا يجب التقليل من مخاوف السودان من فرص نجاح إثيوبيا في سياستها تلك على المدى القريب في ظل متابعة تحركات أديس أبابا الخارجية، ومن أبرزها زيارة رئيس الوزراء آبي أحمد لدولة أذربيجان (26- 28 فبراير الفائت)، والتي شملت أجندتها تحديث قدرات الجيش الإثيوبي وقطع مراحل في التحول الرقمي، وما يعنيه من احتمالات امتلاك قدرات تصنيع أسلحة ومسيرات متطورة نقلًا عن التجربة الأذربيجانية مباشرة.
ويمثل الوضع الراهن، بحدوده الآنية والمحتملة، تهديدًا مباشرًا لمصر ومصالحها ورؤيتها للأمن القومي المشترك مع السودان؛ كما يمثل في بعد آخر تقويضًا خطيرًا لمكتسبات مصر الأخيرة في القرن الإفريقي الكبير، ويمكن تصور تبني مقاربة مصرية عاجلة لمواجهة هذا التهديد الخطير على النحو التالي:
- دعم السودان في جهوده لتوثيق الاعتداءات الإثيوبية وطرحها أمام الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة للنظر في مخاطر استمرار هذه الاعتداءات على سيادة السودان واستقراره، وربما إدراجها كعمل عدائي مباشر من دولة الجوار الشرقي للسودان.
- تنسيق الرؤية المشتركة مع السعودية ودول القرن الإفريقي وعدد من الدول الأخرى المعنية باستقرار السودان من أجل صياغة موقف موحد تجاه السلوك الإثيوبي العدواني، وربطه بسياسات دولة مثل الإمارات الهادفة لاستدامة الأزمة في السودان رغم ادعاءاتها المتكررة بخلاف ذلك، وكشف مدى تناقض ذلك مع دورها المفترض داخل “الرباعية الدولية”.
- المبادرة بتحرك عاجل في مسار التعاون المصري- السوداني (لا سيما في شقه الأمني والاستخباراتي) لتعزيز قدرات الجيش السوداني في مواجهة تهديدات هجمات المسيرات، وغيرها التي تنطلق من الأراضي الإثيوبية.
- إحاطة الرباعية الدولية (حتى كإجراء شكلي) بمخاطر التوجهات الإثيوبية ووضعها على أجندة عمل الرباعية، ووضع أطرافها أمام مسؤولياتهم في حماية المسار الانتقالي من التدخلات الخارجية.
- ضرورة التنبه لتوجه أديس أبابا لاستغلال الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط، وما استدعته على سبيل المثال من استنفاد جهود دول خليجية مهمة مثل السعودية ومخاوف مصرية حقيقية إزاء مستقبل الإقليم ككل، وتحقيق اختراقات غير مسبوقة في الأزمة السودانية ودعم القوى الحليفة تقليديًا لها في هذه الأزمة، ولعب دور وكالي “بالوكالة” دقيق في الظرف الراهن؛ الأمر الذي يتطلب خطوات مقابلة لوقف مثل هذا التوجه، مثل تعزيز قدرات الجيش السوداني على ضبط حدوده الشرقية مع إثيوبيا، وقدرة أكبر على مراقبة سماوات السودان في الولايات الحدودية.
ختامًا، لا يمكن فصل توجهات إثيوبيا العدائية تجاه السودان عن نهج الأولى التقليدي بانتهاز الظرف الإقليمي للافتئات على سيادة دول الجوار (كما في الصومال والسودان، ومحاولات حثيثة في جيبوتي وإريتريا، ودور سياسي مهيمن في جنوب السودان)، كما لا يمكن فصله تلقائيًا عن تطورات الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران وتصورات إثيوبيا لدورها كحليف رئيس في هذه الحرب خلف واشنطن وتل أبيب، وإن من باب فتح جبهة “ثانوية” في السودان، مع تعزز آمالها في تفككه أو على أقل تقدير تعزيز الأزمة الحالية وتمكين ميليشيات الدعم السريع من قلب الطاولة على الجيش السوداني وحرمانه من كافة مكتسباته على الأرض في الشهور الأخيرة؛ الأمر الذي يفرض تحديات بالغة الخطورة، وعلى نحو يفوق الرؤية الراهنة بكثير، على مصر وسياساتها في دوائرها الإفريقية.






