في كل حرب إقليمية معقدة، يسبق سؤال واحد كل التحليلات: هل يؤدي دخول طرف جديد إلى تغيير مسار المعركة، أم يضيف فقط طبقة جديدة من الضغط؟
هذا السؤال يفرض نفسه منذ إعلان حزب الله دخوله ساحة الحرب بعد مقتل المرشد الإيراني، فالمسألة لا تتعلق بإطلاق الصواريخ أو استهداف قاعدة عسكرية فحسب، بل بما إذا كان الحزب قادراً على توسيع نطاق الصراع وفرض معادلة جديدة على إسرائيل وحلفائها، أم أن نشاطه سيبقى ضمن حدود الاشتباك المحسوب.

الإجابة هنا تعتمد على رصد التحركات التي ظهرت على الأرض خلال الأيام الماضية من إعلان الحزب دخول ساحة المعركة، ومدى قدرته على إلحاق خسائر بإسرائيل وإجهادها عبر فتح جبهة ثانية.
من التهديد إلى الاشتباك
منذ إعلان انخراطه، انتقل حزب الله من مرحلة التهديد إلى التنفيذ الفعلي، عبر إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، استهدفت مواقع عسكرية في شمال إسرائيل، بينها قواعد ميرون ورامات ديفيد ونفح في الجولان.
هذا التحول أنهى حالة الهدوء النسبي على الجبهة اللبنانية منذ أحداث 2024، وفتح مرحلة اشتباك مباشر، لكن السؤال الأهم لا يتعلق بوقوع الضربات بقدر ما يتعلق بقدرتها على إحداث تأثير عسكري يتجاوز الرسائل السياسية.
عملية الجولان: رسالة أكبر من الأثر العسكري
من أبرز العمليات التي لفتت الانتباه استهداف قاعدة نفح في الجولان ومركز الإدارة الجوية في ميرون، وهما موقعان يرتبطان بإدارة العمليات على الجبهة الشمالية، اختيار هذه الأهداف يحمل دلالة واضحة، إذ لا يتعلق الأمر بمواقع حدودية فقط، بل بمراكز قيادة ورصد تلعب دوراً أساسياً في إدارة العمليات العسكرية في لبنان وسوريا.
وتُعد قاعدة ميرون إحدى أهم محطات الرادار والإنذار المبكر، وتلعب دوراً رئيسياً في رصد الصواريخ والطائرات المسيّرة.
بهذا الاستهداف يسعى حزب الله إلى توسيع بنك أهدافه؛ ليشمل مراكز القيادة ومنظومات الرصد، ومع ذلك، يبقى تقييم هذه الضربات مرتبطاً بنتائجها الميدانية. فحتى الآن لا توجد مؤشرات علنية على تعطيل عملياتي داخل هذه القواعد أو خسائر قادرة على تغيير عمل القيادة العسكرية الإسرائيلية في الشمال، لذلك تبدو العملية، رغم رمزيتها، أقرب إلى رسالة استراتيجية منها إلى تحول عسكري حاسم، لكن فهم تأثيرها الحقيقي يقود إلى سؤال أوسع: ما حجم القدرات العسكرية التي يمتلكها حزب الله فعلياً؟
ميزان القوة– ماذا يملك حزب الله فعليًا؟
لفهم تأثير الحزب على مسار الحرب، لا يكفي النظر إلى ما قام به من هجمات في الأيام الأولى، بل يجب النظر إلى حجم قدراته، ترسانته العسكرية وعدد المقاتلين، وقدرته على التحرك وشن عمليات عسكرية شمال إسرائيل.
فوفق تقديرات مراكز أبحاث مثل المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، يمتلك حزب الله ما بين 100 ألف و150 ألف صاروخ وقذيفة، تتراوح بين قصيرة ومتوسطة المدى وقادرة على الوصول إلى عمق إسرائيل.
كما يمتلك شبكة واسعة من منصات الإطلاق المموَهة في جنوب لبنان، إضافة إلى قدرات متزايدة في استخدام الطائرات المسيّرة.
تشير تقارير عسكرية إلى استخدام الحزب مزيجاً من الصواريخ قصيرة المدى والطائرات المسيّرة الانتحارية، وهي وسائل تهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية وإجهاد منظومات الاعتراض، متعددة الطبقات.
وعلى مستوى القوى البشرية، تشير التقديرات إلى ما بين 40 و50 ألف مقاتل بين عناصر نظامية واحتياط، واكتسب خبرات قتالية، ما يجعله أكثر الفاعلين من غير الدول تسليحًا وقدرات بشرية.
لكن هذه الإمكانيات تواجه أيضاً قيوداً واضحة، أبرزها التفوق الجوي الإسرائيلي الذي يسمح باستهداف البنية العسكرية والمدنية، إضافة إلى الوضع السياسي والاقتصادي الهش داخل لبنان، الذي يجعل الانزلاق إلى حرب واسعة مخاطرة كبيرة، وعبئًا على الحكومة اللبنانية التي سارعت يوم 2 مارس لإصدار قرار بحظر نشاط حزب الله العسكري ودعوته لتسليم سلاحه وحصر نشاطه في الاطار السياسي، في محاولة لرفع الحرج، وتجنب استهداف إسرائيل والتوغل في أرضي الجنوب مرة أخرى.
الجبهة الشمالية: ضغط إضافي ورفع الكلفة على إسرائيل
رغم أن ضربات حزب الله لن تُحدث تحولاً عسكرياً نوعياً، فإن دخوله المعركة فرض واقعاً جديداً على إسرائيل، فقد عززت قواتها في الشمال، ووجهت ضربات داخل جنوب لبنان، وبذلك لم تعد تدير جبهة واحدة، بل جبهتين في آن، وهو ما يرفع كلفة الحرب ويُعقِد إدارتها.
وخلال الأسبوع الأول من الحرب، تصاعد نشاط حزب الله ورفع عدد الهجمات، وتنوعت أدواته بين الصواريخ والطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للدروع ضد أهداف في شمال إسرائيل والجولان.
ويشير هذا إلى محاولة إبقاء الجبهة الشمالية لإسرائيل تحت ضغط مستمر، لا الاكتفاء بضربة رمزية.
في المقابل، ردت إسرائيل بتوسيع ضرباتها داخل لبنان وتعزيز وجودها العسكري على الحدود، ما أوجد ساحة اشتباك يومية بين الطرفين، ومع ذلك، لا تشير المؤشرات العسكرية إلى تحول في ميزان الحرب، بل إلى تصعيد في الإيقاع العملياتي فقط.
وبهذا المعنى، أصبحت الجبهة الشمالية عامل ضغط إضافياً في المعركة، لكنها لم تتحول بعد إلى الجبهة التي تغيّر مسارها.
وتُظهر تجربة حرب غزة، أن إسرائيل تمتلك خبرة طويلة في إدارة حروب متعددة الجبهات، كما تعتمد بشكل كبير على تفوقها الجوي وقدراتها الاستخباراتية لتعويض الضغط البري أو التهديدات من على الحدود
تعدد جبهات الحرب: من الضغط الموضعي إلى الاستنزاف الشبكي
أحد أهم الأسئلة التي ظهرت بعد دخول الحزب المعركة، هو ما إذا كان هذا التطور قد أجبر إسرائيل على تخفيف مشاركتها في العمليات ضد إيران لصالح حماية الجبهة الشمالية
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على تراجع العمليات الإسرائيلية المرتبطة بالحرب ضد إيران. فالضربات الجوية والعمليات المرتبطة بالحملة الأساسية مستمرة.
لكن عمليا، ما حدث هو إعادة توزيع للموارد العسكرية: جزء من القوات والدفاعات الجوية بات مخصصًا للجبهة الشمالية، لكن ذلك لم يوقف العمليات في الجبهة الإيرانية
بمعنى آخر، دخول حزب الله الحرب بالنسبة لإسرائيل، جعل تحقيق الأهداف العسكرية، أكثر كلفة وتعقيدًا.
الرهان الاستراتيجي الحقيقي لحزب الله لا يتعلق وحسب بقدرته على الصمود عسكرياً في الجنوب اللبناني، بل بقدرته على العمل كجزء من منظومة إقليمية أوسع.
الحزب يستطيع بمفرده إبقاء الجبهة الشمالية تحت ضغط مستمر، لكنه لا يملك وحده القدرة على تحويل الحرب إلى صراع متعدد الساحات، وهذا التحول يبقى مرهوناً بدرجة انخراط أطراف أخرى، ضمن ما يُعرف بمحور المقاومة، خصوصاً في العراق واليمن.
ضمن هذا الإطار تبرز فكرة «الاستنزاف الشبكي»: أي تحويل الصراع من مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران إلى حرب موزعة، تستهدف مصالح إسرائيل وحلفائها في نقاط متعددة من الإقليم.
تمتلك الفصائل المسلحة في العراق القدرة على استهداف القواعد الأمريكية، ما يرفع كلفة الدعم العسكري لواشنطن، ويخلق ضغطاً سياسياً إضافياً عليها.
كما يستطيع الحوثيون في اليمن توسيع نطاق المواجهة عبر تهديد الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما يضيف بُعداً اقتصادياً دولياً للصراع، هذا بجانب مهاجمة أهداف ومواقع إسرائيلية.
إذا جرى تفعيل هذه الساحات بشكل متزامن، فقد تجد إسرائيل وحلفاؤها أنفسهم أمام معضلة: التركيز على الجبهة الرئيسية مع المخاطرة بتوسع الفوضى الإقليمية، أو توزيع الموارد العسكرية على عدة جبهات، بما يضعف قدراتها ويشتتها.
ومع ذلك، توضح المؤشرات حتى الآن، إلى أن هذه الساحات لا تزال تعمل ضمن مستوى الضغط المحسوب لا الحرب الإقليمية المفتوحة.
وبذلك يبقى خيار التوسيع الشامل للصراع ورقة ردع استراتيجية في يد هذا المحور، لكنها ورقة لم تُستخدم بالكامل بعد.
اختبار القدرة على الاستنزاف
يبقى السؤال الحاسم: هل يستطيع حزب الله فعلًا التأثير في ميزان الحرب؟ الإجابة لا تتعلق بضربة واحدة أو بعملية محددة، بل بأربعة عوامل رئيسية:
أولها الاستدامة، أي قدرة الحزب على مواصلة الضربات لفترة طويلة، دون أن تُستنزف بنيته العسكرية بسرعة.
وثانيها النوعية، أي نجاحه في إصابة أهداف مؤثرة، يمكن أن تعطل العمل العسكري الإسرائيلي، وثالثها الكلفة، أي مدى قدرته على فرض ثمن عسكري أو اقتصادي واضح.
أما العامل الرابع، فهو سياسي بامتياز: قدرة لبنان نفسه على تحمّل تبعات حرب واسعة، وهو أمر للأسف محسوم بتداعي الوضع الداخلي سياسيا واقتصاديا.
خلاصة المشهد
حتى الآن، لا تشير الوقائع، إلى أن حزب الله غيّر في ميزان الحرب، لكنه نجح في تحقيق هدفا واضحا: توسيع مجال الحرب وتعدد الجبهات.. فبمجرد دخوله المعركة لم تعد إسرائيل تواجه جبهة واحدة، بل أصبحت مضطرة لإدارة جبهة شمالية نشطة إلى جانب حربها الأساسية، هذا لا يقلب المعادلة، لكنه يرفع كلفة الحرب ويجعلها أكثر تعقيدًا
التجربة الأقرب لفهم هذه اللحظة تبقى حرب 2006، حين استطاع حزب الله الصمود أمام الجيش الإسرائيلي وفرض معادلة ردع، استمرت لسنوات. لكن الفارق أن تلك الحرب كانت مواجهة ثنائية، بينما يجري الصراع الحالي في بيئة إقليمية أكثر تشابكًا، حيث يمكن لأي جبهة جديدة، أن تغير إيقاع الحرب كلها.
لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي، ما إذا كان حزب الله قادرًا على تغيير مسار الحرب الآن، بل ما إذا كان دخوله هو الخطوة الأولى في حرب إقليمية أوسع، لم تبدأ بعد بالكامل.






