بعد 4 أيام من تطبيق قرار إغلاق المحال التجارية في التاسعة مساء، تدور تساؤلات مهمة بالشارع المصري: هل ينجح القرار الحكومي في ترشيد تطبيق الطاقة فعلا؟ وما تبعات تنفيذ القرار على الأنشطة التجارية والاقتصاد عمومًا؟

منذ تطبيق القرار، يشكو الكثير من السائقين من تكدس مروري غير مسبوق، فإغلاق المحال مبكرًا، دفع الراغبين في شراء احتياجاتهم؛ للنزول نهًارا في أوقات الذروة المعتادة، ما يزيد من عدد السيارات بالشوارع ومعها استهلاك الوقود.

بحسب الدراسات، فإن الازدحام يسبب زيادة بمعدلات استهلاك الوقود بنسبة تصل إلى 29% ويرجع ذلك في المقام الأول إلى سلوك القيادة الذي يتسم بتكرار التوقف والتحرك، مما يؤثر سلبًا في الكفاءة الكلية لاستهلاك الوقود.

يقول محمد إبراهيم، سائق تاكسي، إن يوميّ الأحد والاثنين شهدا زحامًا مروريا غير مسبوق، خاصة في الفترة من 6 ـ 9 مساءً، خاصة بمناطق وسط القاهرة، مضيفًا أنه قطع في رحلة لا تستمر أكثر من 12 دقيقة بين مصر القديمة وميدان عبد المنعم رياض ساعة كاملة أول أمس الاثنين.

إغلاق المقاهي.. زيادة أم تقليل للاستهلاك

مع إغلاق المقاهي الشعبية مبكرًا، تتزايد المخاوف من زيادة الاستهلاك، ففي المقاهي تعمل ٣ أجهزة تلفزيون على الأكثر لخدمة عشرات الزبائن مع عدد محدود من لمبات الإنارة، ومع إغلاق المقاهي، خاصة في أوقات عرض المباريات الرياضية، تتحول الـ3 أجهزة لعشرات الأجهزة بالمنازل.

بيانات وزارة الكهرباء تشير، إلى أن القطاع المنزلي بمصر يستهلك نحو 36- 42% من إجمالي إنتاج الكهرباء، مما يجعله أحد أكبر القطاعات المستهلكة للطاقة، مدفوعاً بزيادة استخدام الأجهزة الكهربائية والتكييف، تتراوح فواتير المنازل بين 7 شرائح تصاعدية (من 0 إلى + 1000 كيلو واط/ ساعة)، بأسعار تبدأ من 68 قرشاً وتتجاوز 2.23 جنيه للكيلو واط.

محمد جاب الله، الخبير الاقتصادي يقول، إن الإغلاق ٩ مساء زاد استهلاك الطاقة، ويؤدي الي زيادة استهلاك الشريحة المنزلية التي تعتبر الشريحة الأعلى في الأساس، بجانب انخفاض مستوى الدخول، ودوران النقود في ظل دولة التضخم فيها يخنق مواطنيها .

تشير التقديرات، إلى أن عدد المقاهي في مصر “المرخصة” حوالي 15 ألف مقهى، لكن البعض يرفع ذلك العدد إلى 2 مليون مقهى، غالبيتها العظمى غير حاصلة على ترخيص، وهذه التقديرات هي التي دفعت الحكومة للحد من نشاطها ليلاً؛ لتقليل الاستهلاك ليلاً، باعتبار أنها تستهلك تقريبًا 15% من استهلاك الكهرباء اليومي.

 استراتيجية كاملة وليس نقاطا فردية

د. رمزي الجرم، الخبير المصرفي يطالب الحكومة، بتَبني استراتيجية دائمة، لترشيد الطاقة، منها: التخلص من أسطول السيارات المُخصصة لتنقلات كبار موظفي الدولة في الحكومة والأعمال العام والهيئات التابعة، والتي تُقدر بملايين السيارات، وعرضها للبيع في مزاد علني، وفي المقابل، اعتماد بدلات انتقال مجزية لهؤلاء الموظفين، وبذلك تَتَخلص من نفقات التشغيل والصيانة وغيرها من بنزين وخلافه، فضلاً عن مُتحصلات ضخمة من بيع تلك السيارات.

بحسب رئيس مجلس الوزراء، تقرر خصم 30% من مخصصات الوقود لكل السيارات الحكومية، مع التأكيد على استمرار أداء الخدمات العامة بكفاءة دون أي تأثير على المواطنين.

طالب الجرم بتفعيل آلية على العدادات التجارية، بمُضاعفة أسعار شرائح الكهرباء بعد الساعة التاسعة مساءً وحتى الصباح، وتَرك الأمور بدون أي قرارات إدارية، تتعلق بالغلق في المواعيد المُقررة.

خلال أول 24 ساعة من تطبيق القرار “السبت 28 مارس” تم تحرير (1055) مخالفة للمحلات والمنشآت التي لم تلتزم بقرار الغلق، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية حيال المخالفين، وعرضهم على النيابة العامة.

الاقتصاد قد يدفع الثمن

جمعية رجال الأعمال المصريين قالت، إن قرار غلق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم في التاسعة مساءً سيؤثر بشكل مباشر على معدلات الإشغال داخل المولات والكافيهات والأماكن التجارية، خاصة الأنشطة المرتبطة بالمطاعم والترفيه، لكنها قالت إن الحكم على آثارها على الاستثمار في مصر، يتطلب متابعة نتائج التطبيق خلال الفترة المقبلة.

وفقًا للجمعية، فإن الاستمرار في تطبيق القرار يؤثر على إيرادات بعض الأنشطة التجارية داخل المولات، والتي تعتمد بصورة رئيسية على تواجد العملاء، وبالتالي قد تؤدي إلى إغلاق بعضها، مشيرًا إلى إمكانية التوصل إلى حلول مرنة بين الملاك والمستأجرين لتقليل الخسائر وضمان استمرارية الأنشطة التي تسهم في تشغيل عدد كبير من العمالة.

يُحذر أحمد قطب، الخبير المالي، من إصابة الاقتصاد المصري بالركود؛ لأن قرارات الغلق؛ تؤدي إلى تخفيض ضخ الأموال بالنشاط الاقتصادي، وبالتالي، ستؤدي إلى هبوط حركة الاقتصاد بشكل عام، ما يقود لمرحلة ركود تضخمي، وهو من أخطر أنواع الأمراض الاقتصادية، والتي من علاماتها ارتفاع أسعار الدولار أمام الجنيه المصري، رغم انخفاض مبيعات الأجانب في الدين المصري.

مع بداية الحرب الأمريكيةـ الإسرائيلية على إيران، خرجت أموال ساخنة بقيمة ٦.٦ مليارات دولار، لكن مع ارتفاع الدولار أمام الجنيه عادت تلك الأموال لمصر مجددًا، ورغم ذلك فقد الجنيه نحو 7% من قيمته منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026.

مع بداية التطبيق، يشكو أصحاب المحال التجارية والمطاعم والمقاهي، ووصل التأثير حتى موزعي السينما الذين قالوا إن القرار سبب تراجع إيرادات شباك التذاكر في دور العرض السينمائية بنسبة تتراوح بين 40% و50%، مع توقف الحفلات المسائية.

يقول قطب إن قرارات غلق المحلات وتخفيف الأحمال هي بمثابة “مُسكنات”؛ لتوفير الطاقة، لكن أثرها الجانبي هو “ضَعف الدورة الدموية” في الاقتصاد المتمثلة في حركة البيع والشراء، فعندما يقفل المحل مبكراً؛ تقل السيولة التي تدور في السوق.

المحلات 8% من حجم استهلاك الكهرباء

لكن في المقابل، يقول الدكتور حافظ سلماوي، رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء السابق، إن الإجراءات التي تقوم بها الدولة حاليًا مؤقتة، مثل غلق المحلات الساعة 9 مساءً، وهي إجراءات استثنائية لمواجهة الأزمة، مشيرًا إلى أن المحلات تمثل 8% من استهلاك الكهرباء.

وأشار إلى أن إنارة الشوارع تمثل 3% من استهلاك الكهرباء، وأن الكهرباء تمثل 60% من استهلاك الغاز، موضحًا أن الدولة تدرس القطاعات التي يمكن تقليل استهلاك الكهرباء بها، وذلك كله تحت بند تقنين الكهرباء».