مستقبل مصر يتحول لجهاز مدني.. قراءة في الأهداف والعوائد الاقتصادية
تبنت الحكومة خطوة مفاجئة بتغيير وضعية “مستقبل مصر” من جهاز يتبع القوات الجوية إلى مؤسسة مدنية مع توسيع صلاحياته بما يخدم تحقيق مستهدفات الدولة التنموية والأمن الغذائي، وبما يسهل تنفيذ المشروعات التي يتولى إدارتها.
ووافقت اللجنة المشتركة من لجنتي الشؤون الدستورية والتشريعية وهيئات مكاتب 17 لجنة برلمانية بمجلس النواب، على مشروع القانون المقدم من الحكومة بشأن إصدار قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، لكن بعد إدخال مجموعة من التعديلات.
تضمنت التعديلات، التي أدخلها البرلمان تقليص الامتيازات التي تضمنها مشروع القانون الأصلي، بجانب منع تداخل صلاحياته مع الوزارات القائمة، فضلا عن وضع مواد واضحة بخصوص سلطة إدارته ووضعية العمالة، بدلًا من الإحالة إلى اللائحة الداخلية للجهاز التي يفترض إعدادها بعد إقرار القانون.
ما الذي تريده الدولة من تعديل وضعية الصندوق؟
مشروع القانون ينص على أن جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة جهاز قومي ذو طبيعة خاصة، يتمتع باستقلال مالي وفني وإداري، وله الشخصية الاعتبارية المستقلة، ويسهم في تحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقة والمشاركة في تنمية الاقتصاد القومي وضمان استدامة الثروة السيادية للدولة ومساعدة الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية.
وفقا لمشروع القانون، فإنه يرسخ مفهوم الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، انطلاًقا من أن التنمية المستدامة تقوم على تكامل الأدوار، بما يعزز الإنتاج وفرص العمل، ويدعم النمو الاقتصادي.
وتستهدف الدولة من التعديلات- وفقا لما طرحته- تنظيم وجود الدولة في النشاط الاقتصادي، بما يحقق التوازن بين تنفيذ المشروعات ذات الأولوية الوطنية وإتاحة مساحة أكبر للقطاع الخاص للمشاركة في التنمية والاستثمار، بجانب الربط بين التنمية الاقتصادية والأمن الغذائي والأمن المائي وأمن الطاقة، باعتبارها ركائز رئيسية لاستقرار الاقتصاد الوطني، وتعزيز قدرته على مواجهة الأزمات.
وينص مشروع القانون على إنشاء صندوق سيادي، باسم “أهرامات النيل” يتولى استثمار الأموال المخصصة داخل الدولة، وخارجها لتحقيق أعلى عائد ممكن عند مستوى مقبول من المخاطر وبأقل درجة ممكنة، ويجوز له إدارة أي أموال أو أصول مملوكة للدولة أو لأي من الكيانات والشركات المملوكة أو التابعة لها.
كما يسمح بإنشاء صندوق سيادي خدمي، تحت اسم “داعم”؛ بهدف مساعدة الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية عبر معاونة أجهزة الدولة في إقامة مشروعات خدمية واجتماعية، وتنموية في مجالات التعليم والبحوث والتطوير والصحة والثقافة والإسكان، من خلال توفير التمويل اللازم لإقامة تلك المشروعات.
تعديلات جديدة على مشروع القانون.. تعزيز الرقابة
اشتبكت لجان البرلمان مع النص الحكومي لمشروع قانون جهاز مستقبل مصر بالعديد من التعديلات المهمة، التي كان في مقدمتها العودة إلى القواعد العامة في الرقابة الكاملة للجهاز المركزي للمحاسبات على “مستقبل مصر”، وحذف نص كان يقصِر اختصاصه على إعداد تقارير سنوية بمؤشرات الأداء فقط.
نصت المادة 22 بمشروع القانون الأصلي المقدم من مجلس الوزراء، على أن يكون لكل من الجهاز والصندوقين الخدمي والسيادي موازنة مستقلة، يتبع في إعداداها واعتمادها وتنفيذها ومراقبة قواعدها، التي تحدد اللوائح الداخلية المعمول بها، وفقا للمعايير المصرية والدولية، وذلك كله دون التقيد بأي من القوانين والقواعد والنظم الحكومية.
وأفضت مناقشات مجلس النواب عن تحميل جهاز مستقبل مصر سداد حصته في اشتراكات التأمين الاجتماعي، بدلًا من تحميلها للخزانة العامة بها أسوة بباقي مؤسسات الدولة.
ونص مشروع القانون المقدم من مجلس الوزراء، قبل تعديله، على تولي الخزانة العامة تدبير الاعتمادات المالية اللازمة لسداد الحصة، التي يلتزم بها الجهاز كصاحب عمل في اشتراكات التأمين الاجتماعي، بما في ذلك المبلغ الإضافي المستحق عن التأخر في أدائها في المواعيد المقرر ونفقات إرسال الاشتراك وغيرها من المبالغ الأخرى المستحقة للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي.
كما ألغى مجلس النواب الإعفاء المطلق للجهاز من أية ضرائب، اتساقًا مع طبيعة الجهاز، باعتباره كيانًا؛ يستهدف في الأساس دعم الاقتصاد الوطني، وذلك بعدما كان مشروع القانون الأصلي المقدم من مجلس الوزراء ينص على تولي الخزانة العامة تدبير الاعتمادات المالية اللازمة لسداد الجهاز جميع مبالغ الضرائب والرسوم وغيرها من الفوائض المالية والأخرى، وما يرتبط بها من الضرائب الإضافية والغرامات ومقابل التأخير وغيرها.
إنشاء مناطق التنمية المستدامة.. استحداث سلطة برلمانية
أكدت تعديلات المجلس على وجوب عرض قرار إنشاء مناطق التنمية المستدامة على مجلس النواب في جلسة عامة، بما يحقق التوازن بين مباشرة الجهاز لاختصاصاته وتعزيز الشفافية وحوكمة الإجراءات وإضفاء المزيد من الضمانات على نطاق عمل الجهاز.
ونص مشروع القانون الأصلي، على أن يقوم مجلس إدارة الجهاز باعتماد المخطط العام التفصيلي لمنطقة التنمية المستدامة، متضمنا تحديد استعمالات الأراضي والعقارات داخلها وتقسيمها والاشتراطات التخطيطية والبنائية، بما يضمن توافر المستويات والمواصفات العالمية واعتماد الأنـظمة الخاصة لفئات الاشتراطات والمواصفات والقواعد والمعايير والإجراءات والمدد المطلوبة، التي يعمل بها في مناطق التنمية المستدامة دون التقيد بأحكام أي قانون آخر أو باشتراطات الحصول على موافقة أي جهة أخرى، واعتماد فئات الرسوم المعمول بها في مناطق التنمية المستدامة في الحدود المقررة في القوانين واللوائح المنظمة.
كما طالب المجلس، بأن يكون تنظيم الجزاءات المالية الإدارية، التي يوقعها الجهاز في حالات مخالفة شروط التراخيص والاشتراطات في القانون ذاته، بدلًا من الإحالة إلى اللائحة الداخلية للجهاز، على أن تؤول حصيلة هذه الجزاءات إلى الخزانة العامة، ثم يُخصص للجهاز ما يعادلها بصورة تلقائية، بما يضمن الفصل بين سلطة توقيع الجزاء والاستفادة من حصيلته.
تقليل التداخل القانوني مع الجهات الأخرى
اللجنة المشتركة من لجنتي الشؤون الدستورية والتشريعية وهيئات مكاتب 17 لجنة برلمانية، أدخلت تعديلاً مهما، يمنع تداخل سلطة الجهاز مع الأجهزة الحكومية القائمة، وذلك بعدما حذفت سلطة الجهاز في إصدار السندات وصكوك التمويل والأدوات المالية الأخرى، لمنع التداخل أو الازدواج في الاختصاصات مع الجهات المختلفة.
قبل التعديل، كان مشروع القانون ينص على أن من موارد الصندوق: حصيلة القروض، التي يعقدها وما يحصل عليه من تسهيلات ائتمانية محلية وخارجية وحصيلة إصدار السندات وصكوك التمويل، وغيرها من الأدوات المالية في حدود القواعد التي يقررها مجلس الإدارة.
وفي المادة الثانية من مواد الإصدار، أضافت اللجنة كلمة “ملكيتها” بعد عبارة “تعد الأراضي، التي آلت” حتى يكون حكم المادة مرتبطًا بالأراضي، التي آلت ملكيتها إلى “مستقبل مصر” قبل العمل بأحكام القانون، دون غيرها من الأراضي، التي كان ينتفع بها الجهاز سواء بموجب عقود انتفاع أو مذكرات تفاهم أو ما شابه، وذلك درءًا لأي مساس بالملكيات الخاصة بالأفراد أو الجهات، التي لم تنصرف إرادتها إلى نقل ملكية الأراضي التابعة لها لصالح الجهاز.
كما أكدت اللجنة، على أن الأموال العامة داخل مناطق التنمية المستدامة تكون للإدارة فقط، دون أن يملك التصرف فيها، كما أعادت صياغة المواد المنظمة لفرض الرسوم، وفقًا للمحددات الدستورية، وعلى الأخص وضع حد أقصى للرسوم، التي يجوز تحصيلها داخل مناطق التنمية المستدامة.
وينص مشروع القانون الأصلي على سلطة مجلس الإدارة في زيادة الرسوم، التي تُستَحق في منطقة التنمية المستدامة، بموجب القوانين المقررة لها في حدها الأدنى والأقصى أو كليهما بنسبة لا تزيد عن 5% سنويا، أو من خلال آلية ترتبط بزيادة معدل التضخم المعلن من الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء وذلك بنسبة لا تزيد على نسبة الزيادة في معدل التضخم السنوي أو في حدود 5% سنويًا أيهما أقل.
كما أكدت تعديلات مجلس النواب على تنظيم الأحكام الخاصة بمكاتب الاعتماد في القانون ذاته، بدلًا من الإحالة إلى اللائحة الداخلية للجهاز، كضمانة دستورية وبما يضمن وضوح المراكز القانونية للمخاطبين بالقانون، ووضع تنظيم متكامل للعاملين بالإدارات القانونية بالجهاز والصندوقين، بدلًا من الإحالة إلى اللائحة الداخلية للجهاز، التزامًا بالمحددات الدستورية.
هل الجهاز بديل لأجهزة بالدولة؟
مع طرح مشروع القانون، أثير جدل حول إمكانية أن يكون الجهاز بديلاً لجهات حكومية قائمة كوزارتي الزراعة والتموين، وهو ما نفاه الدكتور محمد فؤاد، عضو مجلس النواب، الذي قال إن مشروع قانون جهاز مستقبل مصر؛ يهدف إلى تنظيم أدوار الجهاز الثلاثة: الدور الاستراتيجي في تأمين السلع، ودور منصة التمكين عبر استصلاح الأراضي، ودور مستثمر المحفظة في استغلال أصول الدولة.
أضاف فؤاد، أن الجهاز كان منشأ بقرار جمهوري، دون قانون ينظم دخله وضوابط تشغيله، ومشروع القانون الحالي جاء لتقنين هذا الوضع وتوفير الشفافية، بتقسيم عمل الجهاز لثلاثة مكونات رئيسية: مناطق التنمية المستدامة (مثل الدلتا الجديدة)، وصندوق سيادي لإدارة الأصول غير المستغلة، وصندوق خدمي لإدارة المشروعات الخدمية والمجمعات الاستهلاكية، بما يجمع بين قانون الاستثمار وقانون الصندوق السيادي.
وأكد الدكتور محمد فؤاد، على أن الجهاز لن يحل محل وزارتي التموين والزراعة، بل سيكمل دورهما في تأمين السلع واستصلاح الأراضي، مع تنظيم العلاقة بينهما وبين الجهاز بشكل قانوني وواضح، ما يضمن عدم تداخل الاختصاصات.
وشدد على أن القانون يمنح الجهاز نطاق اختصاص أوسع، يشمل العديد من المشروعات، وليس فقط المجال الزراعي، مع وجود حوكمة واضحة تحدد أدوار الجهاز وعلاقته بالجهات الأخرى، وتضمن تحقيق أقصى استفادة من أصول الدولة لصالح الاقتصاد الوطني.
علاء فاروق وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، أكد على الفكرة ذاتها، مضيفًا أن الإنجاز الذي يحققه جهاز مستقبل مصر في مجال استصلاح الأراضي، يفوق ما تستطيع الوزارة تنفيذه بإمكاناتها الحالية، وقال فاروق في تصريحات تلفزيونية، إن ملف الأمن الغذائي في مصر يقوم على تكامل أدوار عدد من الجهات، وليس جهة واحدة فقط، موضحا أنه يرتبط بجهات وزارتي التموين والزراعة وجهاز مستقبل مصر، والتعاون والتنسيق بينها يمثل الركيزة الأساسية لتحقيق الاكتفاء الغذائي ودعم خطط الدولة في التوسع الزراعي وزيادة الإنتاج.
مستقبل مصر.. مشروعات متنوعة
جهاز مستقبل مصر أكد أن مشروع القانون مر بجميع مراحله الدستورية والتشريعية داخل مجلس النواب، وشهد مناقشات موسعة، اتسمت بالشفافية والجدية، شاركت فيها الحكومة واللجان البرلمانية ومختلف القوى السياسية، وانتهت إلى إدخال عدد من التعديلات، التي عكست ما دار من نقاشات ورؤى، وصولًا للصياغة التي حظيت بتوافق واسع.
أضاف الجهاز على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، أن جميع الملاحظات، التي أُثيرت خلال المناقشات البرلمانية، حظيت بالدراسة والاستيعاب الكامل، وأن الصيغة التي جرى التوافق عليها جاءت ثمرة حوار مؤسسي مسؤول، عكس توافقًا واسعًا بين مختلف الاتجاهات السياسية، بما يحقق التوازن بين مستهدفات التنمية ومتطلبات الحوكمة وسيادة القانون.
تتضمن حزمة مشروعات جهاز مستقبل مصر حاليًا مشروعات شديدة الضخامة، مثل مشروع استصلاح 4.5 ملايين فدان، و12 مجزرا للدواجن، و1500 منفذ تحت مسمى “سوبر توفير” لتجارة السلع، ومجمع صوامع بطاقة تخزينية 500 ألف طن، بما يدعم كفاءة تخزين الحبوب وتقليل الفاقد وتعزيز جاهزية منظومة الإمداد والتخزين.
كما تتضمن مركز سفنكس لتجارة المحاصيل بطاقة تداول وتخزين 20 مليون طن، ومزارع ضخمة للإنتاج الحيواني بطاقة انتاجية مستهدفة تصل لـ 180 ألف رأس؛ لتوفير احتياجات المواطنين من اللحوم والألبان، كما يشارك الجهاز بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم وأكاديمية itsagro الإيطالية في إنشاء 26 مدرسة مصرية إيطالية للتكنولوجيا التطبيقية الزراعية، فضلاً عن مشروعات الطاقة الشمسية، التي يضطلع بها الجهاز بقدة 2320 ميجا وات، وهي المشروعات التي يقوم بها الجهاز لدعم منظومة التنمية المستدامة.






