لم تعد الكتابة عن مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية مجرد رصد لوقائع حدث ثقافي، بل أصبحت أقرب إلى قراءة في الأثر، أثرٍ يتجاوز العروض والفعاليات، ليطال موقع مصر داخل الفضاء الإفريقي، ودور السينما كأداة لإعادة تشكيل هذا الموقع. فالمهرجان، تقيمه جمعية شباب الفنانين المنتمية إلى المجتمع المدني المصري، بقدرة وأداء لافتين للانتباه، يستحقان التقدير. والمهرجان أيضا الذي احتضنته مدينة الأقصر، لم ينتهِ بانتهاء عروضه، بل بدأ فعليا في إنتاج معناه بعد ذلك في النقاشات التي أثارها، وفي الشبكات التي نسجها، وفي الصورة التي أعاد ترسيخها عن إفريقيا داخل الوعي المصري.
إذا عدنا إلى لحظة الافتتاح، التي جرت في حضرة التاريخ داخل معبد الأقصر، فإنها تؤكد كل عام فعلا رمزيا، يعيد ربط السينما الإفريقية بجذورها الحضارية، ويضعها في مواجهة مباشرة مع أحد أقدم أشكال السرد البصري في التاريخ الإنساني، في تلك الليلة، لم تكن الكاميرات توثق حدثا، بل كانت تعيد إنتاج معنى الانتماء ذاته: مصر بوصفها جزءا من إفريقيا، لا مجرد وسيط بينها وبين العالم.
على المستوى الفني، يمكن القول إن الدورة الخامسة عشرة للمهرجان عكست نضجا ملحوظا في اختياراتها، فبداية من حفل الافتتاح الذي جاء متميزا بإبداع الموسيقار هيثم الخميسي، في إبراز المحتفي بهما في هذه الدورة، وهما المخرجان يوسف شاهين وداود عبد السيد، فإن الأفلام لم تعد تُختار فقط لتمثيل جغرافي، بل لطرح أسئلة جمالية وفكرية أكثر تعقيدا. هنا، يمكن رصد حضور واضح لتجارب إفريقية تسعى إلى كسر القوالب التقليدية للسرد، سواء عبر المزج بين الوثائقي والروائي، أو عبر استخدام تقنيات بصرية جديدة. هذا التطور يعكس تحولا أوسع في السينما الإفريقية، التي لم تعد منشغلة فقط بإثبات وجودها، بل بتجديد لغتها.
غير أن ما يكشفه مرور الوقت هو أن قوة الافتتاح لم تكن فقط في صورته، بل فيما تلاه. فقد أظهرت فعاليات الأيام التالية من عروض وندوات وورش، أن المهرجان لم يعد مجرد منصة عرض، بل تحول إلى فضاء حقيقي لتبادل الخبرات وإعادة تعريف أولويات السينما الإفريقية. هنا، برزت موضوعات بعينها بشكل لافت: الهجرة، التغير المناخي، ما بعد الصراعات، وإعادة بناء الدولة الوطنية.
هذه ليست مجرد تيمات فنية، بل انعكاسات مباشرة لتحولات تعيشها القارة، وهو ما يمنح المهرجان بعدا يتجاوز الفن إلى السياسة بمعناها الواسع.
في هذا السياق، تبدو أهمية المهرجان أكثر وضوحا في كونه أداة للتموضع الإفريقي لمصر. فالدولة التي تسعى إلى تعزيز حضورها في القارة عبر مشروعات اقتصادية واستثمارية، تحتاج بالضرورة إلى ظهير ثقافي، يواكب هذا الحضور، ويمنحه عمقا إنسانيا. وهنا يأتي دور المهرجان: ليس كحدث مواز، بل كجزء من منظومة متكاملة للقوة الناعمة. فحين يجتمع صناع السينما من السودان وكوت ديفوار وتونس ونيجيريا والسنغال وكينيا والمغرب في مدينة مصرية هي الأقصر، ويتحاورون حول قضايا مشتركة، فإن ما يحدث يتجاوز الفن إلى بناء شبكات ثقة، وهي العملة الأكثر ندرة في العلاقات المعاصرة.
اللافت، أن هذا الدور لم يعد يُقرأ فقط من داخل مصر، بل بدأ يحظى باهتمام نقدي في دوائر إفريقية وعربية أوسع. ففي بلد ما يفوق الخمسين مهرجان سينمائي، وهي المغرب قال موقع هسبريس، إن مهرجان الأقصر بات يمثل “واحدا من أهم المنصات التي تمنح السينما الإفريقية فضاء للتداول خارج هيمنة المهرجانات الأوروبية”، مع الإشارة إلى خصوصيته في الانفتاح على الجمهور المحلي، وليس الاكتفاء بالنخبة. هذه الملاحظة تحديدا تعكس إدراكا متزايدا، بأن قوة المهرجان لا تكمن فقط في برامجه، بل في طبيعته المفتوحة، التي تدمج بين الاحتفالي والشعبي.
ومن زاوية تونسية، تم اعتبار مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية نموذجا للتكامل الثقافي الإفريقي، يعكس تحوّلا في خريطة التفاعل السينمائي، حيث لم تعد العواصم الأوروبية هي الوسيط الوحيد بين هذه التجارب. هذا الطرح يفتح بابا مهمًا للنقاش: هل يمكن أن يصبح مهرجان الأقصر أحد مراكز الثقل الجديدة في توزيع وعرض السينما الإفريقية؟
الإجابة، وإن بدت طموحة، ليست بعيدة عن الواقع. فالمهرجان، عبر دوراته المتعاقبة، نجح في كسر أحد أهم حواجز السينما الإفريقية وهي العزلة، الأفلام التي كانت تعرض في نطاقات ضيقة، وجدت في الأقصر وأحيانا في القاهرة جمهورا ونقادا ومنتجين. غير أن التحدي يكمن في تحويل هذا الحضور المؤقت إلى بنية دائمة. بمعنى آخر، كيف يمكن للمهرجان أن ينتقل من كونه حدثا سنويا إلى كونه مؤسسة؟ هذا يتطلب، بالضرورة، تطوير آليات موازية، منها منصات توزيع رقمية، وصناديق دعم للإنتاج المشترك، وبرامج تدريب مستمرة على مدار العام، وهو ما يتطلب في تقديرنا ليس فقط دعما من وزارتي الثقافة والسياحة، كما يجري حاليا، ولكن أيضا دعما شاملا من الحكومة وقطاع الأعمال الخاص على نحو أكبر.
المهم، أنه ما يظل راسخا هو صورة المهرجان كفضاء حيّ، يتقاطع فيه المصري المحلي بالقاري الإفريقي. في شوارع الأقصر، حيث كان الجمهور يتابع العروض في أماكن مفتوحة، فيمكن قراءة جانب من هذه التجربة، أن السينما هنا ليست نشاطًا نخبويا، بل جزءا من الحياة اليومية، هو ما يمنح المهرجان فرادته.
في المحصلة، تبدو الدورة الخامسة عشرة من مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، كأنها نجحت في تحقيق معادلة صعبة: الجمع بين الاحتفاء الفني والدور الاستراتيجي. فهي من ناحية قدمت برنامجا سينمائيا متنوعا، يعكس حيوية القارة، ومن ناحية أخرى عززت موقع مصر كفاعل ثقافي في إفريقيا. وبين هذين البعدين، يظل التحدي قائما: كيف يمكن البناء على هذا النجاح لتحويله إلى مشروع مستدام، يعيد رسم خريطة السينما الإفريقية من داخل القارة، لا من خارجها.
ربما لا يملك القائمون على المهرجان، وهما عزة الحسيني وسيد فؤاد وحدهما الإجابة، لكن على الأقل يُطرح السؤال في اللحظة المناسبة، وذلك في ضوء الأثر التراكمي للمهرجان عبر خمسة عشر عاما، فهو لا يظهر فقط كمحطة سنوية، بل كمسارٍ متدرج لإعادة تشكيل الوعي السينمائي الإفريقي، وإعادة إدماج مصر داخل هذا الوعي بوصفها فاعلا لا متلقيا. لقد أسهم المهرجان في كسر عزلة العديد من التجارب السينمائية، وفتح لها نوافذ على جمهور جديد، وفي الوقت ذاته، أعاد تعريف العلاقة بين المركز والهامش داخل القارة، فيمكن القول إن الأقصر لم تكن مجرد مدينة تستضيف المهرجان، بل تحولت إلى شخصيةٍ فيه، مدينةٍ تُنصت إلى حكايات القارة، وتعيد روايتها بضوءٍ أكثر دفئا، وبصوتٍ أكثر قربا من نبضها. وبين معابدها التي شهدت البدايات الأولى للحكي، وشاشاتها التي تحتضن حكايات الحاضر، يتشكل خيط خفي، يربط الماضي بالمستقبل، ويمنح السينما الإفريقية فرصة نادرة، أن ترى نفسها، وأن تُرى من داخلها لا من عيون الآخرين.
إن النجاح المستمر لمهرجان الأقصر يستدعي أيضا مزيدا من الاهتمام والدعم من الجهات الحكومية وغير الحكومية، وعلى رأسها المنظمات المصرية ورجال الأعمال بتقديم المزيد من الدعم اللوجستي والمالي، بما يتيح وجود صناع الأفلام، ذلك أنه من الضروري ومن المطلوب بإلحاح، أن يتم توسيع دائرة الدعوات لتشمل حضورا إفريقيا أكبر وأوسع وممثلين من صناعة السينما الدولية، حتى يتسنى للسينما الإفريقية الوصول إلى صناع السينما العالميين على أرض إفريقية، وهي مصر وليس في أوروبا أو أمريكا..
إجمالا، يعكس مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية التوجه الجاد لمصر نحو ترسيخ مكانتها الإفريقية، ذلك أن الثقافة والفن هما جسران يربطان بين الشعوب، ويساهمان في فهم أعمق والاحتفاء بالاختلافات كطاقات إبداعية، تقوم بفعل التقارب بين الثقافات.






