أثار حكم محكمة النقض المصرية في الطعن رقم 39 لسنة 94 قضائية/ أحوال شخصية العديد من أوجه النظر المتباينة، حيث قضت بإلغاء الحكم الصادر بإثبات زواج زوجين من البهائيين، وذلك بناء على طعن مقدم من الحكومة على حكم محكمة استئناف القاهرة والقاضي بسقوط الحق في الاستئناف، وقد فرقت محكمة النقض في حكمها بين حرية العقيدة والآثار القانونية المترتبة عليها، معتبرة أن البهائية تتضمن المساس بالنظم المستقرة في الدولة، وبالتالي لا يجوز قيدها لا في مستندات الأحوال المدنية ولا أية مستندات رسمية، وتستند محكمة النقض في أحكامها برفض إثبات زواج البهائيين إلى فكرة “النظام العام”. العقيدة البهائية لا تُصنف ضمن الأديان السماوية الثلاثة المعترف بها في السياق التشريعي المصري (الإسلام، المسيحية، اليهودية). بالتالي، ترى المحكمة أن الاعتراف بعقود زواج خارج هذه الأطر يُعد مخالفاً للنظام العام والشريعة الإسلامية التي تُعتبر المصدر الرئيسي للتشريع، وفقاً للمادة الثانية من الدستور.
ففي لحظة تتقاطع فيها الحرية الدينية مع النظام القانوني، يبرز سؤال، يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه شديد التعقيد في جوهره، هل يكفي أن يعتقد الإنسان بما يشاء، أم أن هذا الاعتقاد يجب أن يجد طريقه إلى الاعتراف القانوني، عندما يتحول إلى حياة اجتماعية كالزواج؟
هذه الإشكالية تتجلى بوضوح في الحالة البهائية، وفي حكم محكمة النقض المصرية الذي رفض توثيق زواج بين بهائيين، لتعود من جديد الأسئلة القديمة حول حدود الحرية الدينية، وحدود الدولة في الاعتراف بها. إذ ينص الدستور المصري، على أن حرية الاعتقاد مطلقة، وهو نص يبدو قاطعًا، لا يحتمل التأويل، فالإنسان من حيث المبدأ حر في أن يؤمن أو لا يؤمن، وأن يعتنق ما يشاء من أفكار أو ديانات، لكن هذه “الحرية المطلقة” تبدأ في التراجع، عندما ننتقل من الداخل إلى الخارج، من الضمير إلى الفعل، ومن الإيمان إلى الأثر القانوني، إذ تثير العلاقة بين حرية الاعتقاد والآثار القانونية المترتبة عليها—خاصة في نطاق الأحوال الشخصية إشكالية مركبة في النظام القانوني المصري، تتداخل فيها النصوص الدستورية مع التفسير القضائي ومفهوم النظام العام، وتتجلى هذه الإشكالية بصورة واضحة في مسألة توثيق الزواج في ظل معتقدات دينية غير معترف بها رسميًا، وعلى رأسها الديانة البهائية، بما يطرح تساؤلات حول حدود حرية الاعتقاد، ومدى امتدادها إلى الحقوق المدنية، وعلى الأخص الحق في الزواج.
ولم تكن هذه هي السابقة الأولى للصراع القانوني والقضائي مع البهائيين، فقد سبق وأن قضت المحكمة الإدارية العليا، في الطعن رقم 12717 لسنة 52 قضائية عليا (جلسة 16/ 12/ 2006)، بجواز إثبات علامة (-) في خانة الديانة، إذا كان الشخص لا ينتمي إلى ديانة معترف بها. كما سبق ذلك أيضًا أن قضت محكمة القضاء الإداري، بأن البهائية ليست من الديانات السماوية المعترف بها، ولا يترتب عليها آثار في نطاق الأحوال الشخصية.
إذن تبدو القضية أكثر تعقيدًا، إذا ما عمقنا التفكير والقول، ما بين إتاحة حرية الاعتقاد المؤَمنة دستوريًا، بنص المادة 64 من الدستور الحالي، وبين اعتبار البهائية، بحسب كونها ليست من بين الأديان السماوية الثلاثة المعترف بها، وبين اعتبار أن الشريعة الإسلامية هي مصدر رئيسي للتشريع، فهل مفهوم ذلك أن للبهائيين أن يمارسوا شعيرتهم، ولكن لا يخل ذلك بمضمون النظام العام، وما يقتضيه من التزام احترام الأديان السماوية الثلاثة، واحترام الشريعة الإسلامية، بحسب أهم مصدر من مصادر التشريع، وهذا ما يتماشى مع ما أكدته المحكمة الدستورية العليا في حكمها رقم 18 لسنة 17 دستورية، والذي أرست فيه مبادئ مرتبطة بما نحن بصدده من خلاف، حيث أكدت على أنه لا يجوز لنص تشريعي، أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعاً؛ لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبدأها الكلي وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً. ومن غير المتصور بالتالي أن يتغير مفهومها تبعاً لتغير الزمان والمكان، إذ هي عصية على التعديل ولا يجوز الخروج عليها أو الالتواء بها عن معناها وتنصب ولاية المحكمة الدستورية العليا في شأنها على مراقبة التقيد بها، وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها، ذلك أن المادة الثانية من الدستور تقدم على هذه القواعد أحكام الشريعة الاسلامية في أصولها ومبادئها الكلية، إذ هي إطارها العام، وركائزها الأصيلة التي تفرض متطلباتها دوماً، بما يحول دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها، وإلا اعتبر ذلك تشهيا وإنكاراً لما علم من الدين بالضرورة ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلاتها أو بهما معاً، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها ولا تمتد لسواها وهي بطبيعتها منظورة تتغير بتغير الزمان المكان لضمان مرونتها وحيويتها ولمواجهة النوازل على اختلافها تنظيماً لشؤون العباد، بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً، ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة، على أن يكون الاجتهاد دوماً واقعاً في إطار الأصول الكلية للشريعة، بما لا يجاوزها ملتزماً ضوابطها الثابتة متحرياً مناهج الاستدلال على الأحكام العملة، والقواعد الضابطة لفروعها كافلاً صون المقاصد العامة للشريعة، بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
ويبقى التساؤل الأهم في ظل كل هذه التقاطعات الفكرية، والذي ينطلق من بقاء البهائيين كمواطنين مصريين لهم حقوق المواطنة، ولا يجب أن تنالهم الأضرار من جراء معتقداتهم، حتى ولو كانت لا تتوافق مع ما يرتضيه المجموع، حيث يرى البعض أن عدم إثبات الزواج يترتب عليه ضياع حقوق مدنية جوهرية (الميراث، نسب الأطفال، استخراج الأوراق الرسمية)، وهو ما يعتبره البعض “عقاباً مدنياً” بسبب المعتقد، وهو ما يصطدم بمبدأ المواطنة والمساواة المنصوص عليه في المادة 53 من الدستور المصري.
ولكن لا يبدو الأمر بهذه السهولة، إذ لا يمكن قبول هذا الفهم على إطلاقه، بغض النظر عن مفهوم الأديان السماوية الرسمي، وكذلك، ما جاء عليه الدستور من اعتبار أن الدين الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع، فهل يضيع حق هذه الفئة البهائية ما بين ذلك وذاك، أم أن الأمر يحتاج إلى محاولة إيجاد طريقة تتوافق مع الأحكام الأساسية للشريعة الإسلامية، ومع المفهوم العصري للدستور المصري، وعلى ما يمكن أن تنطق به الأحكام الفقهية، ولن يكون ذلك إلا من خلال حوار مجتمعي فقهي علمي مدروس ومقنن من أصحاب الهامات الفكرية والفقهية والدستورية في هذا الصدد، على أن نضع في الاعتبار قول ربنا جل في علاه في سورة المائدة (الآية 105) يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون. صدق الله العظيم.






