تشهد الساحة السياسية في السودان خلال الآونة الأخيرة حالة من الحراك الدبلوماسي الكثيف المتداخل مع هدوء ميداني نسبي، في لحظة لا تعكس اقتراباً من تسوية بقدر ما تكشف عن مرحلة إعادة تموضع شاملة ومعقدة. فالضغوط لإعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري لم تعد كامنة، بل خرجت إلى العلن متزامنة مع تحركات إقليمية ودولية مكثفة، ما خلق بيئة شديدة السيولة والغموض، تشير إلى تقلبات حادة محتملة في موازين القوى والتحالفات، حيث يتحرك كل فاعل، وهو يدرك أن ما يُرسم الآن لن يحدد فقط نهاية الحرب، بل شكل الدولة نفسها.
في قلب هذا المشهد، تتحرك القيادات العسكرية والدبلوماسية ضمن سباق لإعادة تشكيل المرحلة المقبلة دون كسر المعادلة العسكرية القائمة. تحركات الفريق عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني بين السعودية وسلطنة عُمان جاءت في إطار محاولة مزدوجة؛ لتثبيت موقعه داخل الترتيبات الإقليمية من جهة، وامتصاص الضغوط المتزايدة نحو وقف إطلاق النار من جهة أخرى. الرياض عادت لتمثل مركز ضغط لإعادة إطلاق مسار تهدئة، بينما توفر مسقط قناة أقل صخباً لاختبار الرسائل غير المعلنة وإدارة التفاهمات الخلفية بعيداً عن الإعلام. هذا التدرج بين القنوات يعكس أن العملية التفاوضية لم تنضج بعد، وأن شروط وقف القتال وشكل التسوية لا تزال موضع صراع مفتوح.
بالتوازي، يتحرك مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية ضمن مقاربة أمريكية، تقوم على الدفع نحو هدنة إنسانية كمدخل أولي، عبر تنسيق مع مصر والسعودية. هذه المقاربة تعكس انتقالاً من السعي إلى حل سياسي شامل إلى إدارة الأزمة عبر تجميد القتال أولاً، غير أنها تصطدم بواقع ميداني، لا يُظهر استعداداً حقيقياً لدى الأطراف العسكرية لتقديم تنازلات قبل إعادة ترتيب ميزان القوة.
غير أن التعقيد الحقيقي يتكشف داخل بنية المعسكرات نفسها. فداخل معسكر الفريق عبد الفتاح البرهان لا توجد كتلة صلبة موحدة، بل شبكة قوى متداخلة تضم الجيش النظامي، الحركات المسلحة، التيار الإسلامي، وشبكات مصالح اقتصادية وأمنية. تصاعد التوتر مع التيار الإسلامي لم يعد خلافاً سياسياً فقط، بل صراعاً على تعريف الدولة واتجاهها. هذا الانقسام الداخلي يجعل القرار السياسي والعسكري محكوماً بتوازنات دقيقة وغير مستقرة.
وفي هذا الإطار، تبرز إعادة التموضع داخل إطار الكتلة الديمقراطية، وهو تحالف سياسي مستمد قوته من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، وعلى رأسها حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، وكلاهما يشغل مواقع داخل الحكومة السودانية. خلال إبريل شهدت الحكومة إعفاءات وإقالات لعدد من المنتمين لهذا المسار، وهو ما اعتبره محللون محاولة لإعادة ضبط أو تقليص نفوذ هذه القوى داخل بنية السلطة الانتقالية. هذه التطورات لا تُفهم كإجراءات إدارية معزولة، بل كجزء من إعادة هندسة موازين السلطة قبيل أي ترتيبات دستورية محتملة، تتعلق بمستقبل مجلس السيادة الانتقالي، ما يرفع منسوب التوتر الداخلي، ويجعل أي تغيير في التمثيل السياسي قابلاً لإشعال أزمة أوسع.
بالتوازي مع ذلك، يظهر على الأرض تحالف ميداني بين قائدين منشقين عن قوات الدعم السريع هما: النور قبة وأبو عاقلة كيكل، وهو تحالف يُقرأ ككتلة وظيفية؛ تهدف إلى إعادة التموضع داخل ساحة القتال، ويُنظر إليه في بعض التحليلات كعامل محتمل لموازنة نفوذ التيار الإسلامي داخل معسكر الجيش، إذا تطورت التوترات إلى مواجهة داخلية. لكنه يظل تحالفاً هشاً قائماً على ضرورات ميدانية أكثر من كونه بنية سياسية مستقرة.
في الجهة الأخرى، لا تبدو قوات الدعم السريع كياناً متجانساً بالكامل، بل منظومة معقدة تمتد داخلها شبكات قبلية واقتصادية عابرة للحدود، ما يجعلها بدورها خاضعة لتوازنات داخلية دقيقة. تحركات قائدها محمد حمدان دقلو، بما في ذلك لقاءاته الإقليمية مثل اجتماعه مع الرئيس الكيني ويليام روتو، تعكس سعياً لتثبيت موقعه في أي ترتيبات مستقبلية ومنع إعادة صياغة المشهد دون مشاركته.
المشهد الإقليمي يضيف طبقة أخرى من التعقيد، حيث تتقاطع أدوار مصر والسعودية والولايات المتحدة في محاولة إنتاج إطار تهدئة، بينما يظل تأثير الإمارات العربية المتحدة عاملاً محورياً في توازن الصراع. وفي هذا السياق، تبدو مقاربات أبوظبي متقاربة بدرجة لافتة مع التوجهات الأمريكية، ضمن نمط تنسيقي متعدد الأبعاد، يعكس وجود اصطفاف عملي في الأولويات العامة لإدارة الأزمة السودانية، خصوصاً فيما يتعلق بمنع الانهيار، وضبط مسارات التصعيد، والحفاظ على الحد الأدنى من استقرار الإقليم.
في الخلفية، يستمر الاتحاد الأوروبي في لعب دور داعم للمدنيين عبر الضغط السياسي الناعم، لكنه يظل محدود التأثير مقارنة بالفاعلين الإقليميين الأكثر حضوراً على الأرض. وفي الوقت ذاته، تتواصل محاولات إعادة تشكيل المشهد المدني عبر قنوات إقليمية، لكنها تصطدم بضعف البنية السياسية المدنية وتشتتها.
على مستوى أعمق، لا تُدار الحرب فقط بالسلاح، بل أيضاً بالمعلومات والسرديات. كل طرف يسعى لفرض روايته عن الشرعية والانتصار، ما يجعل التراجع السياسي مكلفاً أمام قواعده، ويحد من القدرة على تقديم تنازلات حقيقية. كما أن تعدد مراكز القيادة والسيطرة يعني أن أي اتفاق قد لا يُنفذ بالكامل على الأرض، ما يفسر هشاشة محاولات التهدئة السابقة.
الخلاصة، أن ما جرى في الشهر الأخير هو إعادة ضبط قسرية لمعادلات الصراع، حيث تتداخل الضغوط الدولية مع الانقسامات الداخلية والتحركات الإقليمية والسرديات المتنافسة وإعادة توزيع النفوذ داخل الدولة. غير أن هذا التوازن لا يزال غير مكتمل، معلّقاً بين تهدئة هشة تُدار من الخارج، أو انفجار جديد تدفع إليه صراعات الداخل، وفي ظل غياب توافق حقيقي، تبقى كل الاحتمالات مفتوحة على عودة التصعيد في أي لحظة.






