بأثر غير مباشر، تماست الحرب الإيرانية- الأمريكية مع ضغوط ثلاثية الأبعاد (اقتصادية، واجتماعية، ونفسية)، تعرض لها المواطن المصري في الفترة الماضية، بدت كما لو أنها على الترتيب شكلت معادلة لها مقدمات ونتائج.

ومع تصنيف علماء الاجتماع لما جرى في بعض محافظات مصر في الشهر الأخير، وما سبقه من حالات “انتحار“، على أنها حالات فردية، لا ترتقي لمستوى الظاهرة، إلا أنها على فرديتها لا يمكن أن تمضي بمعزل عن عوامل اجتماعية، ونفسية مسببة لها.

بلا رصد مباشر لأثر الحرب الدائرة إقليميًا منذ ما يزيد عن ثلاثة أشهر، فإن ارتفاع الأسعار يطفو على سطح الآثار الجانبية عالميًا، بجانب ما خلفته من بطالة، وضيق معيشي، وكلاهما يدفع إلى مضاعفة الاكتئاب، وما يتبعه من ضغوط تراكمية، قد تدفع إلى ما يمكن تسميته بحالة “إحباط عام”.

وقبيل انتصاف شهر إبريل، دوى ارتطام السيدة “بسنت سليمان”- المقيمة بمنطقة سموحة، بمحافظة الإسكندرية، وهي تسقط من الطابق الثالث عشر “بإرادتها”، بعد أن أعلنت عبر مقطع فيديو بث مباشر جانبًا من معاناتها النفسية، والاقتصادية، والاجتماعية على خلفية مسئوليتها في الإنفاق على ابنتيها “تالين، وإيلان”.

بمحاذاة واقعة “بسنت سليمان”، وما خلفته من جدل مجتمعي، اقترنت وما سبقتها من حوادث بتساؤلات حول مسبباتها، وتموضع الحالة الاقتصادية، وما تنتجه من “إحباط” في صدارة تحليلات رواد وسائل التواصل الاجتماعي عبر منصاتها المختلفة.

“الرخاوي”: الظروف الشخصية

غير أن الخبير النفسي الدكتور محمد الرخاوي يشير إلى خطورة تداول النقاش بشأن هذه الأحداث، بمعزل عن دراسة نفسية/ اجتماعية متأنية، لافتًا إلى أن كل حالة مرتبطة من الحالات المشار إليها، بما فيها “واقعة بسنت سليمان” مرتبطة بظروفها الشخصية.

الدكتور محمد الرخاوي
الدكتور محمد الرخاوي الحبير النفسي

ومنذ مطلع إبريل، وقعت حادثتان مؤثرتان، الأولى لـ”مسن” أنهى حياته أمام مركز طبي بمحافظة دمياط، على خلفية تأخر صدور تقريره الطبي، والأخرى لشاب يعمل سائقًا عبر تطبيقات النقل الذكية، وأنهى حياته على أحد جسور القاهرة متأثرًا بتدهور حالته النفسية منذ وفاة والديه عام 2010.

ورغم أن واقعة “بسنت سليمان” حظيت بالنصيب الأوفر من التعاطف المجتمعي، إلا أن الخبير الاجتماعي الدكتور عبد الحميد زايد– أستاذ علم الاجتماع– جامعة الفيوم- مع إشارته إلى مسببات كثيرة للانتحار بعيدًا عن الضغوط الاجتماعية، والإحباط، يقول: إن أي متخصص في العلوم الاجتماعية يمكنه أن يدلو بدلوه، لكن لا أحد يملك الحقيقة.

د.عبد الحميد زايد: لعب “دور الضحية” يضاعف الضغوط

الدكتور عبد الحميد زايد
الدكتور عبد الحميد زايد أستاذ علم الاجتماع

رافضًا تفسير تكرار حالات الانتحار في الفترة الماضية، على أنها حالة “إحباط عام”، يضيف “زايد”: لدينا جملة من الموضوعات قد تكون أسباب متعددة، وظروف متشابكة، معرجًا على أن التسليم بوجود إحباط؛ نتيجة ضغوط اقتصادية واجتماعية، يذكر بظروف مشابهة، مرت على المجتمع المصري، دون انتشار لوقائع الانتحار.

ولا توجد إحصائيات واضحة عن حالات الانتحار في مصر، غير أن منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن مصر لا تعد من الدول ذات المعدلات المرتفعة عالميًا. وطبقًا لبيان “مركز معلومات مجلس الوزراء”، فإن مركز الإحصاء وثق في العام “2017” 69 حالة انتحار فقط، كما أن البنك الدولي وضع مصر في المرتبة 150 عالمياً من بين 183 دولة.

وعطفًا على فرضية أستاذ علم الاجتماع، فإنه يشير إلى تحول شديد في القيم المحورية للمجتمع، مؤكدًا أن هذه القيم تحدد سلوك الفرد، وتوجهاته، ومن هنا– على حد تعبيره- يتبين بوضوح تغلب القيم المادية على القيمة الاجتماعية، والتعصب على الوسطية والتسامح، و”الفهلوة” على العلم، بما تسبب في غياب حالة الضبط النفسي داخل المجتمع.

أستاذ علم الاجتماع الذي يرى أن وسائل التواصل الاجتماعي قلصت دور الأسرة، وأتاحت حالة من السيولة المجتمعية يقول: إن ثمة فوضى حالية في تحليل الظواهر، عكست هذه الفوضى خللًا في مفهوم “الظاهرة”، وأحدثت خروجًا عن النظام العام.

ومن منطلق علمي– على حد تصريحاته- يحذر من تصوير الضحايا، على أنهم أنبياء، لافتًا إلى أن المبالغة في لعب دور الضحية يضاعف الضغوط، محملًا الدراما المصرية جانبًا مما يسميه شذوذ الفكر المجتمعي الحالي في التعامل مع الضغوط، وعواقبها.

ويستطرد قائلًا: “لا يمكن الآن التقليل من أهمية العلوم الاجتماعية، فإن المجتمع يظل بحاجة إلى العلم، حتى ولو لم يكن مهنة”.

د. أيمن عامر: لدينا “اكتئاب قومي”

الدكتور أيمن عامر
الدكتور أيمن عامر رئيس رابطة الاختصاصيين النفسيين

في سياق مختلف، يشير رئيس رابطة الاختصاصيين النفسيين الدكتور أيمن عامر- رئيس قسم علم نفس السابق بكلية الآداب– جامعة القاهرة- إلى مفهوم جديد يمكن من خلاله قراءة الأحداث المتلاحقة، بما لا يعفي الحرب الإيرانية- الأمريكية من أثرها، إلى حالة سماها د. مصطفى سويف- عالم النفس الراحل- “الاكتئاب القومي”.

ويستطرد “عامر” الذي يعد أبرز تلاميذ الدكتور “مصطفى سويف” في تفنيد المصطلح رابطًا بين الأحداث الراهنة، وتداعياتها قائلًا: إن الحرب التي تقع في دائرة الضغوط الدولية، تخلف ضغوطًا اجتماعية، مقابل أمية ثقافية منتشرة، تدفع بالإنسان إلى العجز عن مواجهة الضغوط، وبالتالي في ظل غياب مساندة “اجتماعية/ أسرية” يمكن أن تحدث الحوادث المشار إليها.

لكن رئيس رابطة الاختصاصيين النفسيين يستدرك قائلًا: “من أين يريد أن ينظر الناس إلى رؤية علم النفس للأحداث؟ هل من منظور صحي/ مرضي؟ أم من منظور علم الاجتماع السياسي؟ أم من منظور نفسي/ اجتماعي؟”. ويستطرد: لو من منظور إكلينيكي/ مرضي، فإن هناك ضغوطا أدت إلى تداعيات لحظية كما في حالة “بسنت سليمان”، فالسيدة لديها هشاشة نفسية، ومع ذلك أطلقت حديثًا مع الناس عبر خاصية “البث المباشر”، مما استدعى حدوث تداعيات لحظية موقفية، لكن لا ندري ما إذا كانت مخططة لذلك أم لا؟

ويرجع “عامر” ظاهرة “الاكتئاب القومي”، إلى أن ثمة انعكاسات دولية على الحالة المصرية، تشكل مناخًا على أناس، لا يقرأون ولا يجيدون التعامل مع الأحداث، فيتكون لديهم شعور جمعي، يتركز في القلق من المستقبل، ومن تراكم أثر الضغوط الناتجة يحدث تشوشًا؛ يؤدي إلى “اكتئاب قومي”.

ويرى رئيس رابطة الاختصاصيين النفسيين، أن الدكتور مصطفى سويف صاحب “النظرية” أقر بأن ما يتحكم في السلوك الحالي للفرد، هو استشراف المستقبل، وليس الماضي، لافتًا إلى أن الشعور بالعجز عن مواجهة المستقبل، والقلق، يسبب الكوارث، ويستطرد قائلًا”: “المستقبل يعني الأمل، وحين يضطرب الأمل تنال الضغوط من الإنسان”.

مع رفضه لتوصيف حوادث الانتحار خلال الفترة الماضية، بأنها “ظاهرة” يشير “عامر” إلى أن سيدات الريف في الماضي كن يلجأن إلى حرق الجسد، مؤكدًا أن ذلك يرجع إلى تفاعل الجهل مع الرغبة في إيذاء الذات.

وليست “ظاهرة”، لأنه لا تحدث يوميًا– على حد تعبيره- لكن الإعلام يجب أن يميز بين إدارة الأزمات، والإدارة بالأزمات، وأردف قائلًا: “في واقعة بسنت سليمان يجب أن يناقش ما وراء انتحارها، وليس انتحارها، ويجب أن يطرح السؤال في مستويات عليا من النقاش، تتعلق بـ”التجربة” على النحو التالي: “لماذا يفضل المصريون الخلاص الآن من الحياة؟ أما علم مستوى التأويل فإن علم النفس هو المنوط به دراستها من منظور علمي (إكلينيكي/ نفسي/ اجتماعي/ نفسي/ سياسي).

ويقول “عامر”: إن منظور علم النفس/ الاجتماعي، يدعم الجانب الإيجابي، من ناحية ما يتسرب من ضغوط دولية، ونفسية على الأفراد، مشيرًا إلى أن الفنون أكثر اتساعًا في معالجتها لهذا المنحى، ومستشهدًا بسؤال بطل “فيلم”- آسف على الإزعاج— “ليه الناس ما بقتش سعيدة؟”