اتسعت ظاهرة العنف ضد النساء في مصر إلى حد باتت معه هذه الظاهرة محل جدل عام، وذات علاقة وثيقة بقانون الأحوال المصرية الحالي الذي يجعل مركز المرأة القانوني أضعف من الرجل، وذلك تحت مظلة تأويل ديني وثقافة اجتماعية، نستطيع القول عنها باطمئنان، إنها مناهضة للمرأة.
ولعل هذه الحالة تستدعي انتباها حكوميا رسميا جادا إلى حالة المرأة المصرية الواقعية المتردية في خلية الأسرة بكل فئاتها الاجتماعية بعيدا عن الدعايات والتوظيف.
ومنها أيضا الابتعاد عن الموازانات مع ثقافتي جماعات الإسلام السياسي ومجتمعات الخليج، اللتين ساهمتا في ترسيخ قيم تنفي عن النساء إنسانيتهن وقدراتهن ومساواتهن والعمل على ترسيخ قيم المساواة.
وأيضا السماح للمجلس القومي للمرأة، أن يقوم بدوره في أن يعكس أصوات المصريات، ويرسم السياسات المساعدة للحكومة كآلية وطنية للدولة، وذلك بدلا من توظيفه من جانب الحكومة وتحويله إلى مجرد ديكور، نتعامل به مع العالم والمنظمات الدولية، بينما تكون الفاعلية والتأثير في سياسيات الحكومة مفقودة، بل وربما يكون الأكثر مرارة هو استخدام الحكومة له كمطبخ خيري في رمضان الماضي لإعانة الأسر الفقيرة، وذلك في رسالة ضمنية، توجهها الحكومة للمجتمع، أن النساء مهما كانت مكانتهن، فأدوار الخدمة تعلو على أدوار رسم السياسات.
الانتباه الحكومي الذي نقول به، لا بد أن يمتد إلى جهود مراكز التفكير المصرية وعلى رأسها مركز الأهرام للدراسات السياسية الذي كان قد قدم للمجلس القومي للمرأة عام ٢٠١٨ مشروعا متكاملا وجديدا للأحوال الشخصية، ناقشته لجنة المجلس التشريعية على عهد السيدة وزيرة التضامن الحالية السيدة مايا مرسي التي رحبت به، واستقبلت وفدا من المركز وبعض ممثلات المجتمع المدني، حيث تم عقد اجتماع مع اللجنة التشريعية بالمجلس، ولكن لا رئيسة المجلس وقتذاك ولا اللجنة التشريعية التي رفعت هذا القانون الموحد لوزارة العدل استطاعا إنفاذ القانون، مع حكومات تعتمد الدعاية وليس الفاعلية مع حقوق المصريات.
هذا المجهود من جانب مركز الأهرام تم تأسيسه؛ بهدف بلورة قانون واحد للأحوال الشخصية، يضمن المساواة في المراكز القانونية بين الرجل والمرأة، ويطرح مجموعة كاملة من البنود منذ مرحلة الخطبة وحتي الطلاق في حال وقوعه، بحيث يكون هذا القانون جديدا بالكامل، ولا يكتفي بالتعديل الجزئي الذي تمارسه الحكومات المصرية المتعاقبة طوال النصف قرن الماضي، وذلك على قانون هو بالفعل عمره أكثر من قرن من الزمان، تغير فيها وجه مصر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وهو ما انعكس على كل التفاعلات الاجتماعية وأوزان كل من المرأة والرجل داخل الأسرة.
بلورة القانون الواحد كان مطلب الجميع عام ٢٠١٨ الذي حرصنا ألا يكون مخالفا لأي من مقاصد الشريعة الإسلامية، ولا جوهرها بالاعتماد على علم د. آمنة نصير في هذا المجال، وهو مجهود استمر شهور، قاده مركز الأهرام، وشرفت ببلورته مع منظمات المجتمع المدني المصري، وعلى رأسها المركز المصري لحقوق المرأة واتحاد نساء مصر وغيرهما من المنظمات الهامة، وتم رفعه للجهة المنوطة برسم السياسات الخاصة بقضايا المرأة المصرية، ألا وهو المجلس القومي للمرأة، وقد ساهم في هذا المجهود أيضا بعض عضوات مجلس الشعب وبعض ممثلات لجان المرأة في الأحزاب المصرية.
لم نكتف بكل ذلك، بل أصدرنا عددا كاملا من دورية الملف المصري من إصدارات مركز الأهرام للدراسات، وهو العدد ٦١ الصادر في سبتمبر ٢٠١٩ تحت عنوان الأحوال الشخصية في مصر تحديات الواقع ومداخل التجديد، وذلك ليكون تحت نظر من يهمه أمر نصف الشعب المصري، ولكن لم ينتبه لهذا المجهود أحد، فيما يبدو لنا، أن حجم الاهتمام من مؤسسات الدولة ما زال غير فاعل رغم تصريحات السيد الرئيس عن مجمل قضايا المرأة المصرية بمناسبات متفرقة، وكذلك زيارته إلى المجلس القومي للمرأة التي وعد أن تكون متكررة لدعم قضاياها، ولكنها للأسف كانت زيارة وحيدة وسط انشغالات الرئيس بقضايا خارجية ضاغطة.
وأخيرا، نعم نستطيع منع قهر النساء المصريات إلى حد إٍقدام بعضهن على الانتحار، إذا كان قد تمت الاستجابة لمسألة الاصلاح القضائي المطلوب؛ لتفعيل ناجز للقانون الحالي وتعديلاته الذي كان من أهم الاهتمامات التي رفعناها للمجلس القومي للمرأة عام ٢٠١٩.
والذي تم التأكيد فيه أنه لا يمكن الفصل بين الإصلاح التشريعي والإصلاح القضائي، إذ أن الخبرة العملية تكشف أن جوهر الأزمة ليس فقط في نصوص القانون، بل في آليات إنفاذه، وبطء التقاضي فامتداد دعاوى النفقة أو الرؤية لعام أو عامين، يحول الحق القانوني إلى حق نظري، ويفرغ الحماية القانونية من مضمونها. وهو الأمر الذي يستدعي إعادة هيكلة دوائر محاكم الأسرة، وزيادة عدد القضاة المتخصصين، واعتماد نظم التقاضي الإلكتروني لتقليص الزمن القضائي، إذ تشير التقديرات، إلى أن نحو 80% من مشكلات قانون الأحوال الشخصية ذات طبيعة إجرائية وليست موضوعية. وهذا يعني أن تبسيط الإجراءات، وتوحيد النماذج القضائية، وإنشاء مسارات سريعة للقضايا العاجلة (كالنفقة والحضانة)، يمكن أن يحدث تحولا نوعيا.
صندوق دعم الأسرة مطروح أيضا كآلية تنفيذية مرتبطة بالقضاء، تتدخل لسداد النفقات فورا ثم تستردها من المدين. هذا المقترح لا يخفف فقط من معاناة النساء والأطفال، بل يعالج أيضا ظاهرة حبس غير القادرين، ويحول الدولة إلى ضامن للعدالة داخل الأسرة، وقد يكون الأهم على الإطلاق هو إعادة تعريف الشخصية القانونية للمرأة داخل الإجراءات، خاصة فيما يتعلق بالأبناء، إذ تكشف الممارسة، أن غياب تمكين الأم إجرائيا يعطل استخراج الأوراق الرسمية أو اتخاذ قرارات حياتية للأطفال، ومن ثم، فإن تمكينها قانونيا أمام الجهات القضائية والإدارية يعزز من كفاءة النظام، ويقلل النزاعات.
في هذا السياق، يتداخل الإصلاح القضائي مع ضبط العلاقة بين النص والتطبيق، خاصة في قضايا مثل الطلاق الشفهي والرؤية وتعدد الزوجات لتلبية الشهوات، دون تلبية احتياجات حقيقية، فالدفع نحو توثيق الطلاق كشرط للاعتداد به، وجعل الزواج الثاني للرجال بتصريح من قاض، يتأكد من علم الزوجة الأولى، وكذلك ربط الأحكام القضائية بآليات تنفيذ حقيقية، يعكس اتجاها نحو تقليص الفجوة بين القانون والمجتمع، وتحقيق استقرار قانوني للأسرة.
وأيضا لا يكتمل الإصلاح دون بناء وعي قانوني مجتمعي مواز، ودون انتباه الشيوخ على منابر المساجد والإعلام والدراما التلفزيونية بتبني قضايا المساواة والعدالة للرجال والنساء على قدم المساواة، ذلك أن ترك المنابر لممارسة ذكورية المشايخ في كثير من الأحيان، والمعالجات المنحازة والمعلومات المغلوطة التي يتم تداولها حول قوانين الأسرة، يكون لها تداعيات على سلوك المتقاضين، ومن ثم، فإن انتباه وزارة الأوقاف بهذا الشأن وتطوير دور الإرشاد الأسري، وإدماج التوعية القانونية ضمن عمل المحاكم، يمثل امتدادا وظيفيا للإصلاح القضائي.
إجمالا: يمكن القول إن إصلاح القضاء في مجال الأحوال الشخصية في مصر لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تعديلا تقنيا، بل كتحول يعيد تعريف دور الدولة كفاعل ضامن لتوازن الأسرة، ويؤسس لمنظومة عدالة سريعة، منصفة، وقابلة للتنفيذ، وهو ما يجعل من هذا الإصلاح في جوهره مدخلًا؛ لإعادة بناء العقد الاجتماعي داخل الأسرة المصرية، وليس مجرد تحديث لنصوص قانونية.
وأخيرا أتوجه للرئيس السيسي، وأقول له سيادة الرئيس لا نريد بسنت أخرى.






