عقاب من يتكلم عن خطأ أو يكشفه خطأ أكبر من الخطأ، ولا يجب الاستمرار فيه، وإن ماجري مع طبيبة الشاطبي التي تحدثت عن انتهاكات في المستشفى الحكومي لا يجب محاسبتها واعتبارها متهمة ليس لأنها أصابت أو أخطأت فيما قالت، إنما لأننا اعتدنا في السنوات الأخيرة نحاسب من يتحدث عن الخطأ أكثر مما نعمل على تصحيح الخطأ، وصارت التهم المعلبة وسابقة التجهيز عن المؤامرات والأجندات الخارجية تلقى في وجه أي ناقد لأخطاء ترتكب أو سلبيات تنتشر.
والحقيقة أن التعامل الحكومي مع نشر أي سلبيات ظل قائما على محاسبة الشاكي أو المحتج ولو سلميا بوسائل النشر المعروفة، وليس تصحيح الخطأ، وإن الدنيا تقوم ولا تقعد حين يصور مواطن خدمة طبية أو شرطية أو إدارية سيئة.
ولا تهتم بمعالجة أي خطأ وأصبحت جمل مثل إثارة البلبلة والرأي العام جاهزة لأي نقد يوجه للأداء العام في مختلف المصالح الحكومية.
أما فيديوهات التحريض بين المواطنين والطحن والتنمر الذي يحدث بين الناس، فتتسامح معه الدولة ما دام لا يقترب من مؤسساتها، وتدخلها يأتي بعد أن تتفاقم المعركة وتصبح خطرا أمنيا وكثيرا ما يكون من أجل اللقطة والشو.
إن كل الاتهامات بين أطياف المجتمع مقبولة والمحاسبة لو جاءت تأتي متأخرة وكرد فعل وليس من أجل منع الخطأ قبل حدوثه، أما أي اتهام لخطأ حكومي، حتى لو كان موثقا بالصوت والصورة فإن المحاسبة تكون على “الصوت والصورة” لا محاسبة المخطئ وهو أمر تكرر في مختلف مناحي الحياة سواء أيام كورونا، أو في حوادث الطرق فلو كان الجاني أو المجني عليه صاحب سيارة خاصة أو أجرة فالكلام والصريخ والتصوير مباح، أما إذا كان الجاني طرف حكومي فهنا يُسدل ستار من الصمت ويحاسب كل من يصور لوحة معدنية لسيارة حكومية أو حادثة قطار أو إهمال في مرفق عام.
والحقيقة أن كثير ممن انتقدوا سوء الأداء والإدارة أو رفضوا “التطوير العكسي” الذي هدم المقابر والمباني التاريخية ودمر رونق أحياء قديمة كثيرة أو اعترضوا على ظروفهم في العمل أو زيادة نفقات المعيشة، تعرضوا لملاحقات كثيرة ودفعوا ثمنا من حريتهم لأنهم تكلموا عن هذه السلبيات، في حين أن في أي مجتمع صحي ولا نقول بالضرورة ديمقراطي فإن هؤلاء يمثلون فرصة حقيقية لخلق مساحة نقاش عام في النور بدلا من الكبت والكلام الساكت.
إن قضايا السياسات العامة من صحة وتعليم وخدمات وإدارة محلية صار لها أولوية قصوى لأن تكون في قلب النقاش العام كما أن ما يجري في كثير من أحياء القاهرة من “تطوير” دون أخذ رأي سكانها فتح باب أزمات كان يمكن تلافيها لو كانت هناك إدارة محلية تمثل همزة وصل بين الحكومة والناس أو نقاش عام علني وقبول بالنقد.
والحقيقة أن دور المحليات حاضر بقوة في كل النظم السياسية، لأنها تسمح للمجتمع أن يبادر وينتقد فيما يتعلق بالإدارة المحلية والسياسات العامة في الصحة والتعليم والخدمات، في ظل قيود معروفة على القضايا السياسية الكبرى الخاصة بجوهر النظام القائم. والمؤسف أن هذه صيغة لا زالت غير موجودة في مصر مع غياب المحليات وتراجع المبادرات الأهلية ومحاسبة من يتكلم عن خطأ حكومي أو انتهاك حتى لو كان كلامه مبالغ فيه ولم يُرِح الدولة فلا يجب محاسبته إنما العمل على كشف حقيقة ما تحدث عنه، لأن الهدف هو الإصلاح والكلام العلني وليس التعتيم والتمسك بشبكات المصالح التي كرست هذه الأخطاء.
لقد قرر كثير من الناس أن يبتعدوا عن مناقشة القضايا السياسية أو ينخرطوا في أحزاب، فعلى الأقل لا يجب أن يحرموا من “التنفيس” العلني ومناقشة مشاكل أبنائهم في المدارس والجامعات، ومشاكلهم مع المنظومة الصحية، والأشجار التي قطعت والرصيف الذي اختفى والمباني الأثرية التي هدمت والأحياء التي شوهت.
إن زيادة معدلات انتشار الكاميرات وكشف المستور حتى لو مبالغ فيه جاء بعد أن غاب أو غيب النقاش العام الحقيقي حول القضايا التي تمس حياة المواطنين وتصنع تقدم البلاد والعباد، مثل تقييم المشاريع الاقتصادية الكبرى وأولويات التنمية وغيرها، كما تراجع دور الوسيط السياسي والنقابي والأهلي الذي يضمن وجود قنوات تواصل بين السلطة والشعب، وهو ما جعل كثيرا من تفاعلات المجتمع تأتي في صورة صرخة احتجاج وليس بديل عاقل لسياسات قائمة.
إن ما يعلنه بعض الناس أو يصوروه على وسائل التواصل الاجتماعي من احتجاج ورفض لممارسات تحدث حتى لو كان مبالغا فيه، يظل في العلن والنور، وهو أفضل بكثير من كبته في السر، وإن عدم ملاحقة من يقوم بهذا الفعل سيعني حرص الدولة على تصويب الأخطاء لا محاسبة من يتكلم عنها ولو بطريقة خاطئة.
صحيح أن البعض سيعتبر أن إعلان السلبيات لا يشير للإيجابيات وإنه مبالغ فيه وفي بعض الأحيان يحكمه تصفية حسابات شخصية وليس الصالح العام وإذا افترضنا أن كل ذلك صحيحا، فإن هذا لا يعني أن رد فعل الدولة الأول يكون بمحاسبة الشاكي أو المحتج إنما يجب أن يكون التأكد من صحة الخطأ والعمل على تصويبه ومحاسبة المخطئ وليس المعترض أو حتى “الفُضحي” الذي يسير بكاميرته يصور في كل مكان.
إن “كبت العلني” ودفعه نحو السري والباطني مصدر خطر على الجميع لأن البلاد في حاجة لقوة من يعملون ويفكرون ويحتجون ويعترضون في النور، حتى لو أخطأوا، حتى نستطيع هزيمة من هم في الظلام.






