إذا كنا قد اقتربنا أكثر من مرة من إيجاد تسوية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إلا أنه في اللحظات الأخيرة “يتغير العطاء”، ونتجه نحو خطر العودة للحرب، حدث ذلك منذ أن بدأت مفاوضات فيينا بين أمريكا وإيران، وأشار البعض إلى حدوث اختراقات وتقدم في المفاوضات، وسرعان ما قطعته غارات الطائرات الأمريكية الإسرائيلية واندلاع الحرب على إيران. وتكرر أمر مشابه عقب وقف إطلاق النار وتقديم أمريكا لمقترحها ذو الـ١٤ نقطة، وردت عليه طهران بمقترحين، الأول رفضته واشنطن فورا، والثاني نشر أول أمس، وعرف باسم “المقترح المعدل” ورفضته أمريكا بعد تردد، وبعد أن أعلنت أنها تدرسه، رغم أنها أقرت بحدوث تقدم في بعض الملفات، وخاصة الملف النووي.
وقد أعلنت أمريكا فتح ممر آمن للعبور من مضيق هرمز، أسمته “ممر الحرية”، وفرضت بالقوة عبور سفينتين تجاريتين أمريكيتين اللتين عبرتا المضيق في حراسة مدمرة أمريكية، ولكنها عادت وأعلنت أول أمس، أنها علقت العمل “بمشروع الحرية”، بناء على طلب باكستاني، بما يعني تراجعها عن محاولة فتحه بالقوة.
والحقيقة، أن عشوائية الإدارة الأمريكية أمر معتاد، واتخاذها قرارات فجائية ثم التراجع عنها أمر متكرر، ويكفي أن ترامب نفسه غير موقفه من المضيق عده مرات، فقد قال الشهر الماضي، إنه سيشكل تحالفا دوليا “لتحرير المضيق” من قبضة الإيرانيين، وعاد وقال: “لا نحتاج المضيق ولا نستخدمه”، ثم خاطب إيران قائلا: “إذا لم تفتحوه سندمر مصافي الطاقة الإيرانية”، ثم قرر أن يكون هناك ممر آمن لعبور السفن، وسماه طريق الحرية، وهدد بضرب إيران في حال اقتربت من السفن التي تعبره، ثم عاد أول أمس وقرر التراجع عنه.
يقينا، ترامب يريد من إيران الاستسلام، كما كان يريد صاحبه نتنياهو إسقاط النظام، وكلاهما لم يستطع أن يحقق هدفه، وفي نفس الوقت تعلم أمريكا، أن ثمن عودة الحرب على المنطقة والعالم باهظ، ولذا، فإن الطريق الوحيد لإنهاء الحرب هو البناء على المقترح الإيراني المعدل الذي قدمت فيه بعض التنازلات مقارنة بموقفها السابق.
وقد تضمن المقترح المعدل ردوداً على 9 بنود، قدمها الجانب الأمريكي، وأوضح خطوط طهران الحمر وخريطة طريق لإنهاء الحرب، وطالب بانسحاب القوات الأمريكية من محيط إيران، بدلا من مغادرة المنطقة كلها، بجانب رفع الحصار البحري والإفراج عن الأصول المجمدة، ودفع التعويضات وإنهاء الحرب في جميع الجبهات بما فيها لبنان. وقد أشار عدد من التقارير الموثقة، أن إيران قبلت في “مقترحها المعدل” تجميد تخصيب اليورانيوم لـ 15 عاما، وهي بذلك تقترب من المقترح الأمريكي الذي نص على ٢٠ عاما، كما أبدت طهران استعدادها لقبول التقيد بنسبة تخصيب عند 3.5% والتخلص تدريجياً من اليورانيوم عالي التخصيب بإرساله إلي دولة محايدة أو دولة يتفق عليها، كذلك وافقت طهران في مقترحها المعدل على فتح هذا الممر الملاحي الحيوي تدريجياً مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي، وطالبت بعدم استهدافها مجدداً، ودوراً صينياً وروسياً لضمان أي اتفاق.
وكما أعلن ترامب على مدار أسبوعين، أنه سيوقع على اتفاق ممتاز ورائع مع طهران، قال في نفس الوقت، إنه سيستأنف الحرب وسيضربها مرة أخرى، طالما لم تقبل بالشروط الأمريكية.
والحقيقة، أن فرصة عقد تسوية شاملة بين إيران وأمريكا واردة، وربما تكون راجحة بنسبة 50+1، خاصة إذا صدقت أكسيوس، حين أشارت أن واشنطن وطهران تقتربان من الاتفاق على مذكرة من صفحة واحدة لإنهاء الحرب، وأن إيران وأمريكا سيرفعان بشكل تدريجي حصار المواني الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز في خلال شهر.
إذا عرفت طهران، أن اتفاق إنهاء الحرب مع أمريكا سيضعها أمام تحديات جديدة وكبيرة، تتجاوز نصوص هذا الاتفاق لتصل إلى عودة إيران كبلد طبيعي صاحب تاريخ وحضارة كبيرة ومجتمع حيوي وثقافة عريقة، وتطرح أسئلة حول حصيلة نموذجها وخبرتها السياسية عقب ثورتها في ١٩٧٩، وهل معركة المشروع النووي كانت تستحق هذا الثمن وهذه التضحيات، خاصة أنه من الراجح أنها ستتخلى عنه لضمان انتهاء الحرب، وأن هناك دول أخرى وضعت هدف التنمية والنهضة الاقتصادية والسياسية كأساس لتقدمها وتأثيرها الدولي ونجحت.
لكيلا تعود الحرب الأسبوع القادم أو العام أو العقد القادم، فيجب أن تعتبر إيران، أن التمرد على المنظومة الدولية من خارجها واستخدام أدوات لفظتها معظم دول العالم، ليس بالخيار الصائب، لأن العالم أصبح يضم دولا، تقود النظام الدولي مع أخرى تابعة لها، في مواجهه نظم أخرى تعارض هذه المنظومة، وتختلف معها من داخلها، أما نموذج المعارضة من خارج المنظومة الدولية الذي قدمته إيران، فأثبت فشله، خاصة أنها استخدمت أدوات كانت محل رفض من جيرانها ومن معظم دول العالم، بما فيها دول عارضت السياسات الأمريكية.
صحيح، أن إسرائيل دولة تقوض النظام الدولي وفوق القانون والشرعية الدولية، ولكنها دولة محمية من قادة النظام الدولي ولديها حصانة استثنائية من القوة الأولى في العالم، وهي أمريكا، وهو ما لا تتمتع به إيران، بل هي دولة مستهدفة من القوى الكبرى، ومع ذلك تعارض النظام الدولي من خارج قوانينه وقواعده.
إن ضمان عدم عودة الحرب مرة أخرى يتطلب من إيران مراجعات جراحية لسياساتها، وأن تصبح معارضتها للسياسات الأمريكية والإسرائيلية بالأدوات السياسية والحملات القانونية والإعلامية والتمسك بالقانون الدولي والتخلي عن سياسة الأذرع والوكلاء التي نهشت النسيج الاجتماعي في أكثر من بلد عربي، ودعمت نظم استبداد، أجرمت في حق شعوبها، مثلما جرى مع نظام بشار الأسد.
نهاية الحرب ستعني فتح الباب أمام توجهات إيرانية جديدة، وعودتها سيكون كارثة على إيران ودول المنطقة والعالم.






