يواصل ملف الدين العام والفوائد الضغط على موازنة العام المالي الجديد 2026/2027، في ظل فجوة تمويلية ضخمة، سيتم تغطيتها عبر الاقتراض كالمعتاد، عبر إصدارات أذون وسندات الخزانة المصرية.

في الموازنة التي يناقشها مجلس النواب حاليًا، سجل بند خدمة الدين (الأقساط والفوائد) 5.2 تريليونات جنيه، بزيادة 19.2% مقارنة بالعام المالي الحالي، ويتضمن ذلك المبلغ فوائد بنحو 2.419 تريليون جنيه، مقابل 2.298 تريليون جنيه، بزيادة 5.3%.

بجانب الفوائد، يُفترض أن تسدد وزارة المالية في العام المالي، الذي يبدأ في أول يوليو المقبل، أقساط قروض محلية وأجنبية بنحو 2.807 تريليون جنيه، مقابل 2.08 تريليون جنيه خلال الفترة المقارنة ذاتها.

في ظل حجم مصروفات يبلغ 5.176 تريليونات جنيه في العام المالي الجديد، يتبين أن فوائد “القروض” تمثل 46.7% من إجمالي المصروفات المستهدفة، لكن لو تم إضافة الأقساط عليها، تزيد الفوائد والأقساط معًا عن إجمالي مصروفات الموازنة.

وزارة المالية تستهدف الدين الخارجي

وزارة المالية أعلنت خفض الدين الخارجي لأجهزة الموازنة بنحو 4 مليارات دولار في يونيو 2025 مقارنة بعام 2023، مع استهداف خفض الدين بنحو 2 مليار دولار سنويًا، وهو ما يظهر في العام المالي الجديد بتركيز الموازنة الجديدة على الدين المحلي.

تستهدف الوزارة خفض فوائد الدين الخارجي لـ 215.7 مليار جنيه مقابل 248.5 مليار جنيه العام الحالي بنسبة تراجع 13.21%، لكن في الوقت ذاته تزيد الفوائد المحلية بنسبة 7.5% لتسجل 2.2 تريليون جنيه، مقابل 2.04 تريليون جنيه في الفترة المقارنة ذاتها.

تُسدد وزارة المالية قروضًا محلية بحوالي 1.4 تريليون جنيه مقابل 832.7 مليار جنيه في العام الحالي، على أن تسدد قروضا خارجية بما يعادل 337.4 مليار جنيه، مقابل 483.2 مليار جنيه، بنسبة 30.1%.

استمرار تأثير الفوائد

تمثل فوائد الديون حوالي 60% من الإيرادات المستهدفة للموازنة العامة للدولة للعام الجديد، والتي تبلغ 4.05 تريليونات جنيه، مقابل 3.11 تريليونات جنيه.

تلتهم فوائد الديون الزيادة التي حققتها الإيرادات التي بلغت 29.9%، كما تعاظمت نسبتها رغم ارتفاع نسب المصروفات الأخرى كالأجور التي تبلغ 820.8 مليار جنيه، والدعم الذي يبلغ 832.3 مليار جنيه، وبند شراء الأصول غير المالية (الاستثمارات) الذي ارتفع لنحو 553.7 مليار جنيه، وشراء السلع والخدمات بنحو 288.7 مليار جنيه.

تضم الفوائد 214.8 مليار جنيه كفوائد على الدين العام الخارجي بينها 814.2 مليون جنيه تسددها جهات الموازنة، أما الفوائد المحلية فتتضمن فوائد سندات للبنك المركزي بقيمة 191.6 مليار جنيه وفوائد سندات دولارية بقيمة 8.2 مليارات جنيه.

تعتبر الفوائد على أذون الخزانة الأكبر في القيمة، إذ تبلغ 1.2 تريليون جنيه مقابل 870.4 مليون جنيه في العام المالي الحالي بزيادة قدرها 24.2%، وكذلك فوائد سندات بقيمة 624.4 مليار جنيه، مقابل 867.04 مليار جنيه في العام الحالي بتراجع قدره 243 مليار جنيه.

متوالية الفوائد.. عرض مستمر

مشكلة “الفوائد” أنها متوالية، إذ أن الفجوة التمويلية الكبيرة خلال العام المالي المقبل من المتوقع أن تغطيها وزارة المالية عبر الاقتراض مجددًا؛ ما يرفع عبئها المستقبلي.

الحكومة تستهدف اقتراض 1.2 تريليون جنيه في العام المالي الجديد، وهو نفس الرقم الذي يسجله العجز الكلي في الموازنة الذي يبلغ 1.2 تريليون جنيه في 2026/2027، مقابل 409.2 مليارات جنيه في العام المالي الحالي بزيادة قدرها 791 مليار جنيه.

الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، يقول إن إدارة الدين وخدمته تمثل العامل الأكثر تأثيرا على هيكل المالية العامة في ظل ارتفاع الاحتياجات التمويلية واتساع بند الفوائد والأقساط داخل هيكل الإنفاق العام، ما يؤثر على قدرة الدولة في توجيه الموارد نحو الإنفاق التنموي والاجتماعي.

حسب بيانات الموازنة، ارتفع دين أجهزة الموازنة العامة والهيئات الاقتصادية إلى نحو 18.4 تريليون جنيه، بما يعادل قرابة 90% من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، المُقدر بنحو 20 تريليون جنيه.

رغم أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي تُعد المؤشر الأهم عالميا في تقييم الاستدامة المالية، فإن قراءة هذا الرقم تحتاج إلى فهم أعمق لعدة عوامل، أهمها قدرة الاقتصاد على النمو بوتيرة أسرع من نمو الدين، ومستوى أسعار الفائدة، وهيكل الدين بين محلي وخارجي، ومتوسط آجال الاستحقاق، وقدرة الدولة على توليد إيرادات مستدامة، وبالتالي، فإن خطورة الدين لا تُقاس بحجمه فقط، بل بقدرة الاقتصاد على خدمته وإدارته دون الضغط على النشاط الاقتصادي أو الإنفاق الأساسي، وفقا لشوقي.

تشير البيانات إلى ارتفاع تقديرات الدين العام من نحو 1.74 تريليون جنيه في يونيو 2014 إلى نحو 18.37 تريليون جنيه في موازنة 2025/2026، بزيادة أكثر من عشرة أضعاف خلال نحو 11 عاما.

لكن شوقي يرى، أنه لا يمكن قراءة هذا التطور بصورة رقمية مجردة دون مراعاة مجموعة من المتغيرات المؤثرة، فجزء معتبر من الزيادة الاسمية يعود إلى التضخم، وتراجع القوة الشرائية للجنيه، إضافة إلى التوسع الكبير في الإنفاق الاستثماري والبنية التحتية خلال السنوات الماضية، بما شمل مشروعات الطرق والطاقة والمدن الجديدة والنقل والمواني، بجانب أن ارتفاع تكلفة التمويل عالميا ومحليا كان له دور رئيسي في زيادة تكلفة الاقتراض وإعادة التمويل، خاصة مع موجات رفع أسعار الفائدة خلال الأعوام الأخيرة.

شدد شوقي على أن المؤشر الأكثر أهمية في بيانات الموازنة هو الارتفاع الكبير في بند خدمة الدين، فقد ارتفعت مدفوعات الفوائد وأقساط الدين إلى نحو 4.38 تريليونات جنيه، بما يمثل حوالي 64.8% من إجمالي استخدامات الموازنة البالغة 6.76 تريليونات جنيه، مقارنة بنسبة 51.4% في موازنة 2020/2021.

بحسب التقرير الشهري لوزارة المالية، فإن مدفوعات الدين التهمت نحو 81% من إجمالي الإيرادات خلال أول 8 أشهر من العام المالي الحالي، وقفزت مدفوعات الفوائد 35%خلال (يوليو إلى فبراير 2025- 2026) إلى نحو 1.63 تريليون جنيه.

وفقًا لشوقي، فإن ما يقرب من ثلثي استخدامات الموازنة أصبح موجهًا إلى سداد فوائد وأقساط ديون مستحقة، وهو ما يقلص المساحة المتاحة للإنفاق على التعليم والصحة والاستثمار الإنتاجي والحماية الاجتماعية، وهنا تظهر واحدة من أكبر التحديات الهيكلية التي تواجه المالية العامة المصرية.

لماذا ارتفعت الديون؟

هناك عوامل رئيسية وراء هذا الارتفاع الملحوظ في مدفوعات الدين، أهمها ارتفاع أسعار الفائدة، حيث أدت السياسة النقدية التشددية (رفع الفائدة) إلى زيادة تكلفة الاقتراض المحلي بصورة واضحة، وارتفاع أصل الدين نفسه في زيادة مدفوعات الفوائد والأقساط بشكل تلقائي.

كذلك لا يمكن تجاهل تأثير تراجع قيمة الجنيه، الذي رفع التكلفة المحلية للديون الخارجية المقومة بالدولار، والاعتماد النسبي على أدوات دين قصيرة الأجل، بما يفرض عمليات إعادة تمويل متكررة وبتكاليف أعلى.

بحسب الدراسات، توجد علاقة تبادلية عكسية بين سعر الصرف ومستوى الدين الخارجي، فزيادة الدين الخارجي بنسبة 1% من الناتج؛ يؤدي لزيادة سعر الصرف الرسمي بمقدار 1.32 جنيه، لكل دولار في المتوسط.

في المقابل، يؤدي ارتفاع سعر الصرف بجنيه واحد إلى انخفاض الدين الخارجي بنسبة 0.8% من إجمالي الناتج المحلي في المتوسط بالأجل الطويل، أي أن زيادة الدين الخارجي ستؤدي إلي زيادة تكلفة خدمة الدين من أقساط وفوائد سنوية، مما يزيد من الضغوط على عرض العملة الأجنبية المتوفرة بمصر، ويؤدي إلي زيادة العجز بين عرض العملة الأجنبية والطلب عليها، ما يدفع لارتفاع سعر الصرف وانخفاض قيمة الجنيه؛ لتقليل حجم الطلب على العملة الأجنبية.

يؤدي ارتفاع الدولار إلي زيادة عبء الدين الخارجي على الاقتصاد المصري مقوماً بالعملة المحلية، لأن الموازنة العامة ستكون مسئولة عن تدبير موارد مالية بالجنيه أكبر لتحويلها لسداد نفس أقساط الدين وفوائده، ما يعني زيادة الضغوط التمويلية على الموازنة العامة.

يؤكد شوقي أن تحسين وضع الدين العام لا يتحقق فقط عبر تقليل الاقتراض، بل يتطلب استراتيجية متكاملة تقوم على رفع معدلات النمو الحقيقي، وزيادة الإيرادات الضريبية بصورة مستدامة، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة، وإطالة عمر الدين وخفض تكلفة التمويل، وزيادة الصادرات والموارد الدولارية، وتحسين كفاءة الإنفاق العام من العناصر الأساسية؛ لتعزيز الاستدامة المالية وتقليل الضغوط المستقبلية على الموازنة.