تركز تعديلات وثيقة ملكية الدولة في المقام الأول على هيكلة الهيئات الاقتصادية ودمجها بالموازنة العامة للدولة، تمهيدًا لتحويلها لشركات والتعامل معها بالإبقاء أو الدمج أو التصفية، وإعادة ترتيب مجالس الإدارات بدعوى تحسين كفاءة التشغيل وزيادة مشاركة القطاع الخاص.

تنص تعديلات الوثيقة، التي أعلنت الحكومة عن ملامحها مساء الأربعاء، على مسئولية وحدة الشركات المملوكة للدولة عن دراسة إعادة هيكلة الكيانات المملوكة لها بما فيها الهيئات الاقتصادية، لتتخذ صورة شركات مساهمة خاضعة لأحكام قانون الشركات.

وحدة الشركات المملوكة للدولة هي جهة مركزية، تتبع مجلس الوزراء، وتختص بإدارة حصص وأصول الدولة في الشركات، ومتابعة تنفيذ برامج وثيقة سياسة ملكية الدولة وزيادة مشاركة القطاع الخاص، لكن مسئوليتها كانت لا تشمل قبل التعديلات الأخيرة الهيئات الاقتصادية.

ويعني تحويل الهيئات إلى شركات مساهمة خاضعة لأحكام قانون الشركات، تغيير الإطار القانوني والتشغيلي للشركات والهيئات الاقتصادية بمصر، لتدار كشركة خاصة بواسطة مجلس إدارة مستقل، وتعتمد على مواردها وأرباحها في التمويل وتطوير خططها، ولا تُموّل بشكل مباشر من الموازنة العامة للدولة.

يؤكد ذلك التوجه تأكيد الحكومة على مراجعة أطر الدعم والمعاملة التفضيلية الممنوحة لبعض الهيئات، والمعاملة التفضيلية هي امتيازات مالية أو قانونية، كانت تتمتع بها تلك الكيانات (مثل إعفائها من بعض الرسوم أو منحها أولوية في ترسية العقود والمشروعات العامة مقارنة بالقطاع الخاص).

الهيئات الاقتصادية.. تركُز أساسي للنقل

تنتمي الهيئات الاقتصادية في مصر لـ 13 نشاطًا رئيسيًا، تتركز أكثرها في نشاطي النقل والمواصلات والإعلام والثقافة، فالأول يشمل 10 هيئات من أصل 65 هيئة بنسبة 15.3%، ويضم ذلك النشاط: الهيئة القومية للسكك الحديدية، وهيئة النقل العام بالقاهرة، والهيئة العامة لميناء الإسكندرية، وهيئة قناة السويس، وجهاز تنظيم النقل البري الداخلي، والهيئة العامة لمواني البحر الأحمر، وهيئة ميناء دمياط، والهيئة العامة للمواني البرية والجافة، والهيئة القومية للأنفاق.

فيما يضم قطاع الإعلام والثقافة عشر هيئات بنسبة 15.3%، تضم الهيئة الوطنية للإعلام، والأكاديمية الوطنية لتدريب وتأهيل الشباب، وهيئة دعم وتطوير الجامعات، والهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد، والجهاز المصري للملكية الفكرية، والهيئة المصرية لضمان جودة التعليم والاعتماد.

تقضي وثيقة ملكية الدولة الجديدة بفصل الأنشطة التجارية والخدمية داخل الهيئات، ما يعزل الأنشطة الربحية التي تُدر عائدًا كالخدمات أو السلع، عن المهام الأساسية للهيئة؛ لمنع تضارب المصالح، والحياد التنافسي في الأسواق، وهو مطلب رئيسي لصندوق النقد والقطاع الخاص في مصر.

اتجاه الحكومة يتضمن إلغاء أو دمج أو تقسيم بعض الهيئات الاقتصادية ضمن خطة الإصلاح المؤسسي، إذ تتضمن إعادة هيكلة 59 هيئة عامة اقتصادية بإلغاء 4 هيئات منها؛ بسبب استمرار خسائرها، ودمج 7 هيئات في كيانات أخرى.

كما تتضمن تحويل 9 هيئات اقتصادية إلى هيئات خدمية، مع الإبقاء على الهيئات المنتجة وإعادة هيكلتها لرفع كفاءة الأداء وتعظيم الإيرادات، على أن يتم مراجعة التصنيف القانوني للهيئات، تمهيدًا لإعادة تنظيمها (هيئات عامة، وهيئات خدمية، وهيئات اقتصادية).

تحاول الحكومة إعادة تقسيم الهيئات لقطاعات، تتماشى مع مضمون عملها، وهو اختلال موجود بالفعل في التقسيم الحالي، فعلى سبيل المثال، الهيئة العامة لإستاد القاهرة الرياضي مصنفة ضمن قطاع الثقافة والإعلام، ومتحفيّ “القومي للحضارة” و”المصري الكبير” مُصنفان ضمن قطاع الثقافة والإعلام، رغم وجود قطاع السياحة الذي يضم بالفعل صندوق دعم السياحة والآثار.

تتعامل وزارة المالية مع تلك الجهات بمعيار الفائض والعجز، فلكل منها موازناتها الخاصة، التي تضعها بمواردها واستخداماتها، وحينما تسجل عجًزا، تقوم الوزارة بتغطيته من الموازنة العامة للدولة، أما لو حققت الهيئات فائضا، فيؤول ذلك الفائض للموازنة العامة للدولة أيضًا.

تتربع هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء على عرض الهيئات التي تتلقى مساهمات (دعم) من وزارة المالية في 2026 /2027 بإجمالي 70 مليار جنيه، تليها الهيئة القومية لسكك حديد مصر بـ 10.5 مليارات جنيه ثم المتحف المصري الكبير بإجمالي 4 مليارات جنيه، فالهيئة الوطنية للإعلام بإجمالي 3.07 مليارات جنيه.

موازنات ضخمة للهيئات الاقتصادية للعام المالي 2026/2027

یبلغ حجم مشروع موازنات الھیئات الاقتصادیة للسنة المالیة المقبلة ٢٠٢٧/٢٠٢٦ نحو ٦٨٥٠٫٣٦ ملیار جنیه (6.8 تريليونات جنيه)، وھو یمثل حجم الاعتمادات المستھدفة لاستخدامات الموازنة موزعة ما بین الموازنة الجاریة البالغة ٤٩٤٣٫٢٩ ملیار جنيه للتحویلات واستثمارات الھیئات الاقتصادیة البالغة ٧٤٣٫٠٨ ملیار جنیه، وأخیرًا التحويلات الرأسمالیة البالغة ١١٦٣٫٩٩ ملیار جنیه.

تستهدف وزارة المالية تحقيق تلك الھیئات الاقتصادیة، التي يبلغ عددها 65 هيئة، إیرادات جاریة (التدفقات النقدية الدورية الناتجة عن النشاط الأساسي للجهة مثل مبيعات السلع أو الخدمات)، بقيمة ٤٨٤٦٫٤٢ ملیار جنیه.

لكن تتضمن تلك الإيرادات إعانات من الموازنة العامة للدولة بمبلغ ٤٣٨٫٣ ملیار جنیه (دعم المواد البترولیة ١٥٫٨ ملیار جنیه، ودعم السلع التموینیة ١٧٨٫٣ ملیار جنیه، دعم الھیئة القومیة للتأمین الاجتماعي ٢٤٠٫٧ ملیار جنیه، و٣٫٥ ملیارات جنیه دعم لباقي الھیئات الاقتصادیة).

كما تشمل إیراداتها، إيرادات رأسمالیة متنوعة (بيع أصول وأسهم) بمبلغ ١٤٤٦٫٨٦ ملیار جنیه (منھا ١٠٩٫٧ ملیارات جنیه، مساھمة من الموازنة العامة للدولة)، وكذا قروض وتسھیلات ائتمانیة بمبلغ ٤٦٠٫٢ ملیار جنیه، ومن المتوقع، تحقیق خسائر نشاط (عجز) لبعض الھیئات الاقتصادیة بمشروع موازنة العام المالي ٢٠٢٧/٢٠٢٦ بمبلغ ٩٦٫٩ ملیار جنیه (الھیئة الوطنیة للإعلام ١٩٫٣ ملیار جنیه، والھیئة القومیة للأنفاق ٦٤٫٣ ملیار جنیه، باقي الھیئات الاقتصادیة ١٣٫٣ ملیار جنیه).

ومتوقع تحقیق أرباح للھیئات الاقتصادیة خلال العام المالي ٢٠٢٧/٢٠٢٦ بمبلغ ٢٨٢٫٧ ملیار جنیه، منھا فائض حكومة بمبلغ ٥١٫١ ملیار جنیه (ھیئة قناة السویس ١٧٫٦ ملیار جنیه، ھیئة المجتمعات العمرانیة الجدیدة ٥٫١ ملیارات جنیه، والجھاز القومي لتنظیم الاتصالات ٨٫٦ ملیارات جنیه ، ھیئة الثروة المعدنیة والصناعات التعدینیة ٤٫٥ ملیارات جنیه، باقي الھیئات الاقتصادیة ١٥٫٣ ملیار جنیه) .

وتتوقع المالية تحصیل ضرائب داخلیة من الھیئات الاقتصادیة بمشروع موازنة العام المالي ٢٠٢٧/٢٠٢٦ بمبلغ ٢٥٤٫٦ ملیار جنیه (الھیئة المصریة العامة للبترول ١٫٦ ملیار جنیه، وضرائب الشریك الأجنبي ٩٦٫١ ملیار جنیه، ھیئة قناة السویس ١٣٧٫٥ ملیار جنیه، وباقي الھیئات الاقتصادیة ١٩٫٤ ملیار جنیه).

فحوى التعديلات

بحسب مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء، فإن وثيقة سياسة ملكية الدولة قبل إطلاقها، خضعت لحوار مجتمعي واسع، شارك فيه نحو 1000 خبير، كما طُرحت للمناقشة لمدة 3 أشهر، نظرًا لكونها تجربة مُستجدة.

وأكد المركز أن الوثيقة تتضمن بوضوح المجالات، التي ستخرج منها الدولة من النشاط الاقتصادي، مع تحديد صريح لأماكن تقليص دور الدولة داخل الاقتصاد، وتحقيق تكافؤ الفرص وتعزيز الحياد التنافسي بين الشركات المملوكة للدولة والقطاع الخاص، ورؤية حوكمة أصول الدولة في النشاط الاقتصادي.

وتتضمن الوثيقة نقل الأصول القابلة للإدارة الاستثمارية لجهات مركزية متخصصة وفي مقدمتها صندوق مصر السيادي، بما يرفع كفاءة الإشراف والإدارة، وإعادة تقييم تبعية الشركات المملوكة للدولة وفقا لطبيعة نشاطها، مثلها مثل الهيئات الاقتصادية.

محمد الجوهري، رئيس مركز أكسفورد للدراسات والبحوث الاقتصادية، يقول إن وثيقة ملكية الدولة الأولى التي صدرت في 2022 كانت إعلاناً عن نية الدولة في التخارج من بعض الأصول، أما التحديث الحالي فيوضح بشكل دقيق القطاعات، التي ستخرج منها الدولة نهائياً، والقطاعات التي ستستمر فيها، أو تشارك فيها مشاركة جزئية (أي الانتقال من مرحلة الإعداد للتنفيذ على الأرض)

الوثيقة تحصر التواجد المباشر للدولة بالمجالات، التي تتوافر فيها مبررات استراتيجية أو سيادية أو اجتماعية واضحة مع التخفيض المنهجي للتواجد في الأنشطة القابلة للمنافسة، التي تثبت قدرة القطاع الخاص على إدارتها بكفاءة، على أن تدار الأصول المتبقية، استنادا إلى معايير العائد والمخاطر والقيمة المضافة، بما يضمن تعزيز كفاءتها الاقتصادية وتحقيق أفضل استخدام لها.

يقول الجوهري، إن الدولة ستظل محتفظة بالقطاعات المتعلقة بـالأمن القومي والمرافق الاستراتيجية مثل (قناة السويس، السد العالي، شبكات الكهرباء الرئيسية، والسكة الحديد)، ولن يتم التخارج منها، مضيفا أن التخارج مدروس ومنظم بجدول زمني، على عكس برامج الخصخصة السابقة، التي افتقرت للتخطيط، حيث توجد الآن لجان لتقييم الأصول قبل طرحها.