تشهد معدلات الادخار المحلي تراجعًا مستمرًا بمصر، كانعكاس طبيعي لسياسة تخفيض سعر الصرف، التي أفقدت الجنيه الثقة، وتنامي النزعة الاستهلاكية لدى المصريين وتحوطهم من فقدان قيمة مدخراتهم بتحويلها لبضاعة فورية، بدلاً من الكاش.
رغم أن الادخار قضية اقتصادية شديدة الأهمية في العالم كله، لكنها في ذيل الأحاديث الاقتصادية بمصر منذ عقدين تقريبًا، قبل أن تتصدر المشهد فجأة موجة من الانتقادات العنيفة لشركات التمويل الاستهلاكي وتحذيرات من إضرارها بالادخار والتشجيع على الاستهلاك المفرط.
تحريك مياه الحديث عن الادخار وقف ورائه هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي CIB ومساعد محافظ البنك المركزي سابقًا، الذي حذر في لقاء تلفزيوني، من أن تنامي نشاط التمويل غير المصرفي قد يمثل تهديدًا للاستقرار الاقتصادي.
عز العرب حذر مما أسماه بـ”الشادو بانكنج”، أو نظام الظل المصرفي، وهي شبكة من المؤسسات والأنشطة المالية، التي تقدم خدمات تشبه البنوك مثل الإقراض والاستثمار، ولكنها تعمل خارج نطاق الرقابة التنظيمية الصارمة والقواعد، التي تخضع لها البنوك التجارية التقليدية.
حديث عز العرب استتبعه موجة من المقالات والتدوينات، التي تحدثت عن المخاطر الكبيرة لشركات التمويل الاستهلاكي وأضرارها على الاقتصاد، مع التركيز على “فجوة الادخار” وتراجع نسبة الادخار من 15% إلى 1% من الناتج المحلي خلال 10 سنوات.
تأتي تلك الموجة بعد إحصائيات الهيئة العامة للرقابة المالية، التي قالت إن قيم التمويلات الممنوحة من القطاع المالي غير المصرفي بنهاية عام 2025 بلغت 1.4 تريليون جنيه، بما يعادل حوالي 54% من إجمالي التمويلات الممنوحة من القطاع المالي المصري للقطاع الخاص والعائلي والأفراد الطبيعيين.
وأوضحت الإحصائيات بنهاية عام 2025، أن حجم محافظ أنشطة التمويل غير المصرفي بلغ حوالي 417 مليار جنيه، وتجاوز عدد العقود التمويلية 9.8 ملايين عقد، أما نسب التعثر فقد سجلت أقل من 3%.
وفقًا للرقابة المالية، وهي الجهة المسئولة عن مراقبة تلك الشركات وتولى رئيسها السابق د. محمد فريد وزارة الاستثمار حاليا لنجاحاتها في ذلك الملف، بلغ عدد عملاء تلك الشركات حوالي 64 مليون عميل أي 58% من إجمالي سكان مصر، بينما بلغ عدد عملاء البنوك 55 مليون عميل.
المشكلة في البنوك وليس الشركات
يلمح إيهاب سعيد، محلل سوق المال، إلى أن شركات التمويل أصبحت منافسا قويًا للبنوك؛ بسبب الإصرار على عدم طرح شهادات استثنائية لمدة عام، ما دفع الكثيرين للهروب من البنوك والاتجاه للصناديق بأنواعها سواء صناديق الأسهم أو الصناديق النقدية، التي تعطي فائدة قرب أسعار الأذون.
ظلت أذون الخزانة الدجاجة التي تبيض ذهبا للبنوك في مصر، فالحكومة أكبر مقترض بالسوق، وهي مضمونة السداد، لتحصل أموال المودعين، وتعيد استثمارها في أذون وسندات خزانة، تحصل من خلالها على عائد وصل في بعض الأحيان لـ 3% قبل خصم الضرائب.
توسعت البنوك العاملة بالسوق المحلية في إقراض الحكومة خلال عام 2025 بزيادة وصلت إلى 806 مليارات جنيه خلال التسعة أشهر الأولى من 2025 عن الفترة ذاتها من 2024، بإجمالي مبالغ 1.6 تريليون جنيه.
ارتفعت إجمالي أرصدة استثمارات الأذون القائمة إلى 5.2 تريليون جنيه بنهاية الربع الثالث من العام الماضي، مقابل 3.6 تريليونات جنيه بنهاية ديسمبر 2024، بزيادة بلغت 1.6 تريليون استحوذت البنوك العامة والخاصة وفروع البنوك الأجنبية على 50% منها تقريبًا.
يشير سعيد إلى أن البنوك تعطي فائدة 14% وفي الوقت ذاته تحصل على 20% فائدة من أذون الخزانة، لكن في الفترة الأخيرة الصناديق وشركات التمويل، بدأت تلتهم الكعكة ما أثر بشكل كبير على أرباح البنوك، مضيفًا أن التضخم وانهيار الجنيه جعل المواطنين لديهم استعداد لشراء أي شيء وتخزينه، باعتباره أفضل من الشهادات الثلاثية.
تضم مصر قطاعين ماليين أولهما المالي المصرفي الذي يضم 36 بنكاً تحت رقابة البنك المركزي، والثاني “غير مصرفي” يضم نحو 2500 شركة تمويل وتأمين تخضع لإشراف الهيئة العامة للرقابة المالية، وهو الذي يثير انتقادات حاليًا.
خلال الأسابيع الأخيرة، اتبع البنك المركزي نهجاً جديدًا في التعامل مع طروحات أذون الخزانة، ففي الجلسات الأخيرة، بات يرفض غالبية العروض المقدمة من البنوك، التي تطلب فيها فوائد مرتفعة على أدوات الدين الحكومية، ويقبل العروض الأقل حتى لو كانت أقل بكثير من المبالغ التي يستهدفها.
تراجع عنيف للادخار
معهد التخطيط القومي، يؤكد في دراسة صادرة منذ أيام، أن هناك مجموعة من التحديات الاقتصادية والتمويلية التي تسهم في اتساع فجوة الادخار، من أبرزها ضعف مساهمة القطاع الإنتاجي في توليد فوائض ادخارية، وارتفاع معدلات التضخم، بما يؤدي إلى تآكل الدخول الحقيقية، وتراجع فاعلية أدوات الادخار طويلة الأجل، فضلًا عن محدودية الشمول المالي، واتساع نطاق الاقتصاد غير الرسمي، إلى جانب تنامي النزعة الاستهلاكية على حساب معدلات الادخار.
وفقا للتقرير، فإن النزعة الاستهلاكية هي عنصر واحد من بين عناصر أخرى، وليست المتهم الوحيد، فالفجوة الادخارية ترتبط بعدد من العوامل الهيكلية المتداخلة، من بينها محدودية الفوائض القابلة للادخار داخل القطاع الإنتاجي، والضغوط التضخمية، التي تحد من القدرة الادخارية للأسر، وعدم قدرة بعض فئات المجتمع على الوصول للخدمات المصرفية، فضلًا عن استمرار الاعتماد على التعاملات النقدية واتساع الاقتصاد غير الرسمي، بما يحد من قدرة النظام المالي على تعبئة المدخرات.
المعهد يرى أن معالجة فجوة الادخار في مصر تتطلب تبني رؤية شاملة لإعادة توجيه النموذج التنموي نحو تعظيم الاعتماد على الموارد الذاتية، بما يسهم في دعم الاستدامة المالية، وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
تراجع الجنيه والتضخم.. سبب أساسي للمشكلة
تراجع الجنيه باستمرار جعل قطاع عريض من الأسر المصرية، يشتري سلع، لن يحتاجها في المستقبل القريب؛ خوفًا من ارتفاع أسعارها، حتى أن بعض الأسر اشترت مستلزمات الزواج من أجهزة وأثاث لفتيات ما زلن بالثانوية العامة، خوفًا من عدم قدرة مدخراتهم على شرائها بالمستقبل.
ربما كان ذلك سبب احتلال الأجهزة الكهربائية والإلكترونيات المركز الأول في البضائع، التي تمولها شركات التمويل الاستهلاكي بنسبة 17.9٪ من إجمالي التمويل بمبلغ 11.8 مليار جنيه، يليها شراء السيارات بنسبة 17.8٪ بمبلغ 11.75 مليار جنيه، ثم الأجهزة المنزلية المركز الثالث بنسبة 16.6٪ لـ 10.96 مليارات جنيه، تليها السلع الاستهلاكية بنسبة 14.4٪، بمبلغ 9.5 مليارات جنيه، بينما جاءت حصة الأثاث وتجهيزات المنازل بنسبة 3.1٪، بمبلغ 2.04 مليار جنيه.
يقول هاني توفيق، خبير المال والاستثمار، إن تدهور الادخار المحلي من 10 % إلى 1.5 % فقط في عامين يمثل كارثة، موضحا أن مصر يجب عليها استثمار ٢٠٪ سنويًا من الناتج المحلى للمحافظة على مستوى التشغيل والمعيشة أي ٤،٤ تريليونات جنيه (مليار دولار) بجانب جذب ٨٠ مليار منهم كاستثمار أجنبي مباشر.
اعتبرت بعض الدراسات معدل الادخار في مصر “عارًا قوميًّا”؛ حينما بلغ إجمالي الادخار (الإجباري والاختياري) 11% من الناتج المحلي لعام 2020، وبلغ معدل الادخار الاختياري من الناتج المحلي الإجمالي 0.0010% (1 في الألف) عن العام نفسه.
يُؤدي ارتفاع معدل الادخار إلى توفير مصاد تمويل كبيرة، تسمح باستغلال الفرص الاستثمارية، فالادخار أحد عنصري تكوين رأس المال (مجموعة الأموال، التي سبق إنتاجها، والتي تستخدم في عملية الإنتاج من أجل خلق المزيد من المنتجات بنوعيها الاستهلاكي والإنتاجي).
كما يقوم بدور رئيس في عملية النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ فالعلاقة طردية بين زيادة تكوين أو تراكم رأس المال وزيادة الطاقة الإنتاجية للدولة، ولمَّا كانت التنمية الاقتصادية عملية تتطلب تراكم رأس المال بمعدلات معينة؛ فإنَّ زيادة معدلات الادخار تُعَدُّ من الشروط اللازمة لزيادة معدل النمو الاقتصادي.
د. فاروق فتحي، الأستاذ بكلية التجارة جامعة طنطا، يطالب في دراسة حديثة برفع الادخار المحلي وتوجيهه للمشروعات الإنتاجية الأسرع والأكثر أمانا من أجل الوصول لزيادة المدخرات المحلية إلى %25 من الناتج المحلى الإجمالي.
يرى ضرورة إطلاق أوعية ادخارية متخصصة لأطفال دون الـ 16 عامًا، كما فعلت ألمانيا واليابان، ومواجهة الاكتناز السلبي والاستثمارات غير المنتجة كالمضاربة بأسعار الأراضي، والعقارات والذهب.
تتضمن الاتجاهات الحديثة، لتقليل فجوة الموارد المحلية في مصر، محاولة تقليل الاقتراض الحكومي وترشيد الإنفاق العام، للسيطرة على التضخم، ففي النهاية الادخار الخاص، لا يحدث إلا بوجود فائض لدى الأفراد عن احتياجاتهم، وبالتالي كلما كان التضخم مرتفعا، التهم مع ارتفاعه أي مبالغ فائضه من دخل المواطن.






