في القواميس والمعاجم يعود “الولاء” إلى مادة “ولي”، التي تعني القرب من حيث المكان والنسبة، والدنو، وما يترتب عليه من محبة وصداقة ونصرة. والبراء هو مادة “برأ”، وتعني المباعدة والمفارقة والمفاصلة والتنزه، والتقصي مما كُره مجاورته.
أما شرعًا، فهو من المسائل العقدية في الإسلام، ويعني “الولاء” في معناه المتداول، تقديم الانتماء للدين على كل انتماء، وما يتطلبه هذا من محبة الله ورسوله، ومحبة المؤمنين، ومناصرتهم، ومودتهم، والالتزام بالتضامن معهم، والانحياز إلى جانبهم في القضايا والأحداث العامة، وتقديم الانتماء للدين على كل انتماء، فيما يعني “البراء” التنصل والبراءة من الكفر والشرك وأهله، وعدم موالاة أعداء الدين، وبُغض ما يكرهه الله، ومن يعملون به، وكل ما يخالف عقيدة التوحيد، ورفض ارتكاب المعاصي والكبائر، وكل ما يخالف تعاليم الإسلام، والحرص على سلامة الاعتقاد.
ومن يحرصون على تبني “الولاء والبراء”، يعدونه ركيزة لتحديد الانتماء لـ”الأمة الإسلامية” وتحقيق التماسك الداخلي لأبنائها، وحماية هويتهم الدينية والثقافية، وصيانتها من الذوبان والتحلل، وفي الوقت نفسه، يرونه منطويًا على قواعد لمعاملة غير المسلمين، وتنظيم العلاقات معهم، والإقرار بحقهم في التمسك بدينهم، مع براء المسلم منهم، باعتبار هذا فطرة، لا بد من بقائها على وجه الأرض، ما دام ظَل الناس في خلاف واختلاف عقدي.
وليس البراء إذنًا بالكراهية المطلقة، أما الولاء، فهو إذن بالمحبة وارتباط روحي وفكري، وللاثنين ضوابطهما الشرعية وفق القرآن والسنة النبوية وعند المعتدلين من الفقهاء ومنتجي الخطاب الديني، وهي ضوابط تجعل الحب والبغض خالصين لله سبحانه وتعالى، ويكون الولاء تدرجًا في المحبة، تتفاوت بقدر ما يحمله الشخص من إيمان وتقوى، فيما لا يعني البراء إباحة الاعتداء أو الغدر أو الظلم لغير المسلمين، بل يتجلى في حسن معاملتهم، وفي الوقت نفسه لا يجب تكفير من يجهل العقيدة الإسلامية، ولا يُخرج من الإسلام إلا بأمر قطعي، فيما يبتغي تطبيق المفهوم بشقيه في الواقع المعاصر وجود حكمة ورحمة في إقامة العلاقات الاجتماعية، واتباع ظاهر الشرع في البر والإحسان، ومراعاة المبدأ الشرعي “لا ضرر ولا ضرار”.
وفي حياة البشر تتعدد أسباب الخلاف، وبعضها يزرع في النفوس بغضاء على خلفيات عدة، تولد أحقادًا طبقية ومهنية، وتخلق معاناة اجتماعية، لكن هذا يأخذ بعدًا أخطر، حين يلبس ثوب الاعتقاد الديني، فينظر إلى كراهية البعض للآخرين، على أنه تطبيق لـ”الولاء والبراء”، والالتزام به، بل يتوهم هؤلاء، أنهم يتقربون إلى الله بمثل هذا الشعور، وذلك التصرف، لا سيما لدى جماعات وتنظيمات سياسية إسلامية متشددة، تنظر إلى المجتمع، على أنه يعيش جاهلية، وترمي غير المسلمين بالكفر، وتجعل من حسن المعاملة أو التودد للمختلفين معها سياسيًا أوعقائديًا شكلاً من أشكال المداهنة والاستسهال والتنازل والتفريط في دين الله، وتخليا عن واجب مناهضة “الآخر”، الذي يجب البراء منه، بالجنان واللسان، بل والسنان، إن لزم الأمر.
وقد استغلت بعض هذه الجماعات، ما أتى القرآن على ذكره عن “الولاء والبراء”، فأفرطت في تأويله، دون النظر إلى الروح العامة للشرع والقيمة المركزية للإسلام المتمثلة في الرحمة، وأضافت إليه من كلام البشر، وتوسعت في تصوره، بما يخدم أفكارها ومصالحها ومنافعها، وأعطته اصطلاحًا جديدًا مثل “المفاصلة” عند سيد قطب، التي فتحت الباب واسعًا، أمام تنظيمات متشددة؛ كي تتبنى هذا التصور، فأودى بها إلى الإيغال في الانعزال والتكفير ثم القتل والتدمير.
فمع سيد قطب، أخذت فكرة الولاء والبراء صورتها الأكثر تطرفًا، فها هو يقول في كتابه “الظلال”: “إنه لا يجتمع في قلبٍ واحد حقيقة الإيمان بالله وموالاة أعدائه الذين يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم، فيتولون ويعرضون.. ومن ثم جاء هذا التحذير الشديد، وهذا التقرير الحاسم بخروج المسلم من إسلامه، إذا هو والى من لا يرتضي أن يحكم كتاب الله في الحياة، سواء كانت الموالاة بمودة القلب، أو بنصره، أو باستنصاره كذا.. ليس من الله في شيء لا في صلة ولا نسبة ولا دين ولا عقيدة، ولا رابطة ولا ولاية، فهو بعيد عن الله، منقطع الصلة تماماً.. وأول خطوة في الطريق هي تميز الداعية وشعوره بالانعزال التام عن الجاهلية تصورًا ومنهجًا وعملًا، الانعزال الذي لا يسمح بالالتقاء في منتصف الطريق، والانفصال الذي يستحيل معه التعاون إلا إذا انتقل أهل الجاهلية من جاهليتهم بكليتهم إلى الإسلام”.
ووفق هذا التصور، يقسم قطب البشرية إلى حزبين اثنين: حزب الله وحزب الشيطان، وإلى رايتين اثنتين: راية الحق وراية الباطل، ويقول: “إما أن يكون الفرد من حزب الله، فهو واقف تحت راية الحق، وإما أن يكون من حزب الشيطان، فهو واقف تحت راية الباطل، وهما صنفان متميزان لا يختلطان ولا يتميعان، ولا نسب ولا صهر، ولا أهل ولا قرابة، ولا وطن ولا جنس ولا عصبية ولا قومية، إنما هي العقيدة والعقيدة وحدها”.
وبهذا يكون قطب قد وضع حدًا فاصلًا بين من وصفهم بالمؤمنين، ومن هم في نظره ليسوا كذلك، ليعطي فرصة لبعض البشر، ممن اعتنقوا أفكاره، أن يحكموا على سائر الناس بالكفر أو الإيمان، وفي هذا تأله، أو منازعة لله في أمر لم يسنده لأحد من خلقه.
ولهذه المسألة جذور، أو مسار أولي، وإن كان أخف وطأة، لدى حسن البنا، إذ يقول في ركن التجرد من رسالة التعاليم: “أريد بالتجرّد أن تخلّص لفكرتك ممّا سواها من المبادئ والأشخاص، لأنّها أسمى الفكر وأجمعها وأعلاها.. والناس عند الأخ الصّادق واحدٌ من ستة أصناف: مسلم مجاهد، أو مسلم قاعد، أو مسلم آثم، أو ذمّي معاهد، أو محايد، أو محارب، ولكلٍّ حكمه في ميزان الإسلام، وفي حدود هذه الأقسام توزن الأشخاص والهيئات، ويكون الولاء والعداء”.
وقد تأثرت كثير من التنظيمات السياسية الإٍسلامية، التي تبنت العنف بتصور سيد قطب، وشكل الولاء والبراء ركنًا أساسيًا في أفكارها إلى جانب الحاكمية، وأديا معًا إلى حملها السلاح، ومخاصمة الدولة والمجتمع أحيانًا، بدعوى أنها لا تقوم على أساس إسلامي.
وقد لعبت مسألة الولاء والبراء دورًا بارزًا في تشكيل جماعة التكفير والهجرة أو جماعة المسلمين، كما سمت نفسها، بما جعلها تنتهج مبدأ التكفير لكل من ارتكب كبيرة وأصر عليها، من الحكام والمحكومين والعلماء، وقادها إلى أن تعتزل المجتمع، بدعوى أنه جاهلي.
وفي أوساط السبعينيات من القرن العشرين ألف أبو محمد المقدسي، وهو من غلاة ما تسمى بالسلفية الجهادية، كتيبًا عنوانه “ملة إبراهيم” صار مرجعًا للتكفيريين والمتشددين في مسألة الولاء والبراء إلى اليوم، وهو في نظره “أصل عظيم، وركن وثيق في دعوة الأنبياء والمرسلين، وشرع محكم، يرتكز على أصل دين الإٍسلام وقاعدته، ولو اجتمع أهل الأرض جميعًا لأجل رده وإبطاله، لما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا”. ويدعو من يصفهم بـ”أصحاب الدعوة” إلى أن “يقفوا من قومهم موقف المفاصلة الكاملة”، ويقول إن هناك “اختيارًا واحدًا. إما شريعة الله وإما أهواء الذين لا يعلمون. وليس هناك من فرض ثالث، ولا طريق وسط بين الشريعة المستقيمة والأهواء المتقلبة.”
وينظر المقدسي إلى من لا يمتثلون لتصوره، على أنهم “الخوارج المعاصرين”، وينهي عن الاقتراب من الحكام بأي شكل، ويصف من يقيمونه من هيئات لتنظيم معاش الناس، بأنها “روابط ومؤسسات الضرار”.
ويلخص المقدسي في مطلع كتابه تصوره كاملًا، حين يهديه “إلى الطواغيت في كل زمان ومكان. إلى الطواغيت حكامًا وأمراء وقياصرة وأكاسرة وفراعنة وملوكًا. إلى سدنتهم وعلمائهم المضلين. إلى أوليائهم وجيوشهم وشرطتهم وأجهزة مخابراتهم وحرسهم. إلى هؤلاء جميعًا نقول: (إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله) برآء من قوانينكم ومناهجكم ودساتيركم ومبادئكم النتنة. برآء من حكوماتكم ومحاكمكم وشعاراتكم وإعلامكم العفن. كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده.”
ويرى أن من أخص خصائص ملة إبراهيم وأهم مهامها: “إظهار البراءة من المشركين ومعبوداتهم الباطلة، وإعلان الكفر بهم وبآلهتهم ومناهجهم وقوانينهم وشرائعهم الشركية، وإبداء العداوة والبغضاء لهم ولأوضاعهم ولأحوالهم الكفرية، حتى يرجعوا إلى الله، ويتركوا ذلك كله، ويبرأوا منه، ويكفروا به.” ثم يعتبر أن هذا كله جوهر، يجب التمسك به، فينهي كتابه قائلًا: “هذا هو الطريق، فهل من رجال؟”
ويؤمن تنظيم القاعدة بهذه المسألة، الأمر الذي يتضح في كتاب الرجل الثاني فيه أيمن الظواهري المعنون بـ “الولاء والبراء عقيدة منقولة وواقع مفقود”، حيث جعل أيمن الظواهري من الولاء والبراء عقيدة قتالية أو عسكرية شاملة، إذ اعتبرها شرطًا أساسيًا للإيمان، وهو لا يكتفي بالموقف القلبي من هذه المسألة، بل يدعو إلى ترجمتها إلى عمل قتالي، يطلق عليه “الجهاد في سبيل الله”، ووفقها يتم تحديد من هو العدو، على أساس المفاصلة الشاملة بين “دار الإسلام” و”دار الحرب” ومعاداة الكافرين، وبغضهم أو ترك مودتهم، وعدم موالاتهم وتوليهم، أو اتخاذهم بطانة واطلاعهم على أسرار المسلمين، وكراهية غير المسلمين، أو بالأحرى كراهية الغرب.
ويوغل الظواهري في رؤيته هذه، فيزعم أن المسلمين أصبحوا في عداد المرتدين، وأن التاريخ شهد صراعًا محتدمًا بين قوى الكفر والطغيان والأمة المسلمة، وفيه أيضًا يكفر كل المتعاونين مع جيوش الدول العربية، التي لا تطبق الشريعة في نظره، فضلًا عن تكفير كل العاملين بأجهزة الأمن والقضاء، ومن يفرضون الدساتير، ويحكمون بالقوانين، التي يصفها بالوضعية.
إن موقف الجماعات والتنظيمات المتطرفة من قضية “الولاء والبراء” يقوم في الغالب الأعم، على فهم خاطئ، وتفسير متجاوز، وتأويل مغلوط، لبعض الآيات القرآنية، وفي مقدمتها هذه التي يقول فيها الله تعالى: (قد كانت لكم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برآء منكم وممّا تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتّى تؤمنوا بالله وحده).
ويتناسى هؤلاء المتطرفون قول الله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين أو يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)، ويتناسون أيضا قول الله: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُوا هو أقرب للتقوى).
وفي النقاش المعاصر الدائر حول مسألة “الولاء والبراء” تطرح عدة أسئلة من قبيل: أوجه الاختلاف بين هذه المسألة، كما جاءت في القرآن الكريم والسنة النبوية، وبين ما ورد في خطاب الجماعات المتطرفة، وكيف قامت هذه الجماعات على اختلاف تنظيماتها وأماكن نشاطها على تسييس هذه المسألة وإقحامها في الصراع الدائر بينها وبين الحكومات والمجتمعات؟ وما هي النتائج التي ترتبت على تبني المتطرفين لهذه المسألة؟ هذا ما نجيب عليه في مقال الأسبوع المقبل، إن شاء الله تعالى.






