سواء كان هذا المشروع اسمه الدلتا الجديدة أو غيره، وسواء كان مشروع عقاري أو صناعي أو زراعي، فإن معايير النجاح ليست في ضخامة حجم الانفاق على هذا أو ذاك، إنما في العائد الذي سيحققه، وهل سيمثل أولوية للشعب ويعوض ما أنفق عليه؟
ويعد هذا التوجه في الحديث عن الأرقام الضخمة لتكلفه المشاريع، واعتبارها دليل الجدية والنجاح دون الإشارة لدراسات الجدوى وعائد المشروع مشكلة حقيقية؛ لأنه يتجاهل المعايير التي على أساسها يمكن وصف هذا المشروع بأنه ناجح أم لا، فمثلا الحديث عن أن تكاليف إنشاء مشروع الدلتا الجديدة هي ٨٠٠ مليار جنيه، مما يعد دليلا على ضخامة المشروع وأهميته، ولكنه ليس دليلا على نجاحه، إلا إذا تم الحديث حول إمكانية أن تدر وتعوض هذه الأرض بعد استصلاحها ما أنفق عليها أو على الأقل أن العائد من هذا المشروع يتناسب مع المبالغ الهائلة التي أنفقت عليه، وقد يكون جانب منها عن طريق استدانة داخلية أو خارجية وأحيانا بفوائد مرتفعة.
والحقيقة، أن هذه الأسئلة البديهية غابت عند الحديث عن كثير من مشاريعنا العملاقة أو مدننا وأبراجنا الأضخم والأطول والأعرض لصالح “اللقطة الكبيرة”، واعتبرنا أن كم صرفنا وأنفقنا هي دليل نجاح المشروع وأهميته، وهو في الحقيقة غير صحيح.
إن التفاصيل التي ذكرتها أستاذة الاقتصاد المرموقة عالية المهدي، والتي لم تعترض على مشروع الدلتا الجديدة، إنما أضافت تساؤلات مشروعة، نعتبرها من شروط نجاح هذا المشروع، تتعلق بطبيعة المحاصيل الزراعية التي ستتم زراعتها، وماهي الإنتاجية المتوقعة للفدان في كل محصول؟ وما النسبة الإضافية التي ستضيفها المحاصيل المزروعة من احتياجات السكان؟ وكم سنقلل من المحاصيل المستوردة بالدولار؟ وما الحصيلة المتوقعة من التصدير بالدولارات خلال أول ثلاث سنوات من الزراعة؟ وطبعا هناك تساؤلات أخرى، تتعلق بالبشر الذي سيعملون في هذا المشروع، وأين سيسكنون؟ وهو سؤال لم نجب عليه بشكل كامل أو لم نحله بالنسبة مثلا لموظفي العاصمة الإدارية رغم المباني الضخمة والأبراج الشاهقة والمليارات التي أنفقت عليها، ولذا يصبح من المشروع أن يطرح فيما يخص مشروع الدلتا الجديدة تساؤلات حول عدد المزارعين المتوقع توفير فرص عمل لهم؟ وهل تم أو سيتم بناء خدمات من مدارس ومستشفيات وغيرها لمواطنين سيعيشون على 2.5 مليون فدان؟ وهو أمر يتطلب دراسات اجتماعية، وليس فقط دراسات في “الطوب والزلط”، وهو ما سبق ونسيناها في مشروع مدينة الأثاث في دمياط، وعرفنا أهميتها بعد أن أشار الرئيس، أن عادات أهل دمياط أن يعملوا في ورش أسفل منازلهم، لا أن يذهبوا لمدن بعيدة، مهما كانت ضخامتها.
مشروع آخر مثل المونوريل الذي كلف مليارات الدولارات لم تقدم دراسات تفصيلية حول جدواه، وهل سيغطي تكاليفه مع الوقت، وهل كانت هناك بدائل أفضل وأقل تكلفة، واستبعدت لأنها أقل ضخامة أو لأسباب غير معروفة؟
الحقيقة، أن معيار نجاح وفشل أي مشروع يكمن في مجموعة عوامل من بينها، ما ينفق عليه وتبدأ بجدواه الاقتصادية، ثم هل هذا المشروع يمثل أولوية لأغلب الناس، وسيستفيدون منه ويساهم في تحسين أحوالهم المعيشية؟ وهل العائد الذي سيحققه سيغطي تكاليف إنشائه؟
لم يكن الهدف من إنشاء السد العالي أن يكون أضخم سد في إفريقيا حتى لو كان كذلك، ولا أن يكون ما أنفق عليه من أموال هو معيار نجاحه، إنما لكونه أنقذ البلاد والعباد من محنتين كبيرتين في نحو نصف قرن، وهما الجفاف والفيضانات، وكانت ستكون نتائجهما مدمرة في حال حدوثهما.
أما المشاريع “البريمو” التي لها كثير من الحظوة والدعم، وهي المشاريع العقارية ومشاريع المدن والمنتجعات الجديدة من العاصمة الإدارية، مرورا بالعلمين إلى رأس الحكمة، وهي كلها مشاريع لا يوجد اعتراض مبدئي عليها، فقد بني كثير منها، وأصبحت في النهاية واقعا، ولكن من المهم الاهتمام بالمشاريع الأقل شهرة ورعاية، فكثير من المشاريع الكبرى مع الطرق والمحاور، تتابعها الرئاسة مباشرة وتتجاوز التعقيدات البيروقراطية والروتين الحكومي، وهو أمر جيد، في حين إنه يجب الاهتمام بالاستثمار في المجالات الأخرى وفي المشاريع المتوسطة التي لا تنال نفس الرعاية، وتتطلب كفاءة إدارية ودولة قانون تنظم وتساعد الدخول في مجال الاستثمار المنتج الذي بدونه، لن تحقق مصر التقدم المنشود.
لا يجب إلغاء ما تم بناؤه ولا شطب المدن والطرق والبنايات الضخمة أو الاستهانة بجهود من قاموا بها، لكن يجب أن نعلم أن النجاح الحقيقي سيكون في مشاريع منتجة، تدر عائدا اقتصاديا، ويستفيد منها الناس وتكون مبنية على دراسة جدوى، وكثير مما تنتجه يكون قابلا للتصدير. وقادرا على المنافسة.
علينا أن نستفيد من تجارب بلاد نامية، كانت في وضع اقتصادي أقل من مصر في الستينيات من القرن الماضي، وحققت تقدما اقتصاديا كبيرا بفضل خطط طموحة في الصناعة، بنيت على العلم ودراسة الجدوى، واهتمت بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وركزت على البشر قبل الحجر والعائد من المشروع، وليس حجم ما ينفق عليه.
المشاريع الناجحة تتطلب أن يكون أي حديث عما ينفق فيها مرتبط بعائدها، فلا حديث عن إنفاق دون حساب العائد والأرباح، وإن الاستثمار في تعليم الناس وتأهيل البشر أهم بكثير من الاستثمار في مباني المشروع أو في الطرق والمحاور المؤدية له، وهي كلها معايير المشروع الناجح.






