إذا صحت المعلومات المسربة عبر موقع “ميدل إيست آي” البريطاني وصحيفة “هآرتس” الإسرائيلية من اتجاه المحكمة الجنائية الدولية لاستصدار مذكرتي توقيف بحق الوزيرين المتطرفين “بتسلئيل سموتريتش” و”إيتمار بن جفير” فإننا أمام تطور سياسي بعيد الأثر في حسابات الصراع على الإقليم ومستقبله.
حسب التسريبات، فإن مذكرات التوقيف قد تضم ثلاث شخصيات أخرى، وزير الدفاع “يسرائيل كاتس”، ورئيسي الأركان السابق والحالي “هرتسي هليفي” و”إيال زاميرا” بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
رفضت المحكمة الجنائية الدولية تأكيد التسريبات، أو أنها توشك أن تأخذ هذه الخطوة في القريب العاجل.
التسريبات بحد ذاتها ضربة قاصمة لصورة إسرائيل، تبدد ادعاءاتها بأنها دولة ديمقراطية وحديثة، دولة عدالة وقانون، وأن جيشها هو الأكثر أخلاقية في العالم!
عندما تتهم دولة ما على هذا النحو الواسع في صفوف قياداتها العليا، فالمعنى إنها دولة مارقة لا تلتزم بأية قيمة إنسانية، ولا تعترف بأبجديات القانون الدولي الإنساني.
في سعي مباشر للتوظيف السياسي بادر “سيموتريتش” بعقد مؤتمر صحفي، أعلن فيه الحرب على المحكمة الجنائية الدولية.
حاول توظيف المعلومات المسربة لصالح حملته الانتخابية المتعثرة، حيث تشير استطلاعات الرأي العام في إسرائيل، إلى أن حزبه عاجز عن تجاوز نسبة الحسم، التي تتيح له دخول الكنيست في الانتخابات الوشيكة.
لم ينف التهم الموجهة إليه وأخطرها الإشراف المباشر على التهجير القسري في الضفة الغربية والفصل العنصري بحق الفلسطينيين وطرد مئات العائلات من أحيائهم ومنازلهم لبناء مستوطنات يهودية محلها.
اعتبر التهم الخطيرة مدعاة للفخر وتأكيد الثقة فيه، باعتباره المسؤول الأول عن التوسع الاستيطاني.
بالتوصيف القانوني الدولي، فإنها جرائم ضد الإنسانية.
لم يُفلت “بن جفير” بدوره تسريبات الجنائية الدولية دون توظيف سياسي مماثل، يضفي فيه على نفسه “صفة البطل الإسرائيلي”: “لن أتوقف عن قيادة سياسة حازمة ضد الإرهاب والإرهابيين وأعداء إسرائيل”.
إنه سباق سياسي وإعلامي.. أيهما أكثر تطرفا؟!
في نوفمبر (2024) أصدرت الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق “بنيامين نتنياهو” رئيس الوزراء الإسرائيلي و”يوآف جالانت” وزير دفاعه السابق بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
كان ذلك حدثا مزلزلا في وقته وسياقه.
تبدت قيمته في رسالته الأخلاقية والقانونية، أنه ليس هناك دولة فوق القانون، أو فوق المساءلة والعقاب، غير أن الولايات المتحدة وفرت غطاء حماية لجرائم الحرب الإسرائيلية.
استهانت وحدها بالجنائية الدولية، شككت في صدقيتها، وألمحت إلى إجراءات عقابية قد تتخذها ضدها.
كان ذلك استهتارا بالقانون الدولي، وأي اعتبار إنساني وتماهيا مع جرائم الحرب، التي استدعت مثول الدولة العبرية أمام محكمة العدل الدولية في نفس التوقيت بتهمة الإبادة الجماعية.
بقوة الترهيب الأمريكي عُطلت العدالة الدولية.
لم تصدر أية عقوبات على الدولة العبرية ولا حوسب مجرمو الحرب على جرائمهم ضد الإنسانية.
الحقيقة التي لا بد أن تقال إن الفلسطينيين لا يحاربون إسرائيل وحدها.
بأثر صدمة السابع من أكتوبر (2023)، كادت إسرائيل أن تفقد ثقتها في قدرة جيشها على الردع وكفاءة مؤسساتها الاستخباراتية والأمنية ومستقبل الدولة نفسها.
بدت على وشك الانهيار من الداخل لولا تدخل الولايات المتحدة لحمايتها من هزيمة استراتيجية، يصعب تدارك تداعياتها على المصالح الغربية في المنطقة.
كان ذلك على عهد الرئيس السابق “جو بايدن”.
الأمر الآن أسوأ بما لا يقاس انحيازا لإسرائيل باسم حقها في الدفاع عن نفسها، دون أن يكون للفلسطينيين أي حق يخولهم الدفاع عن وجودهم الإنساني فوق أرضهم المغتصبة.
في ظل “ترامب” توحشت القوة الأمريكية باسم السلام المدعى.
في تقرير لمجلس السلام، الذي أنشأه ويترأسه الرئيس الأمريكي “ترامب”، إلى مجلس الأمن الدولي، عزا تدهور الأوضاع في قطاع غزة وتعطل مشروع إعادة إعمارها لرفض “حماس” نزع سلاحها.
كل المسؤولية تتحملها “حماس”.. وكل المطالب تتلخص في نزع سلاح المقاومة.
إثر السابع من أكتوبر (2023)، ارتكب الجيش الإسرائيلي مجازر مروعة في غزة المحاصرة لاستعادة هيبته المهدرة، قطعت المياه والكهرباء وإمدادات الطعام، واستهدفت طواقم الإسعاف لعلها تنتقم مما لحقه من إذلال.
ثم تمادى في التقتيل والتجويع وتعذيب الأسرى إلى حدود استدعت سؤالا: أين العدالة الدولية؟!
رغم ذلك لم تنجح حتى الآن في تحقيق كامل أهدافها المعلنة في الحرب على غزة، لا اجتثت المقاومة الفلسطينية ولا استطاعت بالوقت نفسه، أن تفرض كلمتها على المقاومة اللبنانية.
السؤال طرح نفسه، من يحاسب إسرائيل على جرائمها الوحشية بحق الفلسطينيين العزل المحاصرين؟
بفعل فاعل في واشنطن عطلت العدالة الدولية.
بدا الرئيس العائد إلى البيت الأبيض “ترامب” أكثر توحشا وانحيازا من سلفه “بايدن”، ماضيا خلف حليفه “نتنياهو” إلى المستنقع الإيراني.
ما قيمة مذكرات التوقيف إذا لم تنفذ بالترهيب الأمريكي؟
الأثر الرمزي والأخلاقي للقرار الجنائي الدولي لا يمكن تحديه مهما طال الزمن.
فهو يؤكد عدالة القضية الفلسطينية وحق شعبها في اكتساب حريته فوق أرضه.
في جميع السيناريوهات لا يمكن إلغاء الأثر التاريخي النافذ، إسرائيل دولة “مارقة”، تتصور نفسها فوق القانون الدولي ومصانة من أي مساءلة عن جرائم الحرب التي ترتكبها.
قيمته في نزع أية مسوح، تنتسب لحق الدفاع عن النفس، أو أية ادعاءات تتهم فكرة العدالة الدولية بـ”العداء للسامية”، كأن إطلاق هذه التهمة الجاهزة تصريح دائم بارتكاب أبشع الجرائم دون عقاب.
فضلا أنه يتسق مع الغضب المتصاعد في أرجاء القارة الأوروبية، وداخل الولايات المتحدة نفسها ضد الهمجية الإسرائيلية المنفلتة من أي قيد، أو اعتبار.
تبدت آخر تجلياتها في أعمال القرصنة المسلحة داخل المياه الدولية على سفن وزوارق أسطول الصمود، الذي يحاول أن يبدي تضامنا رمزيا مؤثرا مع الضحية الفلسطينية المحاصرة.
لا يمكن للولايات المتحدة، المتراجعة في مكانتها الدولية، أن تتحدى قوة الضمير الإنساني إلى الأبد.
هناك لحظة ما ينكسر عندها ذلك التماهي مع العدوانية الإسرائيلية.
التسريبات بذاتها تثبت للأجيال الجديدة في الغرب صحة المواقف، التي اتخذوها في الدفاع عن الضحية الفلسطينية وحقها في المقاومة والحرية، كما تبدت في احتجاجات جامعات النخبة الأمريكية والغربية، وتوفر أساسا أخلاقيا قويا لمد جديد في موجات الغضب تضامنا مع القضية الفلسطينية العادلة.






