تشير المعطيات المتداولة حول مذكرة التفاهم الأمريكية- الإيرانية، إلى أنها تمثل إطاراً انتقالياً لاحتواء الأزمة وتهيئة الأرضية لتسوية مستقبلية.

وهي تنص على الفتح الفوري لمضيق هرمز واستئناف حركة الملاحة والشحن إلى مستويات ما قبل الحرب خلال ثلاثين يوماً، مقابل تعليق القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية ومنح طهران إعفاءً مؤقتاً، يسمح لها ببيع النفط لمدة ستين يوماً، مع إمكانية توسيع نطاق تخفيف العقوبات تدريجياً.

ووفقاً لما نقلته مصادر أمريكية ودبلوماسية، ونشرته وسائل إعلام منها “أكسيوس” وCNN، تمنح المذكرة مهلة، تمتد ستين يوماً للتفاوض حول اتفاق دائم، مع إمكانية تمديدها عند الحاجة، بالتوازي مع تمديد وقف إطلاق النار ليشمل الجبهة اللبنانية. وخلال هذه المدة يعاد فتح مسار الترتيبات الأمنية، والتفاوض حول البرنامج النووي، ضمن إطار تفاوضي لاحق أكثر تفصيلاً.

وتشير بنية التفاهم إلى أن مضيق هرمز وحرية الملاحة، يمثل نقطة الارتكاز العاجلة في أي تسوية محتملة، باعتباره العامل الأكثر إلحاحاً في دفع واشنطن وطهران نحو خفض التصعيد، قبل أي تفاهمات سياسية أوسع.

معضلة هرمز وبنية مذكرة التفاهم

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخميس 11 يونيو 2026 عن موافقة كافة الأطراف على مذكرة تفاهم، وبذلك وضع حداً مؤقتاً لأزمة جيو اقتصادية، امتدت آثارها إلى الاقتصاد العالمي.

لكن وسائل إعلام إيرانية قالت إن طهران لم توافق رسميا على نص مذكرة التفاهم، ما يعنى أن التفاوض مازال جاريا، ويعطي مساحة إضافية للتعديل قبل الإعلان الرسمي ونشر البنود بشكل كامل.

ويبدو أن الأزمة قيد الوصول إلى تسوية مؤقتة، بعد أشهر من الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز وتقييد الحركة فيه، عقب العملية الأمريكية– الإسرائيلية المنسقة في 28 فبراير 2026، وما تلاها من مواجهات.

 وقد تسبب الإغلاق في تعطيل جزئي لسلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً في النفط والغاز، مع انعكاسات مباشرة على استقرار الأسواق الدولية.

ومع المذكرة التي أعلنتها واشنطن، والتي قيل إنها تمت بتفاهمات مع أطراف أخرى مرتبطة بالصراع، في إشارة ضمنية الى دول الخليج والصين وروسيا، تتبلور معادلة، مفادها أن طهران استخدمت ورقة الجغرافيا والطاقة، ما دفع واشنطن إلى الانتقال من خيار الحسم العسكري إلى “صفقة ضرورة”، بدلاً من المقاربة التي كانت تميل إلى الحسم العسكري بالتنسيق مع إسرائيل في بداية التصعيد، والتي دفعت بها تل أبيب، وما زالت تطرحها خيارا مفضلا.

تشريح معضلة الإمدادات والإغلاق

شكل إغلاق مضيق هرمز تطبيقاً لعقيدة “الخنق الممنهج”، التي اعتمدتها طهران للضغط على بنية النظام المالي الغربي، دون الانخراط في مواجهة عسكرية شاملة، لا تملك أدواتها الفاعلة عسكريا، باستثناء هجمات على دول الخليج وإسرائيل.

وتبرز المعضلة في عدة مستويات مترابطة. أولها تعطيل الإمدادات، عبر استخدام إيران جيلًا جديداً من “الألغام الذكية الموجهة” والمسيّرات الانقضاضية منخفضة البصمة الرادارية، إلى جانب إعاقة الملاحة واحتجاز مئات السفن وناقلات النفط عند مداخل المضيق، وإعلان شركات الملاحة حالة “القوة القاهرة”، ما أدى إلى تجميد تدفق نحو 21 مليون برميل يومياً (قرابة 20% من الإمداد العالمي).

وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط إلى 126 دولاراً، وقد ارتفع مؤشر الإجهاد في سوق الدين السيادي الأمريكي بنسبة 28% ليصل إلى مستويات حرجة (108–115 نقطة)، ما أعاد طرح مسألة استدامة التمويل السيادي الأمريكي في ظل أزمة طاقة ممتدة.

وكان استهداف منشأة “رأس لفان” القطرية للغاز حدثا مؤثرا في مسار الأزمة، حيث أعلنت شركة “قطر للطاقة” حالة القوة القاهرة، ما أدى إلى انقطاع الإمدادات عن عواصم أوروبية وآسيوية مثل بلجيكا وكوريا الجنوبية.

وبذلك انتقلت الأزمة من نقص في الوقود إلى تهديد مباشر لشبكات الكهرباء والصناعات الثقيلة الأوروبية، مع ارتفاع حاد في أسعار الغاز وتراجع مستويات المخزونات، ما وسّع نطاق الأزمة من الطاقة إلى اقتصادات أوروبية .

إعادة تقييم الموقف الأمريكي

دفعت هذه التطورات، العسكرية والاقتصادية، صانعي القرار في إدارة ترامب، إلى مراجعة تقديراتهم، في ضوء تداخل اعتبارات عسكرية ولوجستية ومالية.

عسكرياً، أظهرت الأزمة استنزافاً سريعاً في الذخائر الدقيقة، إذ بلغ معدل استخدام صواريخ “توماهوك” 168 صاروخاً خلال 100 ساعة، مقابل إنتاج سنوي لا يتجاوز 90 صاروخاً، ما كشف فجوة هيكلية في القدرة على الاستمرار العملياتي. وقد أثار ذلك مخاوف تتعلق بالجاهزية الأمريكية في مسارح أخرى، خصوصاً في المحيط الهادئ أمام الصين، غير تأجيل تسليم صفقات بيع أسلحة.

وتزامن ذلك مع أزمة تمويل داخلية بعد رفض الكونجرس حزمة إضافية بقيمة 200 مليار دولار، إضافة إلى خلافات بين وزارة الحرب والقيادة العسكرية حول إعادة هيكلة القرار العسكري، وتراجع الدعم السياسي للديمقراطيين لتوسيع العمليات.

أما أوروبياً، فقد رفضت قوى رئيسية مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا الانخراط في تدخل عسكري مباشر، فيما فتحت عواصم أوروبية قنوات خلفية مع طهران لضمان أمن الملاحة، ما أدى عملياً إلى تفكك أي اصطفاف غربي موحد، وترك واشنطن منفردة ووحيدة في إدارة تبعات الأزمة.

مضيق هرمز وبنود مذكرة التفاهم

جاءت مذكرة التفاهم كترتيب يوازن بين متطلبات واشنطن الاقتصادية وشروط طهران الأمنية، مع جعل إعادة فتح مضيق هرمز جوهرها العملي والسياسي.

وتنص البنود المتعلقة بالمضيق على وقف فوري وشامل لجميع العمليات العسكرية البحرية في مضيق هرمز وخليج عمان وبحر العرب، مع بدء إزالة الألغام بعد التوقيع.

كما تقضي بإعادة فتح المضيق أمام جميع ناقلات النفط وسفن الشحن، وضمان حرية الملاحة الكاملة، مقابل التزام أمريكي بوقف العمليات الجوية والصاروخية والسيبرانية.

وتشمل الترتيبات كذلك إعادة صياغة وضع المضيق عبر تراجع إيران عن فرض رسوم عبور مباشرة، مقابل صيغة قانونية بديلة تحت عنوان “تأمين وسلامة الممرات المائية”، إضافة إلى ضمانات بعدم استهداف البنى التحتية النفطية لدول الخليج.

“الردع الجيو اقتصادي”

رغم نفي إيران التوصل إلى اتفاق نهائي، فإن إقرار المذكرة سيعكس تثبيت معادلة “الردع الجيو اقتصادي”، حيث نجحت طهران في فرض نفسها كفاعل قادر على التأثير في شريان الطاقة العالمي، رغم ما تكبدته من خسائر عسكرية ضخمة بجانب البنية التحتية والمنشآت الصناعية.

كما أظهرت الصين قدرة على إدارة الأزمة بهدوء عبر الحفاظ على مخزونها النفطي واستمرار تدفقات الطاقة، مع توسيع استخدام اليوان والعملات الرقمية في تسويات غير مباشرة، بما يحدّ من مركزية نظام البترو دولار، ودعمت طهران بشكل غير مباشر، وكذلك في مجلس الأمن .

أما أوروبا، فقد عززت موقعها كفاعل يسعى للاستقلال النسبي في إدارة الأزمات الأمنية بعيداً عن التصعيد العسكري الأمريكي، ورفضت الانخراط المباشر، وسعت لمرور سفنها في مضيق هرمز عبر تفاهمات مع طهران.

وتجد إسرائيل نفسها أمام تقييم غير مكتمل لنتائج المواجهة، إذ لم يتحقق هدف “تغيير النظام” في إيران أو تقويض قدراتها بشكل جذري، ما يعيد فتح احتمالات إعادة التموضع في مرحلة ما بعد التهدئة، لكن رهاناتها تكشف عدم صحتها مقابل قدرة إيران على شن هجمات محسوبة التكلفة، وهي أول مواجهة بين دول الاحتلال ودولة من عقود.

سيناريوهات ما بعد الاتفاق المحتمل

السيناريو الأول: الهدنة المسلحة والالتزام التكتيكي البارد (الأرجح)

يمثل هذا السيناريو المسار الأكثر واقعية، حيث يجري تنفيذ المذكرة، خاصة في شقها المتعلق بالملاحة، تحت ضغط أزمة الطاقة العالمية.

ويتيح هذا لطهران فرصة لإعادة بناء قدراتها الاقتصادية اذا استمر استقرار الوضع مستقبلا، ومن المرجح، أن تنخفض أسعار النفط تدريجياً في المدى المتوسط إلى ما دون 90 دولاراً.

وغالبا سيعود الصراع إلى مستويات “حرب رمادية” تشمل الفضاء السيبراني والاستخبارات والاغتيالات والعقوبات، مع إمكانية تطوير إطار إقليمي لإدارة أمن المضيق بمشاركة عُمان، وبرعاية ودفع صيني أوروبي وتوافق عربي، يسمح بحرية الملاحة ويحدد لإيران في نفس الوقت دخلا اقتصاديا تحت لافتة رسوم تأمين وخدمات ملاحة، وهي تسعى للتوصل إلى اتفاق مؤقت محدود في محاولة لتخفيف الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتحقيق الاستقرار في الداخل، مع تجنب تقديم تنازلات كبيرة بشأن برنامجها النووي.

السيناريو الثاني: التخريب الإسرائيلي

يفترض هذا السيناريو رفضاً إسرائيلياً ضمنياً لمسار التهدئة، عبر تنفيذ عمليات محدودة أو ضربات نوعية؛ تهدف إلى إحراج الإدارة الأمريكية، ودفع إيران إلى خرق الاتفاق وإعادة إغلاق مضيق هرمز، بما يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.

 ويستند هذا الاحتمال إلى استمرار التوتر حول البرنامج النووي الإيراني، وإلى إدراك إسرائيل، أن التهدئة قد تُعيد تشكيل ميزان القوى الإقليمي بطريقة غير مواتية لها، ويظهر لك مع قول بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي إن تل أبيب تتفهم المسار الأمريكي، لكنها لا تقبل أن تكون في وضع الضحية.