السيطرة دون هيمنة: كيف يلتهم كلُّ انتصارٍ عسكريٍّ شرعيةَ إسرائيل
انتهينا في المقال الأول إلى أنّ موقع إسرائيل الاقتصادي‑التكنولوجي ليس «هيمنةً» راسخة بل «اندماجٌ تابعٌ لوادي السيلكون الأمريكي ذو نتوءٍ وظيفيٍّ حاد»، مهدَّدٌ من قاعدته الاجتماعية بفعل الصدع الداخلي. غير أنّ للهيمنة وجهاً آخر لا يُقاس بالميزانيات ولا بصفقات الاستحواذ، هو وجهها الشرعي. فالقوة شيء، والقبول بها شيءٌ آخر؛ والدولة قد تملك أعتى أدوات الإكراه وتظلّ عاجزةً عن أن ينظر إليها جيرانها بوصفها قائداً مشروعاً. والسؤال الذي يفتتح هذا المقال: بعد أشهرٍ من اندلاع الحرب الأمريكية‑الإسرائيلية على إيران، بل بعد سنوات من حربها علي المنطقة الممتدة من 2023 حتي الآن هل أصبحت إسرائيل تقود إقليمها أم تُعطّله وتدمره فحسب؟ هل ربحت الموافقة أم اكتفت بالإكراه؟
للإجابة، نستعين بأداةٍ مفاهيميةٍ صاغها المفكّر الإيطالي أنطونيو جرامشي وطوّرها من بعده باحثون كرانجيت جوها وروبرت كوكس. فرّق جرامشي تفريقاً حاسماً بين أمرين كثيراً ما نخلط بينهما: «السيطرة»، أي القدرة على الإكراه والإيلام؛ و«الهيمنة»، أي القيادة بالرضا، والقدرة على جعل النظام يبدو طبيعياً ومشروعاً في أعين من يخضعون له. والفرق بينهما هو الفرق بين أن تُرغم الناس على الطاعة وأن تجعلهم يرونها صواباً.
وقد التقط رانجيت جوها الحالة التي تنهار فيها الموافقة وتبقى القوة، فسمّاها «السيطرة دون هيمنة»: قدرةٌ هائلةٌ على الإكراه يقابلها عجزٌ موازٍ عن انتزاع القبول. والأطروحة التي سنبرهن عليها هنا أنّ إسرائيل في 2026 تنزلق سريعاً إلى هذه الحالة بالذات في علاقتها بمحيطها، ولن نكتفي بقياس انهيار الشرعية في الخارج، بل سنتتبّع جذرها في الداخل.
ماذا تغيّر فعلاً منذ 28 فبراير 2026؟
في فجر السبت 28 فبراير 2026، شنّت إسرائيل والولايات المتحدة عملية «الغضب الملحمي»: نحو تسعمئة ضربةٍ في اثنتي عشرة ساعة، وفي مقدّمتها اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي مع نحو أربعين من كبار قادة النظام، ثم تدمير منظومات الدفاع الجوي والبنية الصاروخية. ردّت إيران بمئات الصواريخ الباليستية، وأغلقت مضيق هرمز، وضربت قواعد أمريكية في دول الخليج. وبحلول الثامن من إبريل أُعلن وقفٌ هشٌّ لإطلاق النار بوساطةٍ باكستانية، سرعان ما انخرق وأُعيد مراراً.
ما الذي يمكن قوله بثقةٍ بعد أشهر؟
ثلاثة أمور: أولاً، أنّ تغيير النظام في طهران لم يحدث رغم إعلان ترامب حدوثه؛ فقد خلَف خامنئي ابنه مجتبى، وتماسك النظام. ثانياً، أنّ إسرائيل لم تُحقّق «النصر الكامل» الذي وعد به نتنياهو، بل خرجت بمزيجٍ من نجاحٍ تكتيكيٍّ عميق وفشلٍ استراتيجيٍّ جزئي. وثالثاً، وهو الأهمّ، أنّ ملامح نظامٍ إقليميٍّ جديد بدأت تتكشّف؛ نظامٌ لا يقوده أحد، تتنازع فيه القوى من دون أن تحظى أيٌّ منها بشرعيةٍ شاملة. وهذه الملاحظة الثالثة هي مفتاح المقال كله.
التفوّق المادي حقيقيٌّ لكنه مُعارٌ وهشّ
من الإنصاف التحليلي أن نُسجّل ما أنجزته إسرائيل عسكرياً منذ طوفان الأقصى 2023 بدقّةٍ لا بمكابرة: تفكيك بنية حماس القتالية في غزة، واغتيال حسن نصر الله وعموم القيادة العسكرية لحزب الله في 2024، واحتلال أراضي في سوريا ولبنان وغزة، وابتلاع الضفة استيطانيا، وتدمير الجزء الأكبر من برنامج إيران الصاروخي والنووي مع قتل مرشدها. هذه إنجازاتٌ عسكريةٌ لا يستطيع أيُّ محلّلٍ جادٍّ أن ينكرها أو يُهوّن منها.
لكن خلف هذا «النصر» تكمن هشاشةٌ بنيويةٌ جوهرية: إنّ التفوّق الإسرائيلي ليس ذاتياً بالكامل، بل مُعارٌ في جزءٍ حاسمٍ منه. فقد كشفت صحيفة واشنطن بوست، استناداً إلى وثائق وزارة الدفاع الأمريكية، أنّ الولايات المتحدة أطلقت دفاعاً عن إسرائيل أكثر من مئتي صاروخٍ اعتراضيٍّ من طراز THAAD -أي قرابة نصف مخزون البنتاجون- وأكثر من مئة صاروخٍ من طرازَي SM-3 وSM-6 (Washington Post-2026). وقدّر معهد RUSI أنّ نحو 81% من مخزون منظومة ارو Arrow الإسرائيلية قد استُنزف فعلاً خلال أسابيع وكان في طريقه إلى النفاد الكامل (RUSI-2026)، فيما خلص تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS إلى أنّ إعادة بناء هذه المخزونات الأمريكية ستحتاج ما بين سنةٍ وأربع سنوات (CSIS-2026).
هذه الأرقام تُعيد أطروحة «إسرائيل القوة المنتصرة» إلى حجمها الحقيقي، فنحن لسنا أمام قوةٍ مستقلةٍ لا تُقهر، بل أمام ذراعٍ ردعيةٍ متفوّقة تعمل داخل منظومةٍ إمبراطوريةٍ أمريكية باهظة الكلفة، تُستهلك ذخائرها أسرع مما يُعاد إنتاجها. والفرق بين الصورتين هو الفرق بين قوةٍ تكتب مصيرها وقوةٍ معلّقةٍ بقرار راعيها وبمخزون ترسانته.
ويضاف إلى ذلك بُعدٌ داخليٌّ يضاعف الهشاشة؛ فالقدرة الإكراهية ذاتها تستند إلى عقد «الجيش‑المجتمع» الذي يجعل الإسرائيلي العادي مستعداً للخدمة الاحتياطية المتكرّرة، وهو عقدٌ تصدّع من جهتين متعاكستين. فمن جهةٍ، هدّد آلافٌ من جنود الاحتياط -وفي مقدّمتهم طيّارون وضباط نخبة- بوقف خدمتهم احتجاجاً على مشروع إضعاف القضاء عام 2023، في سابقةٍ كشفت أنّ الجاهزية القتالية مشروطةٌ بإجماعٍ داخليٍّ لم يعد قائماً (تقارير الصحافة الإسرائيلية-2023)؛ ومن جهةٍ أخرى، تتوسّع كتلةٌ سكانيةٌ متسارعة النمو خارج منظومة التجنيد كلياً، فيتحمّل العبء جمهور علماني يتناقص وزنه ويتزايد إرهاقه.
القدرة على الإكراه، إذاً، ليست معطىً بنيوياً ثابتاً، بل رصيد بشري‑معنوي يستنزفه الصدع الداخلي بقدر ما تستنزفه الحرب.
انهيار الشرعية: حين يصبح الرأي العام بنيةً مقيِّدة
وإذا كان البُعد المادي يكشف هشاشةً مستترة، فإنّ البُعد الشرعي يكشف انهياراً صريحاً. فعلى الصعيد القانوني الدولي، قبلت محكمة العدل الدولية دعوى جنوب إفريقيا في ديسمبر 2023 وأصدرت سلسلة إجراءاتٍ تحفّظية، وانضمّت حتى مارس 2026 ثماني عشرة دولةً بإعلانات تدخّلٍ لصالح القضية (محكمة العدل الدولية-2026). ولا تزال مذكّرتا الاعتقال الصادرتان عن المحكمة الجنائية الدولية بحقّ نتنياهو وجالانت في نوفمبر 2024 ساريتين (المحكمة الجنائية الدولية-2024)، فيما خلصت لجنة تقصّي الحقائق الأممية في سبتمبر 2025 إلى أنّ ما جرى في غزة يرقى إلى «إبادةٍ جماعية» (الأمم المتحدة-2025).
وعلى صعيد الاعتراف بفلسطين، بلغ عدد الدول المعترفة 157 من أصل 193 بحلول أواخر 2025، بعد التحاق بريطانيا وكندا وأستراليا وفرنسا وبلجيكا ودولٍ أخرى بموجة الاعتراف، وتوالت إجراءاتٌ حكومية غربية: عقوباتٌ على الوزيرين بن جفير وسموتريش، وحظر أسلحةٍ من إسبانيا وسلوفينيا، وتعليقٌ ألمانيٌّ مؤقت للتصدير. وهذه ليست مجرّد «علاقاتٍ عامة» سيئة كما يحلو لبعض المحللين الإسرائيليين أن يقلّلوا من شأنها، بل تفكّكٌ تدريجيٌّ لشبكة الموافقة التي قامت عليها المكانة الإسرائيلية في الغرب طوال عقود. والدالّ هنا أنّ العقوبات الغربية لم تُوجَّه إلى «إسرائيل» ككتلة، بل إلى وجهٍ بعينه من وجوهها: رأسَي الكتلة المسيانية‑الاستيطانية الصاعدة. وهذا التمييز هو في ذاته اعترافٌ ضمنيٌّ بأنّ الفاعل الإسرائيلي ليس موحّداً؛ فالعالم بدأ يقرأ إسرائيل كفاعلٍ متصدّع.
غير أنّ أعمق ما في أزمة الشرعية ليس قرارات المحاكم ولا بيانات الوزارات، بل تحوّلٌ في وعي الجماهير يصعب التراجع عنه، لأنه يتسلّل إلى الأجيال لا إلى اللحظات. فاستطلاع مركز بيو Pew الدولي (2025، أربعٌ وعشرون دولة) وجد أنّ 62% ينظرون إلى إسرائيل سلباً مقابل 29% إيجاباً (Pew-2025). والأخطر أنّ التحوّل بلغ قلب الراعي نفسه: ففي مارس 2026 كشف Pew أنّ ستةً من كلّ عشرة أمريكيين باتت نظرتهم إلى إسرائيل سلبية، وأنّ 70% من الأمريكيين دون الخمسين سلبيون تجاهها (Pew-2026). وفي مايو 2026، صنّف مؤشر Nira Data، المستند إلى نحو ستةٍ وأربعين ألف مستجيب في 129 دولة، إسرائيلَ الدولةَ الأكثر سلبيةً في تصوّر العالم، متقدّمةً على كوريا الشمالية وأفغانستان (Nira Data-2026).
أمّا في العالم العربي فالصورة أحدّ: كشف المؤشر العربي في إصداره التاسع (أربعون ألفاً ومئةٌ وثلاثون مستجيباً في خمس عشرة دولة) أنّ 87% يعارضون الاعتراف بإسرائيل، وأنّ 44% يحدّدونها التهديد الأول للأمن العربي مقابل 6% فقط لإيران (المركز العربي-2026). هذه ليست أرقاماً عابرة، بل بنية مقاومةٍ هيكلية تقيّد أيدي الحكومات وتُضيّق هامش مناورتها التطبيعية.
الأزمة العضوية في الداخل: حين تتصدّع الكتلة المؤسِّسة
ولا يكتمل تشخيص أزمة الشرعية الخارجية ما لم نهبط إلى جذرها الداخلي. فالمفارقة أنّ الداخل الإسرائيلي نفسه ليس متماسكاً كما يبدو في لحظة الالتفاف حول الحرب؛ فاستطلاع معهد الديمقراطية الإسرائيلية في مارس 2026 أظهر أنّ 93% من اليهود أيّدوا العملية على إيران، لكنه أظهر في الوقت ذاته أنّ 64% يرون أنّ نتنياهو يجب أن يستقيل تحمّلاً لمسؤولية السابع من أكتوبر، وأنّ 58% يقولون إنّ إسرائيل غير محترمةٍ دولياً (IDI-2026).
إنها صورة مجتمعٍ يلتفّ حول قوّته العسكرية بينما يستشعر، في قرارته، أنّ العالم ينصرف عنه.
إنّ ما تشهده إسرائيل منذ 2023 ليس استقطاباً سياسياً عادياً بين يمينٍ ويسار، بل هو ما يصفه التحليل الجرامشي بـ«الأزمة العضوية»: تفكّكٌ في الكتلة الاجتماعية التي أسّست الدولة وقادتها. فالكتلة الصهيونية‑ العلمانية الأشكنازية، التي صاغت مؤسسات الدولة الكبرى -المحكمة العليا، الجيش النظامي، الجامعات، رأس المال التكنولوجي- وأنتجت سرديةً جعلت حكمها يبدو حكماً للأمة كلها، فقدت تدريجياً قدرتها على إنتاج الإجماع؛ فيما صعدت كتلةٌ مضادة، تحالفٌ بين الصهيونية الدينية والأحزاب الحريدية والمستوطنين، أوصلت إلى الحكم عام 2022 أكثر الحكومات يمينيةً ودينيةً في تاريخ إسرائيل. ومشروع «الإصلاح القضائي» لم يكن سوى التعبير المؤسسي عن هذا التحوّل. هو محاولة كتلةٍ صاعدةٍ لإزاحة الحارس المؤسسي الذي ظلّ يحرس قيم الكتلة القديمة.
والدلالة الأعمق أنّ هذه الأزمة الداخلية هي المحرّك الخفي لانهيار الشرعية الخارجية. فالكتلة الصاعدة يقوم تماسكها الداخلي على وعدٍ بضمّ الضفة الغربية وتعميق الاستيطان وإغلاق أفق الدولة الفلسطينية. ومن هنا فإنّ السياسات التي تُدمّر شرعية إسرائيل الإقليمية والدولية- الضمّ، التهجير، شعار «إسرائيل الكبرى» …- ليست أخطاءً تكتيكية يمكن لقائدٍ عاقل أن يتراجع عنها، بل هي ثمن التماسك الداخلي للكتلة الحاكمة؛ فالتنازل عنها يعني انهيار الائتلاف.
وهكذا يصبح الصدع الداخلي هو الذي يُغلِق، من الداخل، باب الخروج من أزمة الشرعية الخارجية؛ فالكتلة التي تملك القرار اليوم هي بالضبط الكتلة التي يستحيل عليها بنيوياً أن تقدّم الأفق السياسي الذي وحده يستطيع وقف نزيف الشرعية.
هذه هي العقدة المفرغة التي تربط داخل إسرائيل بخارجها: أزمةٌ في الداخل تُنتج سياساتٍ تُعمّق العزلة، والعزلة تُعمّق الاستقطاب الداخلي، في حلقةٍ تتغذّى على نفسها.
السيطرة لا القيادة
الاختبار الأقسى للهيمنة سؤالٌ واحد: من يكتب قواعد النظام الإقليمي الجديد؟ والجواب يُحرج أطروحة «إسرائيل المهيمنة». فالتطبيع السعودي ظلّ مرفوضاً، إذ أكّدت الرياض أنها لن تطبّع إلا عبر مسارٍ لا رجعة فيه نحو دولةٍ فلسطينية، حتى خلص معهد INSS الإسرائيلي نفسه إلى أنّ التطبيع «خارج الطاولة حالياً» (INSS-2026). ووقف إطلاق النار في غزة فُرض على إسرائيل لا منها، حين ضغط ترامب باتجاه الهدنة ضدّ شعار «النصر الكامل»، ومذكرة الاتفاق الأمريكي الإيراني الذي سيعلن صباح اليوم، وإن راعى المصالح الإسرائيلية، إلا أنه غلبت عليه إرادة ترامب أكثر من رغبة نتنياهو، وتعدّدت الوساطات الإقليمية- باكستان ومصر والأردن وعُمان وتركيا وقطر- من دون أن تمرّ أيٌّ منها عبر إسرائيل. والنتيجة أنّ إسرائيل تستطيع تعطيل أو تدمر أيِّ مشروعٍ إقليميٍّ لا يعجبها، لكنها لا تستطيع فرض مشروعها هي. وهذه قدرةٌ تعطيليةٌ لا قيادية: تستطيع أن تمنع لكنها لا تبني، وأن تُخيف وتدمر لكنها لا تُقنع.
ولكي نفهم جذر هذه المعادلة، علينا العودة إلى السابع من أكتوبر 2023، الذي كشف فشلاً تأسيسياً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية فولّد إصراراً على إعادة بناء الردع بعنفٍ مفرط أو على حد قول أحد المحللين “عقيدة التدمير الإسرائيلي”؛ إذ صاغتها مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات FDD بوضوحٍ حين رأت أنّ إسرائيل بحاجةٍ لأن «تبدو قوية» وإلا فقدت احترام الدول (FDD-2024). غير أنّ استعادة الردع بهذا الثمن تحوّلت إلى ما يصفه باحثو مؤسسة كارنيجي بـ«المفارقة المركزية»: كلما زادت إسرائيل من قدرتها على الإكراه، تآكلت قدرتها على القيادة (Carnegie-2026). فحملة غزة أعادت الردع لكنها فجّرت قضية الإبادة؛ وحرب لبنان كسرت حزب الله لكنها أعادت إنتاج رواية المقاومة؛ وحرب إيران اغتالت قيادةً بأكملها لكنها جعلت غالبية العرب يرون إسرائيل التهديد الأكبر.
كلّ انتصارٍ عسكري، بهذا المعنى، يُنتج هزيمةً شرعيةً مقابلة.
ويضيف التحليل الداخلي طبقةً أعمق: فالإفراط في الإكراه ليس مجرّد خيارٍ عقائدي، بل هو أيضاً الوظيفة الوحيدة التي يجتمع عليها طرفا الصدع الداخلي؛ ففي لحظة الانقسام، يصبح العدو الخارجي أداةَ توحيدٍ مؤقتة للكتلة المتصدّعة. وهكذا يدفع الصدع نحو مزيدٍ من الإكراه الغاشم لأنه يفتقر إلى مشروعٍ توحيديٍّ آخر.
ومن أبلغ تجلّيات هذه المفارقة أنّ الهزائم العسكرية لخصوم إسرائيل تحوّلت في الوعي الجماهيري إلى مكاسب رمزية: «صمود» غزة رغم عشرات الآلاف من الضحايا، و«بقاء» حزب الله رغم تفكيك قيادته، و«نجاة» النظام الإيراني رغم اغتيال مرشده.
ومع ذلك، فإنّ النضج التحليلي العربي يقتضي حذراً مزدوجاً: فلا يصحّ من جهةٍ إنكار هذا التحوّل الرمزي، ولا يصحّ من جهةٍ أخرى الانزلاق إلى «لغة النصر المعنوي» التعزويّة التي تستبدل بالواقع المؤلم سرديةً تعويضية. إنّ الخسائر الاستراتيجية الكارثية التي مُني بها خصوم إسرائيل حقيقةٌ لا يُلطّفها أيُّ صمودٍ رمزي؛ والمعنى لا يُعوّض الميدان، بل يُمهّد له إن اقترن ببناء قوةٍ ذاتية.
خلاصة: سيطرةٌ بلا هيمنة يغذّيها صدعٌ داخلي
تتجاوز الصورة الناتجة الثنائية المريحة بين «إسرائيل انتصرت» و«إسرائيل هُزمت». فقد ميّز جرامشي بين ثلاث حالاتٍ لممارسة السلطة: الهيمنة الكاملة حيث يُسند الإكراه إلى موافقةٍ واسعة فتُخفيه؛ والهيمنة المتآكلة حيث تنخفض الموافقة فتتزايد الحاجة إلى الإكراه؛ ثمّ «السيطرة دون هيمنة» حيث تنهار الموافقة كلياً فتصبح السلطة عاريةً مكشوفة. وإسرائيل في 2026 ليست في الحالة الأولى ولا الثانية، بل انزلقت سريعاً إلى الثالثة في علاقتها بمحيطها حيث لا أحد يقبل قيادتها، والكلّ يخشى إكراهها.
والإضافة التي تقدّمها قراءتنا أنّ أزمة الهيمنة هذه ليست خارجيةً فحسب، بل مزدوجة: أزمة هيمنةٍ في علاقة إسرائيل بإقليمها، تتغذّى على أزمة هيمنةٍ في داخلها بين كتلتها المؤسِّسة القديمة وكتلتها الصاعدة. وما لم تُحلّ الأزمة الداخلية، وهي عصيّةٌ على الحلّ القريب، فإنّ الأزمة الخارجية مرشّحةٌ للتفاقم لا للانفراج.
ويبقى أن ننقل السؤال من سماء الشرعية الدولية والإقليمية إلى الأرض الإقليمية حيث تُرسم الخرائط فعلاً، وهنا يثار السؤال التالي: هل أصبحت إسرائيل العقدةَ التي تُبنى الشبكة من حولها، أم العائق الذي تُبنى الشبكة رغما عنه؟ ذلك هو موضوع المقال الثالث.
الهوامش والمصادر
- Gramsci, Antonio (1971). Selections from the Prison Notebooks (دفاتر السجن)، ترجمة وتحرير Q. Hoare & G. Nowell-Smith. London: Lawrence & Wishart.
- Guha, Ranajit (1997). Dominance without Hegemony: History and Power in Colonial India. Cambridge, MA: Harvard University Press.
- Cox, Robert W. (1983). “Gramsci, Hegemony and International Relations: An Essay in Method.” Millennium: Journal of International Studies, 12(2).
- Washington Post (2026). تقرير عن استخدام الولايات المتحدة منظومات THAAD وSM-3/SM-6 دفاعاً عن إسرائيل، استناداً إلى وثائق وزارة الدفاع الأمريكية، مايو 2026.
- RUSI — Royal United Services Institute (2026). Over 11,000 Munitions in 16 Days of the Iran War، مارس 2026.
- CSIS — Center for Strategic and International Studies (2026). تحليل استنزاف المخزون الدفاعي الأمريكي، نقلته CNN في أبريل 2026.
- محكمة العدل الدولية / ICJ (2023–2026). دعوى جنوب إفريقيا والإجراءات التحفّظية وإعلانات التدخّل تحت المادة 63.
- المحكمة الجنائية الدولية / ICC (2024). مذكّرتا الاعتقال بحق بنيامين نتنياهو ويوآف جالانت، نوفمبر 2024.
- الأمم المتحدة — لجنة تقصّي الحقائق المستقلة (2025). تقرير سبتمبر 2025 حول الأوضاع في غزة.
- تقارير الصحافة الإسرائيلية (2023). تغطية تهديد جنود الاحتياط بوقف الخدمة احتجاجاً على التعديلات القضائية (Times of Israel / Haaretz).
- Pew Research Center (2025). استطلاع دولي حول النظرة إلى إسرائيل، 24 دولة، يونيو 2025.
- Pew Research Center (2026). استطلاع الرأي الأمريكي حول إسرائيل، مارس 2026.
- Nira Data (2026). Country Perception Index 2026، نحو 46,667 مستجيباً في 129 دولة، مايو 2026.
- المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2026). المؤشر العربي (الإصدار التاسع)، 40,130 مستجيباً في 15 دولة عربية.
- معهد الديمقراطية الإسرائيلية / IDI (2026). استطلاع الرأي العام الإسرائيلي، مارس 2026.
- INSS — معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (2026). تقريرا التطبيع السعودي و«التحوّل البنيوي في نهج السعودية تجاه إسرائيل».
- FDD — Foundation for Defense of Democracies (2024). تحليل العقيدة الأمنية الإسرائيلية وإعادة بناء الردع، سبتمبر 2024.
- Carnegie Endowment for International Peace (2026). تحليل «المفارقة المركزية» لما بعد طوفان الأقصى






