كلما حلت ذكرى (5) يونيو (1967)، تبدأ على الفور سجالات صاخبة حول سؤالين:
من يتحمل مسؤولية الهزيمة العسكرية الفادحة؟ وهل كانت تظاهرات (9) و(10) يونيو “مسرحية” لإعادة “جمال عبد الناصر” إلى السلطة، بعدما أعلن تنحيه؟
تكاد الحقائق أن تغيم أمام موجات الهجوم الضارية على “عبد الناصر”، إرثا ومشروعا، كأن أحدا غيره لم يحكم مصر.
لماذا “عبد الناصر” دون غيره؟
لأنه قاد التجربة الوحيدة في التاريخ المصري الحديث، التي ألهمت المنطقة كلها مشروعا للتحرر والعدل الاجتماعي واستقلال القرار الوطني.
المشروع في عين الاستهداف حتى لا يكون ممكنا التطلع إلى قيمه وخياراته مستقبلا، أو استلهام فكرة المقاومة والتحدي للقوى المهيمنة على النظام الدولي، التي مثلها في النصف الثاني من القرن العشرين أكثر من أية تجربة سياسية أخرى.
كان رأي “عبد الناصر” أن النظام الذي يفشل في صيانة التراب الوطني، لا يحق له البقاء.
في لحظة الهزيمة تقوضت الشرعية وسقط نظامه، غير أنه تبدت في تظاهرات (٩) و(١٠) يونيو شرعية مستأنفة، رفضت تنحيه وطالبته بإزالة آثار العدوان.
لم يسبق لأمة مهزومة ومجروحة في كبريائها الوطني، أن راهنت على قائدها المهزوم، باعتباره أملها في رد اعتبارها وتحرير أراضيها التي احتلت.
بأي قياس تاريخي فإنه حدث استثنائي.
المفاجأة أخذت “عبد الناصر” نفسه، الذي كان يتصور أن تُنصب له المشانق في ميدان التحرير.. لا أن تخرج الملايين تعرض المقاومة وتطالبه بالبقاء.
لا تضاهي تظاهرات (٩) و(١٠) يونيو سوى جنازته بعد ثلاث سنوات.
باليقين، فإنه المسؤول الأول عن الهزيمة العسكرية الفادحة بحكم منصبه والثقة العامة فيه.
هو نفسه اعترف بهذه المسؤولية، لم يتهرب منها ولا أنكرها، وقام بمراجعتين جوهريتين، حاول أن يصحح بهما أسباب الهزيمة.
الأولى، عملت على إعادة بناء القوات المسلحة من تحت الصفر، بإسناد المناصب القيادية فيها على أسس الكفاءة والاحترافية داخلا في حرب استنزاف طويلة، أطلق عليها حرب الثلاث سنوات، وقد كانت بروفة عبور الجسور في أكتوبر.
والثانية، عملت على تصحيح أوجه الخلل في بنية النظام السياسي، التي سهلت تقويضه، وقد بدا فيها حادا في نقده لطبيعة النظام السياسي، لكن الوقت لم يفسح أمامه لإتمام مهمة تصحيحه كاملا.
قراءة حوادث التاريخ المفصلية تكتسب ضروراتها من تحديات الحاضر؛ للنهوض لمواجهتها بدلا من الوقوع في دوامات اليأس والتيئيس وثقافة الهزيمة، كأنها قدر لا مفر منه.
إثر (5) يونيو نهضت الوطنية المصرية لمواجهة العدوان عليها.
هذه حقيقة كبرى، مؤكدة وثابتة، لكنه يجري القفز فوقها، كأنها لم تحدث!
إنها ثقافة تكريس الهزيمة.
نقد أسبابها شيء، وتكريسها في الوجدان العام شيء آخر تماما.
لم يكن ممكنا لمصر، أن تتماسك وتعود في غضون أيام قليلة إلى ميادين القتال لولا مظاهرات (9) و(10) يونيو، التي سادتها روح التحدي، ورفض الهزيمة: “هنحارب”.
التشكيك في تظاهرات يونيو إهانة، لا تغتفر للشعب المصري وجريمة تاريخية متكاملة الأركان.
بتعبير الشاعر الفلسطيني الكبير “محمود درويش” في نص نثري، كتبه يوم تنحي “عبد الناصر”، وهو يرقب من مخبأه هيستريا الفرح، التي غمرت الإسرائيليين يومها:
“لقد سقط عبد الناصر. الرمز والصوت والأمل. خبر صغير في حجم الموت. ثلاثة شبان من الناصرة، توقفت قلوبهم وماتوا. قرى الصعيد والأقاليم تزحف إلى القاهرة؛ لتعيد عبد الناصر إلى الوقوف. كيف يكون الرمز في حجم الوطن؟ لأن بقاء الرمز يبعث الأمل باستعادة الوطن”.
وبتعبير المفكر اليساري المصري “غالي شكري”، فإن هناك يومين استثنائيين كرسا صورة “عبد الناصر” في التاريخ، مظاهرات رفض الهزيمة، التي دعته للعودة عن قرار التنحي حتى يضطلع بواجبه في تصحيح أسبابها والعودة مجددا إلى ميادين القتال، وجنازته، التي لا مثيل لأحجامها وأحزانها.
لم يكن ممكنا التشكيك في جنازته، أو الادعاء أنها كانت “مسرحية” أخرى، فالرجل رحل فعلا إلى رحاب ربه، فجرى التركيز بالهجوم على تظاهرات رفض الهزيمة، التي عمت مصر كلها وعواصم عربية أخرى إثر تنحيه.
إذا صح أن التنظيم السياسي الاتحاد الاشتراكي العربي هو الذي دبر مظاهرات (9) يونيو، وأنها لم تكن عفوية، فلماذا انهار ذلك التنظيم بقرار من الرئيس “أنور السادات” دون مقاومة تذكر؟
ثم ما تفسير خروج مظاهرات ضخمة بالوقت نفسه في عواصم عربية عديدة مثل بيروت؟
لا يمكن نسبة تلك المظاهرات التلقائية الضخمة إلى تدبير ما من الاتحاد الاشتراكي.
الشرائط محفوظة في الذاكرة المصورة، لمن يريد أن يطل عليها.
قد تكون بعض قيادات الدولة قد تحركت، أو دعت للخروج مع الجماهير، لكنها كانت نقطة في بحر.
الفعل التاريخي كله عفوي تماما وشعبي بامتياز.
إذا لم نفهم حقيقة ما حدث في ذلك اليوم الفارق بالتاريخ المصري المعاصر، فإننا نكاد ألا نعرف شيئا عن الشعب المصري ومخزونه التاريخي.
ما حدث بالضبط أنه استشعر في لحظة الهزيمة العسكرية، أن مصير البلد كله معلق في الهواء، وأن بقاء “عبد الناصر” من ضرورات أن يقف البلد على أرض صلبة من جديد.
“عبد الناصر” ولا أحد آخر غيره.
إنه نفس الحس التاريخي، الذي دفع أغلبية ساحقة من المصريين على اختلاف مشاربهم السياسية والاجتماعية إلى دعم إيران بلا تردد في مواجهة الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها دون حاجة إلى إعلام يعبئ، أو تنظيم يدعو.
كان يكفي أن تكون الولايات المتحدة وإسرائيل على الجانب الآخر؛ ليعرف المصريون، أين يتوجب عليهم أن يقفوا؟
بحس تاريخي جماعي، أدركوا أنهم إذا سقطت إيران؛ فإن الدور قادم لا محالة على مصر، وإنه إذا ما صمدت فإن مشروع إسرائيل الكبرى سوف يتبدد تماما.
إنها مصر، مستقبلها ومصيرها قبل وبعد أي شيء آخر.






