حل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي مجددًا في القاهرة، وناقش مع الرئيس عبد الفتاح السيسي (8 يونيو) سبل تعزيز العلاقات الثنائية، والتطورات في القرن الإفريقي، والصراع في السودان، وجهود ضمان الأمن وحرية الملاحة في البحر الأحمر.
جاءت هذه الأجندة على خلفية إعلان مصر تعثر مفاوضات سد النهضة مجددًا بين مصر والسودان وإثيوبيا (يونيو 2026)، وربط مراقبون بين زيارة أفورقي ومساعي تعميق التنسيق المصري- الإريتري على مختلف المستويات، بما في ذلك ملفات تتصل بملفات تثير الاهتمام الشديد بالنسبة لمصر وأثيوبيا مثل السودان وأمن البحر الأحمر وسد النهضة ونهر النيل.
في المقابل، تبرز في بعض وسائل الإعلام الإثيوبية والمصرية تصورات للتعاون بين أسمرا والقاهرة، باعتباره طارئًا ويستهدف «عزل إثيوبيا» إقليميًا، غير أن ذلك يتجاهل عدة حقائق مهمة؛ أولها أن مصر وإريتريا ترتبطان بتاريخ طويل من المصالح المشتركة، يعود إلى الإدارة المصرية لـ«ولاية الحبش» (إريتريا) في القرن التاسع عشر، وأن مسار التعاون الثنائي يتسق مع طموحات البلدين لتعظيم الاستفادة من فرص التنمية المتاحة، كما أنه يقوم بالأساس على احترام سيادة دول الإقليم وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
ومن ثم، فإن ما يتردد عن عمل أسمرا والقاهرة معًا على عزل إثيوبيا إقليميًا، يبدو طرحًا بعيدًا عن الواقع، بالنظر إلى وضعية إثيوبيا، وكونها رقمًا مهمًا في معادلات القرن الإفريقي.
إريتريا ومصر: التعاون الثنائي لمستويات جديدة
جاءت زيارة الرئيس الإريتري أفورقي للقاهرة، في سياق جهود مصر وإريتريا لتعزيز الاستقرار في الإقليم ومنع انزلاقه إلى مزيد من الفوضى، في ظل تداعيات الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، والتهديدات الحوثية المتجددة للملاحة في باب المندب، إلى جانب تصاعد الجهود الإثيوبية للترويج لما تصفه أديس أبابا بـحق الوصول إلى منفذ بحري بشروط سيادية.
وحسب مخرجات القمة رسميا، فإن الرئيسين ناقشا سبل تعزيز الامن الإقليمي في القرن الإفريقي، وأن الزيارة ضمن التنسيق المستمر بين البلدين، والتطورات في السودان، لا سيما بعد اجتماعات القوى المدنية السودانية في أديس أبابا برعاية الآلية الخماسية المكونة من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي ومنظمة إيجاد، والاستعداد لاجتماعات جنيف نهاية يونيو الجاري، وكلاهما بغرض وضع أسس لإطلاق عملية سياسية وطنية جديدة في السودان في ظل سنوات من الحرب الأهلية. وفى السياق، حرص الزعيمان على تأكيد وحدة وسلامة أراضي السودان، والحاجة إلى وضع نهاية للصراع به.
وفى مجال الشؤون ذات الطابع الأمني، جرى التأكيد على أهمية التنسيق بين الدول المطلة على البحر الأحمر، وأن المسئولية عن حوكمة وأمن المجرى البحري تقع على عاتق دول الحوض فقط، والتعهد بمواصلة التشاور والتنسيق من أجل تعزيز السلم والاستقرار والتنمية في دول الإقليم.
وكشفت وزارة الإعلام الإريترية في بيان لها (8 يونيو)، عن أفق التعاون المصري- الإريتري في الفترة المقبلة؛ بأن المحادثات ركزت على رفع “صلات الصداقة والتعاون التاريخية والأخوية بين البلدين إلى مستوى أعلى” وعكس البيان الالتزام المشترك بتوسع التعاون الثنائي بينهما، واستكمال الاتفاقات التي تم وضعها في الأسابيع الماضية لتعاون اقتصادي واستثماري محدد بين البلدين، وان المناقشات خلصت إلى ضرورة إطلاق برامج في قطاعات الموارد البحرية، وتطوير بنية المواني والنقل البحري داخل أطر اقتصادية وسياسية ودبلوماسية كاملة، مع الاتفاقات، التي تم التوصل لها في السابق، ومنها اتفاقات مصر مع إريتريا، وكذلك مع جيبوتي، نهاية العام الماضي على قيام مصر بتطوير المواني في هذين البلدين.
كما شمل اللقاء التطورات في حوض البحر الأحمر والشرق الأوسط وإفريقيا والقرن الإفريقي، بما في ذلك البعد الأمني في مجمل التطورات الإقليمية والدولية الجارية؛ الأمر الذي يكشف عن تعمق مستوى التعاون الأمني والعسكري، وانفتاحه على آفاق جديدة بين البلدين.
لكن مراقبين في القرن الإفريقي (Borkena, June 9) لاحظوا أن ما خرج من بيانات بعد القمة لم يقدم تفاصيل حول الجداول الزمنية، وسبل توفير التمويل اللازم أو المشروعات المحددة وفق إطار التعاون الجديد.
على خط المواجهة مع إثيوبيا من البحر إلى النهر
جاءت القمة الإريترية المصرية بالتزامن مع نهاية الانتخابات العامة الإثيوبية، والتمهيد لبدء آبي أحمد فترة حكم جديدة للأعوام الخمسة المقبلة حتى العام 2031، بعد أسابيع من التوتر الإقليمي، وما يبدو من تحرك إثيوبي نشيط؛ لمواجهة ما تعتبره أديس أبابا وجودًا مصريًا “منافسًا” في حوض النيل؛ وتجلى ذلك في طلب دولة جنوب السودان من مصر (حسب تقارير مطلع يونيو الجاري) غلق “قاعدة عسكرية مصرية في مدينة باجاك”، وهي مدينة حدودية استراتيجية قرب إثيوبيا.
وكانت هذه القاعدة، والتي تضم 260 عنصرا “لتقديم الدعم الفني والتدريب العسكري والمراقبة المتقدمة ونظم التنسيق اللوجيستي”، وهي الخطوة، التي اعتبرها مراقبون مؤشرًا واضحًا على تغير التحالفات الإقليمية، ولا سيما فيما يتعلق بالعلاقات داخل دول حوض النيل بين دول المنبع ودولتي المصب “مصر والسودان”، والشراكات الأمنية المتلاحقة في القرن الإفريقي.
ولا يقتصر الأمر على “مخاوف أمنية وعسكرية” إثيوبية من المرفق المصري في باجاك، بل إن النفوذ الإثيوبي الكبير في دولة جنوب السودان يكتسب أهمية فائقة، فيما يعرف “بممر باجاك” Pagak Corridor الذي قدمت حكومة جنوب السودان خطة لتطويره أمام البرلمان (مايو 2024) بترتيب تمويلي من إثيوبيا بقيمة 738 مليون دولار “من أجل تطوير طريق بالوتش- ماثيانج- مايووت- باجاك السريع”، وتلا ذلك، في مايو 2025، اتفاق مسئولين عسكريين من إثيوبيا وجنوب السودان على تقوية العمليات المشترك على امتداد حدودهما المشتركة، مما يوضح السياق، الذي طلبت فيه جوبا من القاهرة غلق قاعدتها هناك.
ومن ثم، يمكن قراءة آفاق التعاون المصري- الإريتري، على أنه مسار تعاون ثنائي، يكتسب يومًا بعد آخر أبعادًا استراتيجية، إذ تتطلع إريتريا بشكل مباشر لتوفير حماية من الأطماع الإثيوبية في البحر الأحمر، وليس بالضرورة أن يتوفر هذا من باب المواجهة العسكرية، وإنما بتعميق التعاون الثنائي المصري الإريتري في قطاعات البنية الأساسية والنقل البحري والاستثمارات إلى جانب التعاون الأمني والعسكري، وتنسيق التحرك الدبلوماسي إقليميًا ودوليًا في ملف أمن البحر الأحمر وكبح الخطوات الإثيوبية الرامية لتخريب هذا الأمن بخيارات صفرية. ومن الجانب المصري فإن أي خطوات لتعزيز وضع مصر في هذه المنطقة من شأنه أن يشد من أزر مصر في مواجهة المخاطر التي تثيرها أديس أبابا فيما يتعلق بسد النهضة الإثيوبي و”تأثيراته” على حصة مصر في مياه النيل.
رهانات أمريكية: تحريك ملف سد النهضة
يبدو أن الدبلوماسية الأمريكية تحاول تعميق سياسات الاحتواء عبر مسارات تقليدية؛ أهمها ترسيخ الشراكة الاستراتيجية مع مصر وتقديم إغراءات لنظام أسياس أفورقي من بوابة تطبيع العلاقات الأمريكية- الإريترية، وتهدئة مخاوف شركاء دول القرن الإفريقي المختلفة إزاء صعود جهود التقسيم وإثارة الفوضى في الإقليم بقيادة إسرائيل والإمارات (وإثيوبيا).
في المقابل، وقعت الولايات المتحدة وإثيوبيا نهاية مايو اتفاقا ثنائيًا متعدد الجوانب، اكتسب أهمية من انتظاره طوال ثمانية أعوام (منذ وصول آبي أحمد للسلطة 2018)، وتضمن أولويات التجارة والاستثمار والتعاون الدفاعي والشراكة الأمنية والاستقرار الإقليمي.
وتمثل المقاربة الأمريكية في واقع الأمر، جهدًا لإنقاذ نظام آبي أحمد الذي حول إثيوبيا، حسب تحليل نشرته (Ethiopia Insight, June) إلى ساحة للقوى الدولية والإقليمية المتنافسة والمقرضين وموردي السلاح وأجهزة الاستخبارات وأسر الحكم الخليجية والحكومات الغربية والمنافسين الجيو سياسيين.
وكان من ثمار زيارة الوفد الإثيوبي إلى الولايات المتحدة موافقة صندوق النقد الدولي على اتفاق، يفسح الطريق أمام تقديم دعم مالي إضافي لإثيوبيا بقيمة 468 مليون دولار، الأمر الذي وصفه مراقبون بالخطوة الهامة في مسار إصلاح الاقتصاد الكلي، ويعبر عن الثقة الدولية في مسار الاقتصاد الإثيوبي.
ويتوقع تنفيذ الاتفاق عقب مواقف المجلس التنفيذي بالصندوق عليه خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ما يشير إلى آثار الانفتاح الأمريكي على إثيوبيا، على الدعم المالي الدولي اللاحق لها.
المهم في السياق الحالي، والذي لا ينقطع اهتمام واشنطن بإدارته، وفق رؤيتها فحسب، أن المحادثات الأمريكية- الإثيوبية تطرقت إلى ملف سد النهضة ومساره التفاوضي مع مصر في الفترة المقبلة، مع توقعات بمحاولة الوفد الإثيوبي مراجعة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مواقفها الأخيرة تجاه الملف، وما تعتبره إثيوبيا تحيزًا أمريكيًا لصالح “تسوية ملزمة”، لطالما سعت لها القاهرة، حيث أثار وزير خارجيتها بدر عبد العاطي قبل نحو شهر ملف سد النهضة ضمن ملفات التعاون الثنائي مع واشنطن وجهود تحقيق الاستقرار في البحر الأحمر والشرق الأوسط.
ويبدو من هذا التطور، أنه ثمة تحرك أمريكي فعلي في الملف لعاملين أساسيين هنا: ضغط مصري تزايد منذ شهر تقريبًا لدفع إدارة ترامب للتدخل في الملف من أجل تجنيب المنطقة مزيدٌ من الفوضى وانفتاح الأفق على احتمالية “حروب” جديدة؛ ورغبة واشنطن في ترويض دول الإقليم، وتطلع عدد منها للتعاون مع قوى دولية وإقليمية، لا تقع تحت هيمنة المظلة الأمريكية.
ومن ثم، فإن واشنطن تراهن على قدرتها على ضبط الوضع في الإقليم بأكمله، مع ملاحظة أن ذلك لا يعني القضاء على الفوضى بقدر ما يعني إحكام إدارتها وإدارة تناقضات سياسات واشنطن نفسها، التي تبدو في مستويات معقدة للغاية ليس أقلها الضغط على “الحلفاء” وصنع العدو ودفع الأمور إلى حافة الفوضى التامة قبل التدخل حسب توقيت واشنطن.
خلاصة
بأي حال، جاءت زيارة أفورقي للقاهرة في توقيت بالغ الدلالة، بغض النظر عن تعمد الصلة من عدمه، بعد انتهاء الانتخابات العامة في إثيوبيا، وقبل أن يهدأ الجدل حول شرعيتها في ظل غياب كتل انتخابية وازنة في أقاليم التيجراي والأمهرا وأوروميا (لأسباب تتعلق بالمعارضة السياسية للعملية الانتخابية).
كذلك تأتي الزيارة في أجواء حراك إثيوبي- أمريكي مهم وُصف بأنه الأرفع تمثيلًا منذ عام 2018، بما يعكس دلالات على جهود واشنطن للتدخل في أزمات القرن الإفريقي، ومن بينها أمن البحر الأحمر وملف سد النهضة، إلى جانب رفضها– في سياق ليس ببعيد– الاعتراف بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة أو أمرًا واقعًا، بحسب ما ورد في تقرير الخارجية الأمريكية المقدم إلى الكونجرس مطلع يونيو، والذي أكد احترام واشنطن لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، وأن صلتها إقليم أرض الصومال محكومة بعلاقاتها مع الدولة الصومالية.
وفي الأخير تكشف هذه التطورات المتسارعة عن زخم إقليمي معقد، وأن التقارب المصري- الإريتري يتجاوز منطق الاستقطابات التقليدية (مثل مزاعم مساعي عزل إثيوبيا أو تكوين تحالفات إقليمية فرعية)، إلى تفهم أسمرا والقاهرة لطبيعة هذا الزخم وضرورة استباق تداعياته بخطوات أوضح في مسار التعاون الثنائي، مع قدر من الحذر تجاه سياسات من دول خارج الإقليم أو داخله، قد تسهم في استمرار عدم الاستقرار في البحر الأحمر وحوض النيل.






