تشكل مذكرة التفاهم “اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران” التي توقفت بموجبها الحرب على إيران مرحلة جديدة، لخفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، بعد عام من التوتر وضربات منسقة بين واشنطن وتل أبيب في يونيو 2025، والتي تحولت لاحقاً إلى حرب واسعة، ذات مدى إقليمي، بعد الهجمات المكثفة التي بدأت في 28 فبراير 2026 واستهدفت تدمير القدرات الإيرانية وإسقاط النظام السياسي.
وقد جاءت مذكرة التفاهم لتكبح توسع الحرب واتساعها إقليمياً، بعدما باتت تداعياتها تتجاوز أطرافها المباشرين، وهددت دول الخليج، واقتصاديات دول الشرق الأوسط على وجه الخصوص.
وجاء الاتفاق، نتاج شبكة واسعة من جهود الوساطة الإقليمية والدولية، شملت مباحثات دبلوماسية واتصالات سياسية وقنوات عسكرية واستخباراتية، ولا تعد اتفاقا بين طرفين متحاربين، بل تشمل تفاهمات وتوافقا بين دول المنطقة.
في هذا المشهد، كانت القاهرة حاضرة، وقبل الحرب دعت لخفض التصعيد وحِدة التصريحات، واتباع مسار دبلوماسي، وقد حاولت سابقا اتخاذ خطوات، يمكن البناء عليها، كما استضافت جلسة تشاور بين الجانب الإيراني وهيئة الطاقة الذرية، ومباحثات مع ممثلي الإدارة الامريكية، ومبعوث ترامب للشرق الأوسط، وكذلك نقلت مصر رسائل إلى طهران.
ومع اندلاع الحرب، واصلت دورها في الوساطة، وإن كان يُلمَح أنها فضلت العمل دون تسليط الضوء على بعض الأدوار والمقترحات، بحيث لا تكون كل تحركاتها مكشوفة، ما قد يؤثر على جهود الوساطة، هذا غير موقعها الدقيق بين إيران ودول الخليج، وقد تعرضت الأخيرة لهجمات، رفضتها القاهرة كما رفضت الحل العسكري في مواجهة ايران.
وقد جعلت تكلفة الصراع على القاهرة، والمخاطر الأمنية وحجم التأثيرات الاقتصادية، أن تكون القاهرة حاضرة في جهود الوساطة، لوقف الحرب ومنع التحولات التي يمكن أن تحدثها، وفى هذا التقرير إيضاح لدور مصر وموقعها في الوساطة ودوافعها.
وساطة المساندة
وسط التفاعل الدبلوماسي، الذي شهدته عملية التفاوض، لعبت باكستان دور الوسيط القائد أو الرئيسي، مستفيدة من علاقاتها المباشرة مع طهران وعلاقاتها المتشعبة مع الولايات المتحدة ودول الخليج، إضافة إلى روابطها العسكرية والاقتصادية مع دول خليجية ودول جوار إيران.
أما القاهرة، فاختارت تموضعاً يتناسب مع وزنها وطبيعة مصالحها، فاتخذ موقفها طابعاً متوازناً؛ يرفض الهجمات على إيران كما يرفض استهداف الدول العربية، هذا التوازن، أتاح لها الاحتفاظ بقنوات اتصال مع مختلف الأطراف.
ومن هنا، جاء الدور المصري أقرب إلى “الوسيط المساند” منه إلى “الوسيط القائد”، ولم تكن تنافس إسلام آباد أو غيرها على قيادة عملية التفاوض، بقدر ما كانت تسد فجوات الاتصال، وتيسر الحوار، وتنقل المقترحات بين الأطراف، وتسعى إلى توفير بيئة سياسية، تسمح بالوصول إلى تسوية قابلة للتمرير والنفاذ.
كما حرصت على أن تكون أي تسوية محتملة محاطة بغطاء عربي وإقليمي، يأخذ في الاعتبار مصالح دول الخليج، وفي الوقت نفسه يمنع تحول الحرب إلى أداة لإعادة رسم موازين القوى الإقليمية، بصورة تمنح إسرائيل موقعاً أكثر هيمنة.
ومن أبرز مظاهر هذا الدور التنسيق ضمن ـ الرباعي الإقليمي، الذي ضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وقد رأت القاهرة في هذه المظلة تعبيراً عن موقف عربي وإسلامي رافض لتحويل الحرب إلى مدخل لفرض ترتيبات إقليمية جديدة، تتجاهل مصالح دول المنطقة.
وبالنسبة لصانع القرار، فإن الغياب عن هذا المسار كان يعني ترك المجال لقوى أخرى لصياغة نتائج الحرب وتداعياتها، بما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل الأوزان النسبية لقوى الشرق الأوسط التقليدية وإضعاف الحضور المصري في ترتيبات ما بعد الحرب.
أدوات التأثير
اعتمدت القاهرة على مزيج من الأدوات السياسية والأمنية والدبلوماسية في إدارة دورها في عملية تفاوض معقدة.
فمن تأكيد الرسائل عبر البيانات الأحادية أو أخرى الجماعية، لتوضيح المواقف السياسية، إلى الاتصالات المكثفة على مستوى وزراء الخارجية، مروراً بالاستفادة من الخبرة المتراكمة في ملفات الوساطة المعقدة، خاصة في غزة والقضية الفلسطينية، سعت مصر إلى توظيف رصيدها الدبلوماسي في التوصل إلى أجواء تهدئة وفترات وقف إطلاق النار لإعطاء فرصة لمسار دبلوماسي وتقيم الأطراف لوضعها.
وعلى المستوى المؤسسي، قادت الخارجية نشاطاً دبلوماسياً واسعاً ربط بين الملف الإيراني وسائر بؤر التوتر في المنطقة، انطلاقاً من الاقتناع بأن أزمات الشرق الأوسط مترابطة، وأن أي تسوية تخفض حدة الصراعات لا يمكن أن تعالج ملفاً بمعزل عن الملفات الأخرى، خاصة وأن أساسها يرتبط بنزوع إسرائيل للهيمنة واستخدام الحرب.
وقد فتحت المخابرات العامة المصرية، منتصف مارس 2026، قنوات مع الحرس الثوري الإيراني، وطرحت مقترح “هدنة الخمسة أيام” كإجراء جوهري لبناء الثقة؛ وهو المقترح الذي أعاد خيار الدبلوماسية واختبره، وبتمرير إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب له بدا أنه يمكن تبني نهج دبلوماسي، وبذلك فُتح الطريق لمذكرة التفاهم، مُتخِذة سمة المرحلية والمشروطية، التي تشبه اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وفي السياق، يأتي مقترح إعمار إيران بميزانية قدرها 300 مليار دولار، وإن لم يعلن عن جهات صياغة المقترحات، لكن واضح أن من المتون أن القاهرة لم تغب عنه.
كما برز البعد الأمني من خلال تفعيل أطر التعاون المرتبطة بأمن البحر الأحمر، باعتباره أحد أكثر الجبهات تأثراً بالحرب وتداعياتها على الملاحة الدولية.
وفي الوقت نفسه، استخدمت القاهرة الجغرافيا السياسية، كما موقع مصر وقناة السويس وطرح قضية استقرار البحر الأحمر ومضيق هرمز، باعتبار الأمن الملاحي لا يخص المنطقة وحسب، بل يرتبط مباشرة بأمن التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.
دوافع الوساطة وتفسيراتها
يصعب فهم الوساطة المصرية بعيداً عن شبكة المصالح، التي دفعت القاهرة إلى الانخراط فيها، وكذلك علاقتها بالأطراف الإقليمية، بما في ذلك ترحيب إيراني وتقدير لدور الوساطة وتفاهم بشأن ملفات غزة ولبنان ونقاط الصراع في الإقليم.
ومحليا، على المستوى الاقتصادي، كان استمرار الحرب يعني تعميق الضغوط، سواء عبر ارتفاع أسعار الطاقة أو زيادة تكاليف النقل والتأمين أو تراجع حركة التجارة الدولية، وهو ما ينعكس مباشرة على إيرادات قناة السويس وسعر العملة والاستثمارات الأجنبية.
لكن الحسابات المصرية تجاوزت أيضا الجانب الاقتصادي، فالقاهرة كانت تنظر أيضاً إلى الحرب، باعتبارها جزءاً من معركة أوسع حول شكل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط.
فمن منظور مصري، استمرار القتال وتوسع رقعته، كان من المحتمل أن يؤدي إلى إضعاف إيران بصورة جذرية، تسمح بإعادة تشكيل النظام الإقليمي لمصلحة إسرائيل، هذا في توقيت تسعي فيه الى توسيع نفوذها في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بما في ذلك تطوير شراكات وتحالفات تؤثر على المصالح المصرية في هذه المناطق، التي تعد أحد ركائز الأمني القومي المصري.
كما ارتبطت الوساطة المصرية برغبة القاهرة في إعادة توجيه الاهتمام الدولي نحو ترابط ملفات المنطقة، خاصة موقف الإدارة الأمريكية من الوضع في لبنان إلى غزة والضفة الغربية، والتأكيد على أن أي ترتيبات أمنية جديدة لا يمكن أن تتجاهل القضية الفلسطينية أو بقية أزمات الإقليم.
ومن منظور أمني، يمكن النظر إلى التحرك المصري، باعتباره جزءاً من استراتيجية لإدارة المخاطر ومنع تحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع مفتوح، تمتد تداعياته إلى اليمن والسودان والصومال.
أما من المنظور الجيو سياسي، فإن القاهرة تسعى إلى منع اختلال ميزان القوى الإقليمي، وإضعاف إيران أو انهيارها باعتبار ذلك سيناريو يمثل خطرا لمصر، لأنه سيقود في المقابل إلى مزيد من الهيمنة الإسرائيلية على الإقليم، غير ما سيتركه من اضطرابات سياسية وأمنية وآثار اقتصادية أيضا.
وعند نقطة تقاطع هذه التفسيرات يتضح أن الدور المصري لم يكن دعماً لطرف ضد آخر، بل محاولة للحفاظ على حد أدنى من التوازن، يمنع انهيار النظام الإقليمي، ويضمن بقاء القاهرة لاعباً مؤثراً في ترتيباته المستقبلية.
حدود النفوذ المصري
رغم النجاح النسبي في لعب دور الوسيط المُيسِر، فإن الواقعية السياسية تفرض النظر إلى حدود الدور الذي جرى في المفاوضات.
فثمة فارق بين القدرة على تسهيل الحوار وبين القدرة وامتلاك أدوات تسهل التوصل لحلول، منها الحوافز الاقتصادية والضمانات الأمنية، ومصر، بخلاف بعض الأطراف الأخرى، لا تمتلك تاثيرا مباشراً على القرار الإيراني، كما لا تملك أدوات الحوافز المالية، أو الضمانات الأمنية التي يمكن أن تستخدمها بعض القوى الدولية.
ولهذا جاء دورها أقرب إلى بناء الجسور وتقديم المقترحات وتوفير قنوات الاتصال، وهو ما يعكس طبيعة الدبلوماسية الممكنة والمتوازنة، في ظل قيود الموارد وتعدد الارتباطات.
وساطة الضرورة الجيو سياسية
في النهاية، لم تدخل القاهرة على خط الوساطة؛ لأنها الطرف الأكثر نفوذاً في أطراف الصراع، بل لأنها كانت من أكثر القوى الإقليمية تعرضاً لتداعياته المباشرة اقتصاديا وسياسيا إذا استمرت الحرب.
فقد دفعتها اعتبارات الأمن القومي، وحماية الاقتصاد، والحفاظ على التوازنات الإقليمية، ومنع إعادة تشكيل الشرق الأوسط بمعزل عنها، إلى الانخراط في جهود التهدئة.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الدور، باعتباره نموذجاً لـوساطة الضرورة، وهي سعت لوقف الحرب، ومنع نتائج كانت محتملة لو استمرت شديدة الضرر على القاهرة، بما يهدد اقتصادها وأيضا مصالحها ومكانتها الإقليمية. وهذه العوامل هي مفاتيح تفسير الدور وحدوده خلال الأزمة.






