انصرفت الأذهان إلى التفكير كثيرًا في مسألة “الدولة العميقة”، ولاكتها الألسنة، محددة إياها في المؤسسة العسكرية والبيروقراطية والقضاء وهيئات الإعلام والثقافة المدافعة عن الدولة أو عن سلطة، تزعم أن الدولة مرتبطة ولصيقة بها، استنادًا إلى المصطلح التركي الشائع derin devlet الذي يتعامل معها، باعتبارها تحالفًا يشكل شبكة ممتدة داخل الدولة، أفقيًا ورأسيًا، دون أن يكون لها تنظيم مُحدد القوام، إنما تُحرك المنتمين إليها مصالحهم المباشرة، وقد يكون هناك ناظم بينهم يحركهم ويوظفهم، سرًا أو علانية.

وفي المقابل، ودون انشغال سابق بإعلان أو بلورة مصطلح، أنشأت الجماعات السياسية الإسلامية “المجتمع العميق”، حيث تمكنت من أن تبني على مهل شبكات مصالح وموارد، رست حتى قيعان المجتمع، وتجذرت فيه بطريقة لم تتمكن منها على هذا النحو القوى السياسية الأخرى، اليسارية والليبرالية في العالمين العربي والإسلامي.

وتطرح هذه المسألة عدة أسئلة مهمة من قبيل: لماذا تحرص الجماعات السياسية الإسلامية على التغلغل الاجتماعي؟ وما هي الوسائل التي تتبعها في بناء قاعدة اجتماعية؟ وهل غياب الدولة عن تقديم الخدمات الاجتماعية، يخلق فراغًا تملأه هذه الجماعات؟ وما هي مظاهر هذا النفوذ الاجتماعي لها؟ وكيف توظفه في حيازة القدرة السياسية؟

لكن قبل الإجابة على هذه الأسئلة لا بد من فحص مصطلحات أخرى، اقتربت من مفهوم “المجتمع العميق” أو تماست معه، مثل ما يلي:

1 ـ عمق المجال التاريخي، وهو مفهوم تناوله بالشرح المفكر الاجتماعي الراحل د. أنور عبد الملك، قاصدًا به “الخصوصية التاريخية” لمجتمع من المجتمعات، أو العوامل الرئيسية الكامنة وراء استمرارية المجتمع القومي عبر الزمن، بشقيها الروحي والمادي، حيث يرتبط الجانب المادي بالبنية الاقتصادية للمجتمع، فيما يتمثل الجانب الروحي في قضايا الجنس والمشاعر والنظام الاجتماعي ونمط السلطة السائد، وقضية الزمن/ الموت التي تعالجها الأديان.

ويحدث “عمق المجال التاريخي”، حين تتفاعل هذه العوامل في مجتمع معين، بحيث تكشف عن نمط استمراريته، ويتم هذا التفاعل في بيئة جغرافية معينة، وسياق سياسي إقليمي ودولي محدد.

وفي إطار هذا، ينشأ “العمق الاجتماعي”، وهو يعني هنا الشبكات والأفكار والرموز الراسخة والأصيلة المرتبطة بمختلف الطبقات الاجتماعية، والتي يسعى المتنافسون السياسيون للوصول إليها، أو التمتع بمكانة لديها وحيازة ثقتها، سواء عبر توظيف الموارد الاقتصادية أو استعمال الخطاب بشتى صنوفه.

2  ـ الفضاء الجماهيري: وقام بالأساس على تمييز المواطنين بين مصالحهم الخاصة ومصالح الدولة، وعدم رضائهم عن قيام السلطة السياسية بادعاء تمثيل الجماهير. وقد بدأ هذا الفضاء يتشكل في أوروبا مع التغيرات المتنوعة في التجارة الدولية، وتعزز دور الصحافة، وحركة نشر الكتب وتوزيعها، وظهور المقاهي والصالونات الأدبية، وخلق هذا حالة من الثرثرة والنقاش حول السلطة والدولة. لكن هذا الفضاء انهار مع تدخل الدولة في الاقتصاد، وفي تسوية المنازعات الاجتماعية، ومع تشكل الجهاز الإداري الحكومي، وبات من الصعب التمييز بين الفضاءات العامة والخاصة.

لكن هناك من انطلق من تعدد الفضاءات الجماهيرية وتعارضها، إذ لا يوجد فضاء واحد، بل فضاءات أو مجالات متعاكسة، حيث تتضاد أو تتصارع الخطابات والمصالح، وتظهر حركات تعارض التيار الرئيسي السائد، وتخلق جمهورًا موازيًا، قد ينمو باستمرار، وتعتمد على وسائل إعلام جديد.

وفي ضوء هذا، لم يتبلور مفهوم نظري مكتمل لـ”العمق الاجتماعي” وإن كان أستاذ علم النفس التطوري والتنموي بجامعة سانت أندروز بأسكتلندا “أندرو بيد”، قد صاغ مفهومًا يقترب قليلًا مما نريد أن نبلغه في هذا المقام، وهو “العقل الاجتماعي العميق” رابطًا إياه بالقدرة على إدراك طبيعة السلوك البشري المتفاعل مع السياق الاجتماعي.

وتناول جون ر. سيرل عملية “بناء الواقع الاجتماعي”، منتقلًا من خطاب الفرد إلى خطاب الجماعة، ومن الكلام إلى الفعل، وذلك عبر الاستعانة بمؤسسة اللغة والقصد العقلي، حتى يكون بوسعنا أن نضع القواعد التأسيسية، التي تقوم عليها أبنية المؤسسات، وما يرتبط بها من لوائح أو قواعد تنظيمية.

ويبرز في هذا المقام حديث عن “العمق الاجتماعي للإعلام” ليُقصد به “الأثر الذي تحدثه وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، في المتلقي سواء كان قارئًا أم مستمعًا أم مشاهدًا، وما ينجم عنه من رد فعل.. وهو عمق يتسع ويضيق حسب إجادة وسيلة الإعلام في الهيمنة على المتلقي بصدقها، وجمال طرحها، وتزامن أدائها مع الحدث، وإشباع فضول المتلقي وحاجته للمعلومة بتوازن مدروس”، حسبما يقول عمار طلال في دراسة له بعنوان “العمق الاجتماعي للإعلام”.

وإذا كان يجب على السلطات السياسية في أي زمان ومكان، أن تحرص على أن تكون علاقتها بأعماق المجتمع عامرة بالفهم والرضاء؛ بغية تعزيز شرعيتها، فإن معارضيها يجب عليهم فعل الأمر نفسه، أو هم يفعلون هذا على كل حال، أو يحاولون. كما تفعل ذلك أيضا “الحركات الاجتماعية”، وإن كان كل منها ينشغل بقطاع اجتماعي معين.

ولعل الحركات الدينية هي الأكثر انشغالًا بالوصول إلى أعماق المجتمع، مرة باسم تكليف ديني بنشر الدعوة أو تحقيق الهداية وفق مبدأ “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، ومرة لتعبئة الناس حول تصوراتها السياسية والوقوف على أكتافهم من أجل بلوغ السلطة، تحت شعارات “ما لا يُزع بالقرآن يُزع بالسلطان” و”مهمة الحاكم هي حراسة الدين وسياسة الدنيا” و”الإسلام دين ودولة”.

وفي العالم العربي، كانت ظاهرة المد الأصولي في رأي برهان غليون هي بنت “أزمة الاجتماع السياسي العربي” بوجه عام، بل إن آصف بيات ذهب في كتابه “الحياة سياسة: كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط” إلى النظر إلى “الإسلاموية” بشكل عام، على أنها “حركة المطحونين في الحضر”، حيث زاوجت الأحياء الفقيرة في القاهرة مثلًا بين الفقر والنزعة الإسلامية المتشددة، وحافظت على هذا التزاوج.

والحقيقة، أن هذا المسعى لا يقتصر على الحركة الدينية في البلدان الإسلامية، بل إن مثيلتها في الدول الغربية فعلت هذا بدرجة ما، وهو ما يعبر عنه عالم الاجتماع البريطاني الكبير أنتوني جدنز بقوله: “لا تزال بعض الحركات الدينية، التي تدخل في عداد اليمين المسيحي الجديد، وثيقة الصلة بمواقع صنع القرار السياسي والاجتماعي في الولايات المتحدة. كما أن كثيرًا من هذه الحركات قد عززت مواقعها في أوساط المجتمع الأمريكي عموما باستخدامها وسائل الاتصال الإلكترونية والتلفازية بصورة خاصة خلال العقود الأربعة الماضية، مما عزز وجودها بين مختلف الشرائح الاجتماعية، وأغناها عن كثير من الطقوس والممارسات الدينية التقليدية، التي تتطلب من المؤمنين المشاركة الفعلية المباشرة في موقع مكاني محدد.”

كما أن مفهوم المجتمع العميق لا ينطبق على “التيار السياسي الإسلامي” فقط، لكنه أكثر التيارات السياسية انشغالًا بالتغلغل إلى قاع المجتمع، دون أن يقتصر على الجوانب الأيديولوجية، التي يستخدمها اليسار طيلة تاريخه في ظل انحيازه للطبقات الدنيا، بل يزيد عليها بالاهتمام الكثيف بالمسائل المادية، وبالتالي يبني جسورًا قوية، وأكثر ديمومة، مع قواعد اجتماعية ممتدة، وهي مزية لا تتوافر إلا للدولة، لكن هذا التيار في العالم العربي قد توعك كثيرًا، وفقد جانبًا مهمًا من عمقه الاجتماعي إلى حد بالغ في ظل الصدام مع السلطة السياسية.

ورغم أن القادرين غير المؤدلجين يؤدون واجبهم حيال الآخرين في ركاب “التراحم” و”التكافل”، الذي يفرضه الدين، فإن هؤلاء يختلفون عن الجماعات الدينية السياسية في أمرين، الأول هو، أن جهدهم يبذل بطريقة فردية، تغلب عليها العشوائية، على العكس من هذه الجماعات، التي تفعل هذا في إطار جهد منظم، تطلق بدايته، وتعرف نهايته. والثاني هو، أن الخيِّرين يفعلون هذا عن طيب خاطر، ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى، وينتظرون الثواب في الآخرة، بينما لا تنشغل هذه الجماعات بالمردود الأخروي فحسب، بل تعمل أيضًا على تحصيل الثمن في الدنيا، من خلال حشد وتعبئة من ترعاهم ماديًا، أو تساعدهم في مواجهة صروف الحياة؛ ليسندوها في صراعها ضد السلطة الحاكمة وضد التيار المدني كذلك، بثقافته، وتوجهاته، ورهاناته التي تبتعد عن “الدولة الدينية” لصالح مدنية الحكم والثقافة.

فبالنسبة للتنظيمات والجماعات السياسية الإسلامية فقد مارست ألوانًا من “التدين الاجتماعي”، أو التدابير الاجتماعية النابعة من الدين والتدين، والتي تمكنت من استقطاب حتى غير المتدينين، تجلت في أعمال مثل الصدقة دافعة البلاء، وصلة الأرحام، وكفالة اليتم، وتوظيف الورع والخشوع في تحقيق السلم الأهلي، والاستفادة من المحرم الديني في الضبط الاجتماعي.

ووظفت هذه الجماعات هذا في تكوين “رأسمال اجتماعي” عريض، وعابر للطبقات، حولته مع الوقت إلى “رأسمال سياسي”، إذ إنها وبعد أن تمكنت في مصر مع مطلع ثمانينات القرن العشرين من السيطرة على أحياء بكاملها، من التحرك نحو الحيز السياسي. وعلى التوازي، انسابت في سيطرة أقل على سائر المجتمع، لتستنهضه وقت الحاجة جمهورًا سياسيًا لها، سواء عبر الوسائل العلنية المشروعة مثل الانتخابات، أو الطرق العنيفة، التي ترفع فيها هذه الجماعات أو بعضها السلاح في وجه الأنظمة الحاكمة والمجتمع، وتحتاج إلى من تسميهم “مجاهدين” أو تضمن ملاذًا وحاضنًا اجتماعيًا، يمدها بالرجال والمال.

ويتم تكوين رأس المال الاجتماعي هذا في ركاب “العمل الخيري”، والذي يتسع في نظر الدكتور يوسف القرضاوي إلى حد كبير ليشمل: إطعام الجائع، وسقاية العطشان، وكسوة العريان، وإيواء المشرد، وكفالة اليتيم، ومساندة الأرامل، ومساعدة المساكين، ورعاية الطفولة والمسنين والأمومة والأبوة وذوي الاحتياجات الخاصة، وإيتاء ذي القربى، وقِرى الضيف، وإدخال السرور على المحزونين، وإغاثة الملهوفين وتفريج كربة المكروبين والمنكوبين، وإعانة الضعفاء، وإسعاف الجرحى، ومداواة المرضى، ومنح القرض الحسن للمحتاجين، ومساعدة الغارمين المدينين، والتيسير على المتعسرين، وإعارة المتاع لمن يحتاج إليه، وقضاء الحوائج، وإرشاد الضال، وتأمين الخائف، وتزويج الأيامى، ورعاية عوائل المجاهدين، والعناية بالأجنة لو من حرام، وإيتاء السائل حقه، وتفطير الصائم، ومحو الأمية وتعليم الجاهل ونشر العلم، وتشغيل العاطل، والإصلاح بين المتخاصمين، ومنع الضرر على الناس، وعيادة المريض، ومواساة من مات له عزيز، وتجهيز الميت وصنع طعام لأهله، وبناء المساجد، وغرس الأشجار، وإجراء الأنهار، وحفر الآبار، والكلمة الطيبة، والابتسامة في الوجه، والبداءة بالخير، وفعل الخير في السر، ومساعدة المسلمين الجدد، وبذل النصيحة للجميع، والبر بغير المسلمين، وإماطة الأذى عن الطريق، ونصرة المظلوم، والنذر للخيرات والفقراء.

ويدلي د. السيد عبد الستار المليجي عضو مجلس شوى جماعة الإخوان سابقًا، بشهادته في هذا المضمار، عبر مذكراته التي جاءت تحت عنوان “تجربتي مع الإخوان: من الدعوة إلى التنظيم السري”، حيث يقول: “مباحث أمن الدولة تهجم على بيوت القيادات المالية للجماعة في وقت تأكدها من وجود الملايين في هذا البيت أو ذاك، وتعرف بدقة كاملة حجم ما تم إنفاقه على الحملات الانتخابية، وما تم إنفاقه في حفلات الإفطار في السيتي ستارز، وتدرك حجم السفريات، التي يقوم بها بعضها، والمطبوعات التي نصدرها، والمقرات والشقق التي نمتلكها، والوحيد الذي لا يعرف حقيقتنا هم قواعد الإخوان، والشعب المصري الذي يمولنا، ويتعاطف معنا.”

لكن ما هي العوامل التي ساعدت الجماعات السياسية الإسلامية على بناء “المجتمع العميق”؟ وما هي آثار ذلك الآن وفي المستقبل؟  هذا ما يتناوله مقال الأسبوع المقبل، إن شاء الله تعالى.