هؤلاء هُم الذين حول مصر، من الجنوب السودان، الذي دخل منذ مطلع الثمانينيات من القرن العشرين في حروب أهلية بين الشمال والجنوب، زادت حِدَّتُها بعد وصول الإسلاميين للحكم 1989، ثم انتهت بانفصال ما عُرٍف بدولة جنوب السودان في صيف 2011، وقد سقط النظام الإسلامي 2019 بعد ثلاثين عاماً، أنهك فيها السودان وتركه فاقدا للمناعة الذاتية وجاهزا لحرب أهلية جديدة يخوضُها جيش منقسم في بلد منقسم ونخبة سياسية منقسمة، السودان جرح ينزف على الجبهة الجنوبية لمصر.
ثم من الغرب، ليبيا التي ودَّعَت وحدتها كتراب وطني موحد وكشعب متماسك مع سقوط ديكتاتورية القذافي في عاصفة الربيع العربي، لم تعثر ليبيا على عناصر توحيدية جديدة غير الديكتاتورية، التي كانت تحفظ لها كينونتها، دخلت ليبيا في التفكك، تفكك الجيش والمؤسسات، دخلت في حروب أهلية لا تخمد جذوتُها إلا لتشتعل من جديد، شأنها شأن السودان، جرح ينزف على الجبهة الغربية لمصر.
ثم من الشمال الشرقي، الشام كله في حالة من غياب الدولة والنظام والهوية الجامعة، ابتداءً من غزة التي شهدت خلال ربع القرن الأخيرة صراعات دموية بين أكبر حركتين فلسطينيتين، وأسفرت الصراعات عن تفرد إحداهما بإدارة القطاع، الذي تعرض وما زال يتعرض من خريف 2023 حتى كتابة هذه السطور في صيف 2026 إلى حرب إبادة صهيونية تهدف إلى تفريغه من أهله بواحد من ثلاثة سُبُل: إما القتل، إما التهجير، أما البقاء كعملاء في خدمة الاحتلال أي مجرد ذراع أيمن أو أيسر، يعمل في خدمة الصهيونية بأسماء فلسطينية.
ثم لبنان وسوريا، حيث فكرة الدولة في أضعف حالاتها، الدولة الهشة فيهما لا تملك قدرتها على البقاء من الداخل، لكن من توافق إقليمي ودولي قرر الإبقاء على حد أدنى من الدولة في لبنان، وكذلك على حد أدنى من الدولة في سوريا، كلتاهما تمثلان حالة من الهشاشة السياسية، تضعهما تحت رحمة أي انفجار داخلي مباغت، كما تضعهما تحت رحمة النزوات والغزوات الصهيونية التي لا تتوقف وتشبه حملات التأديب، التي تشنها الصهيونية على لبنان وسوريا دون رادع من لبنان أو سوريا، الدولة في لبنان مثل الدولة في سوريا تمثلان حالة من العجز التام عن القيام بأي ردع أو صد أو ردّ على أي عدون إسرائيلي .
ثم العراق، الذي لا تختلف فيه هشاشة الدولة عما هي عليه في ليبيا أو فلسطين أو لبنان أو سوريا، الجيش منقسم، والشعب منقسم، والروابط الجامعة شكلية واهية، يضمنها توافق إقليمي ودولي، ولا تستمد قوتها من المناعة الذاتية أو الحصانة الداخلية.
ثم من الجنوب الشرقي، اليمن حيث الدولة دولتان والشعب شعبان وكل منهما لا يملك من أمره شيئاً مع كثرة التدخلات الخارجية سواء من دول عربية لها مصالح في اليمن أو دول إقليمية لها مصالح كذلك مثل إيران.
هؤلاء هم من حول مصر من الجوار العربي المباشر والأقرب إليها.
إذا أضفت إلى ذلك، ما هو أخطر من كل ذلك، وهو المطامع الإثيوبية في مياه النيل الأزرق، الذي تريده أن يكون مملوكاً لها ملكية خاصة، وليس نهراً مشتركاً لكل دول حوض النيل، وسد النهضة ليس نهاية المطاف، إنما هو خطوة أولى على طريق صراع، لا تتورع إثيوبيا عن خوضه حتى النهاية، وليس أمام مصر من خيار، إلا أن تتجهز على مدار الليل والنهار؛ لتخوض بجدارة واقتدار صراعاً، فُرِض عليها، وعليها أن تنتصر فيه، لأن أي نهاية أخرى تعني تهديداً وجودياً جذرياً، ليس فقط لأمن مصر، ولكن تهديدا لبقائها ووجودها كدولة وأمة وشعب وحضارة من جذورها .
مصر بلد ذات طبع خاص، أمنُها وبقاؤها يرتبط بإقليمها ومن حولها، ليست مثل بريطانيا، تستطيع أن تملك ترف الانعزال بين الماء بعيداً عن جوارها الأوروبي القريب فوق يابس القارة، مصر قلب الإقليم الأقوى، كما هي كبده الأضعف، إذا عجزت عن حماية نفسها كمنطقة قلب، أتاها الخطر من داخلها ككبد ضعيف، لم يحدث في التاريخ أن تفككت مصر من الداخل (الكبد الضعيف) إلا عندما تعجز عن حماية نفسها من الخارج (القلب القوي)، وعندما يحدث ذلك يلعب التاريخ لعبته المتكررة: تسقط نخبة الكبد الضعيف وتصعد نخبة جديدة نخبة القلب القوي، كان الفاطميون نخبة كبد ضعيف، أوهى من أن تردع الحملات الصليبية، فأسقطها التاريخ وأصعد مكانها نخبة شديدة مقاتلة، نخبة كردية فتية قوية عفية، نخبة قلب أسد، وليست نخبة كبد مريض، أي الدولة الأيوبية، ثم دار التاريخ وتحولت النخبة الأيوبية إلى كبد ضعيف، أوهى من أن يمد مصر والشام والحجاز واليمن بأسباب القوة، فلعب التاريخ لعبته العادلة من جديد، فأصعد مكانها نخبة القلب القوي الجديدة، أي نخبة المماليك الذين كانوا أسود مصر والشرق عدة قرون، ثم دار الزمان دورته، وصار المماليك نخبة كبد ضعيف، فحلت محلهم النخبة العثمانية الصاعدة من هضاب الأناضول، تزأر زئير الأسود؛ لتكون نخبة القلب القوي الجديدة، ثم قبل مائة عام أو أكثر قليلا 1914 فكَّ الإنجليز ما بين مصر والعثمانية من روابط واهية، ثم سقطت العثمانية ذاتها، وزالت من التاريخ 1917، ومن ذلك التاريخ ومصر تكافح حتى يومنا هذا للخروج من أسر الكبد الضعيف إلى حيوية القلب القوي .
قصة هذا الكفاح موضوع مقال الأربعاء المقبل بمشيئة الله تعالى.






