تمثل جولة مفاوضات جنيف، التي جرت في 21 يونيو، أول اختبار عملي لقدرة واشنطن وطهران على الانتقال من “وقف إطلاق النار” إلى تسوية سياسية مستدامة، وصولاً إلى اتفاق نهائي مفترض خلال شهرين.
جاء هذا اللقاء رفيع المستوى في سويسرا، عقب إعلان مذكرة التفاهم في 14 يونيو وتوقيعها في 18 يونيو؛ ليكون المواجهة الدبلوماسية الأولى بعد حرب 28 فبراير 2026 الشرسة، والتي شهدت أكبر مواجهة عسكرية مباشرة بين الطرفين إثر فشل مباحثات عُمان وجنيف في ذات الشهر “فبراير“.
عكست تصريحات نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، حجم الرهان على هذا المسار الجديد؛ إذ أكد قبيل المحادثات، أن بلاده تركز على “قضيتين كبيرتين”: الملف النووي ووقف إطلاق النار في لبنان، معرباً عن ثقته في تثبيت الهدنة. بل ذهب أبعد من ذلك من منتجع “بورجنشتوك” السويسري، ملوّحاً باستعداد واشنطن لـ “تحويل علاقتها مع إيران بصورة جوهرية”، إذا تخلت الأخيرة عن طموحاتها النووية العسكرية ودورها الإقليمي.
في المقابل، دخلت إيران الجولة سعياً لتحويل “صمودها العسكري” إلى مكاسب اقتصادية وأمنية ملموسة. وركز وفدها بقيادة محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي على تنفيذ البنود الاقتصادية أولاً، وخاصة رفع العقوبات وإعادة الإعمار، مع اشتراط وقف الحرب على كافة الجبهات قبل الخوض في تفاصيل الملف النووي.
ويأتي الاجتماع كفرصة لتثبيت خيار التفاوض، لكنه كشف أيضاً أن طريق التسوية لا يزال تحوطه العقبات في التفاوض، الذي قادت الحرب إليه، نتاج مأزق القوة لدى الطرفين؛ فواشنطن التي استهدفت 13 ألف هدف، ودمرت 90% من البحرية الإيرانية، أدركت أن الحسم العسكري غير كافٍ لتغيير الوضع، بينما تدخل طهران المفاوضات من موقع دولة تعرضت لعدوان، سبب جراح وخسائر، لكنها تعطي نموذجا للقوة واختبار نتائج الصمود وجدوى التفاوض.
ومن هذا المأزق، ولدت مذكرة التفاهم، التي انتقلت من إطار عام إلى اختبار عملي في جنيف، باعتبارها محاولة لقياس قدرة الطرفين على تنفيذ التزاماتهما.
ويظهر اختلاف واضح في ترتيب الأولويات؛ فواشنطن تركز على إبقاء هرمز مفتوحاً، وتجميد المشروع النووي، وضبط حلفاء إيران، وتثبيت وقف إطلاق النار، بينما تركز طهران على المكاسب الاقتصادية، خصوصاً الأموال المجمدة، باعتبارها قضية سيادة وضرورة اقتصادية، بجانب رفع العقوبات.
الملفات الكبرى
داخل المنتجع السويسري المطل على بحيرة لوسيرن، الذي شهد سابقاً محطات من النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، تداخلت الملفات الأمنية والاقتصادية والنووية بشكل مترابط.
شارك في الوفد الأمريكي جيه دي فانس، إلى جانب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بينما ضم الوفد الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي ونائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي باقري كني، في دلالة على أن المفاوضات باتت تحمل قدرا متسعا من جوانب تقنية، تتعلق بمسار تنفيذ البنود.
وشهدت الجلسات توتراً مبكراً بعد تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالعودة إلى الخيار العسكري، إذا فشلت المفاوضات، بالتزامن مع اجتماعات مجموعة السبع، حيث قال: “إذا لم ينتهِ الأمر في 60 يوماً، سنعود للقصف.. سنعود لضرب رؤوسهم”. هذا دفع الوفد الإيراني إلى تعليق مشاركته مؤقتاً قبل استئنافها بعد انسحاب قصير، ساعة ونصف تقريبا، رداً على التهديد المستخدم كأداة ضغط متزامنة مع الجلوس على الطاولة، وأظهرت الحادثة طبيعة المواجهة بين الطرفين، حتى في الوقت الذي يتفاوضان فيه على تثبيت وقف الحرب.
الأموال المجمدة وهرمز.. الاقتصاد يقود السياسة
وإذا كانت الحرب قد بدأت بأسباب أمنية، فإن أولى خطوات تنفيذ المذكرة بدأت من الاقتصاد، إصلاح ما دمره العدوان، وتوظيف المواجهة لرفع العقوبات حتى ولو تدرجيا، وكانت أحد أبرز إنجازات الجولة تتمثل في تقدم بشأن الأموال الإيرانية المجمدة، فوفق المعطيات المتداولة في المفاوضات، جرى بحث الإفراج عن 12 مليار دولار على مرحلتين، (6 مليارات لكل منهما)، تحت آلية رقابة صارمة، اقترحها كوشنر لضمان توجيهها تحت آليات رقابية إلى الاستخدامات المدنية والاقتصادية.
كما ناقش الطرفان توظيف جزء من هذه الأموال في صفقات تجارية واستيراد سلع أساسية، في اختبار مبكر للثقة المتبادلة، بما في ذلك إمكانية شراء بعض السلع من الولايات المتحدة، خاصة الصادرات الزراعية، وهو ما يُذكر بمحطات سابقة، وسلوك أمريكي يرتبط بالمعونات والمنح وبرامج العقوبات.
لكن إيران رفضت على لسان عدد من مسئوليها، ما اعتبر اشتراطات، وقالت إن طهران وحدها هي من تقرر طريقة صرف الأموال المجمدة.
وكان مضيق هرمز محوراً أساسياً أيضاً؛ إذ تعتبره واشنطن ممراً استراتيجياً مرتبطاً باستقرار الطاقة العالمية، بينما تراه إيران ورقة سيادية، وأداة ضغط رئيسية، فعّلتها في الصراع، ولأجل تجاوز تعطله اقترح الجانب الأمريكي إنشاء خط اتصال مباشر مع طهران؛ لتفادي الحوادث وسوء التقدير، وهي خطوة أولية في التواصل الأمني بين الجانبين.
وأكد فانس، أن هناك تقدماً في ضمان استمرار فتح المضيق أمام الملاحة الدولية، فيما بدأت إيران تحركات دبلوماسية موازية مع دول المنطقة، من بينها زيارة وزير الخارجية إلى عُمان، وأعلن الطرفان تشكيل لجنة مشتركة لدراسة تكاليف الخدمات المرتبطة بإدارة مضيق هرمز، وذلك ضمن اتفاق، قال الجانبان، إنه يهدف إلى تنظيم حركة الملاحة في المضيق خلال المرحلة المقبلة، وعقب الإعلان الإيراني العُماني، جدّد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو موقف بلاده الرافض لفرض أي رسوم أو تكاليف على الممرات المائية الدولية، معتبرًا أن ذلك لا ينسجم مع القواعد المعمول بها في القانون الدولي.
لكن روبيو ليس ضمن التفاوض، ووضعت الإدارة الأمريكية، وخصوصا ترامب، جيه فانس، بوصفه الأقرب إلى إنهاء الحرب، والتركيز على مشروع “أمريكا أولاً” وسيمثل نجاح قيادته للمفاوضات تحقيق انتصار، يمهد له الطريق للرئاسة عام 2028، مما يدفعه لتبني خطاب، يوحي بإمكانية إحداث تحول تاريخي في العلاقة، إذا استجابت طهران للشروط حاليا، وربما مستقبلا إذ جاء رئيسا.
الساحة اللبنانية: اختبار النفوذ خارج الطاولة
رغم أن المفاوضات تدور حول مسار العلاقات الأمريكية الإيرانية بعد مذكرة التفاهم، فقد برز الملف اللبناني بقوة في النقاشات، في ظل تأثير مباشر للوجود الإسرائيلي، ميدانياً، سواء عبر استمرار العمليات العسكرية أو إعادة التموضع في الجنوب اللبناني. لذلك أُدرج الملف ضمن جدول المباحثات بعد إصرار طهران، ما عُدّ تحولاً في المقاربة الأمريكية، خصوصاً أن التصعيد في الجنوب بات أحد أبرز معوقات تنفيذ الاتفاق.
وتنص المادة الأولى من المذكرة على إنهاء كافة الأعمال العدائية بين طهران وواشنطن وحلفائهما، بما يشمل الساحات المرتبطة مباشرة بهذه المواجهة.
وتتمسك إيران، بأن وقف الأعمال العدائية يجب أن ينسحب على الساحة اللبنانية أيضاً، بينما تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية، وتبقي على ما تسميه “منطقة أمنية”. هذا التباين يجعل من هذا الملف أحد أصعب اختبارات تنفيذ الاتفاق، ويضع واشنطن أمام تحدي ضبط سلوك حليفتها، وسط توازن تحاول أن تلعبه على جبهتين، الضغط على حزب الله ومنع انهيار التهدئة مع إيران، وفى ذلك، ترعى محادثات مع الحكومة اللبنانية في واشنطن بالتزامن مع مفاوضات سويسرا.
كما يبرز خلال المفاوضات الأمريكية الإيرانية البند الـ 13 بوصفه المحرك الأساسي، إذ يشترط نصه بدء تنفيذ خمسة بنود مفتاحية (وقف الحرب، رفع الحصار، فتح هرمز، النفط، والأموال) قبل الانتقال إلى المفاوضات النهائية، وهنا تبقى معضلة الحرب على لبنان أيضا.
الملف النووي يحدد مصير الاتفاق
يبقى الملف النووي القضية التي ستحدد مصير الاتفاق مستقبلا، وعلى المدى البعيد، صحيح أن الحديث يتكرر عن الأموال المجمدة والملاحة ولبنان، لكن البرنامج النووي يعتبر جوهريا بالنسبة لواشنطن وطهران.
وفي هذا السياق، أعلن فانس أن إيران وافقت على عودة المفتشين الدوليين واستئناف عمليات الرقابة النووية، واصفاً ذلك بأنه أحد أهم مخرجات الجولة.
لكن هذا الإعلان لا يخفي استمرار فجوة كبيرة بين الجانبين. فبينما تتحدث واشنطن عن آليات تحقق موسعة، تؤكد طهران، أنها لن تسمح بتفتيش بعض المواقع، التي تعرضت للقصف خلال الحرب، ما يعني أن معركة التحقق النووي لم تبدأ فعلياً بعد، حتى مع توافق على تخفيض نسب التخصيب واعتراف بحق إيران امتلاك طاقة نووية مدنية مقابل مطالبتها بالتخلي عن الأسلحة الذرية، والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي القواعد والحقوق التي تضمنها معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي وقعتها إيران.
ومع ذلك، تبدو مهلة الستين يوماً التي حددتها المذكرة لإنهاء كل نقاط الخلاف أقرب إلى سباق مع الزمن، وهي اختبار ما إذا كان ممكنا التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي أم لا، وكذلك رفع فعلي للعقوبات الاقتصادية وتنفيذ خطوات عملية في الاعمار والتنمية، لكن البنود الاقتصادية ومنها طرح خطة إعادة الإعمار (بمبلغ 300 مليار دولار) يمثل أيضا أداة ضغط لضمان الامتثال النووي طويل الأمد، ويذكر بالمشروطية والمرحلية، التي جرى تحليلها سابقا، في متن المذكرة، بل وبعملية التفاوض بشأن اتفاق غزة.
الجبهة الداخلية: بين الانتصار والتوجس
اتخذت ردود الأفعال إيرانيا شكلين؛ ردا على مذكرة التفاهم وعملية التفاوض حتى الآن، وتعكس ارتباكا سياسيا وانقساما يتجاوز تصنيفات قديمة بين معسكر إصلاحي وآخر محافظ، فمن جانب، ساد بشكل عام جو احتفائي واعتبار المذكرة تدشين للنصر والصمود، ونتيجة عملية لفشل الحرب الأمريكية في إسقاط النظام رغم اغتيال المرشد علي خامنئي، وأعمال التدمير والعدوان والحصار.
يروج لهذا الانتصار على أنه “جيو سياسي” بامتياز، حيث فرضت إيران شروطها عبر “سلاح الجغرافيا” في مضيق هرمز، ويرى تيار الانتصار، وهو يضم الإصلاحيين والمعتدلين، أن الاتفاق المخرج الوحيد من الكارثة الاقتصادية والحروب الأبدية، ويركزون على أهمية رفع العقوبات بالكامل، ويضم أيضا المحافظين المعتدلين والجيش، ويقوده محمد باقر قاليباف (رئيس البرلمان وكبير المفاوضين) مدعوماً من الحرس الثوري بصيغة أن “الدبلوماسية والميدان (الصراع العسكري) يكملان بعضهما”، وأن الاتفاق يكرس قوة إيران الإقليمية.
الخوف من التنازلات والخديعة الامريكية
وفي المقابل، يرى تيار قريب من الباسيج وهي قوات تابعة للحرس الثوري، أن التفاوض مع قاتل المرشد يمثل “عاراً وخيانة” لدماء القيادة، محذرين من الخديعة الأمريكية، ويرى تيار الرفض والمقاومة والمكون غالبيته من المحافظين المتشددين، وتتزعمه جبهة الصمود” (جبهة بايداري) المقربة من سعيد جليلي، أن التفاوض يخون دماء الشهداء، ويعتبر تفريط في دماء القادة، وهم يرفضون مبدأ التفاوض مع واشنطن من الأساس.
وقاد هؤلاء تحركات في شكل مظاهرات في ساحة ابن سينا بوسط طهران، وأمام مبنى وزارة الخارجية في مدينة مشهد (أحد مراكز النشاط الدعوي تاريخيا)، ورفعت شعارات: “عراقجي استحي واترك البلاد”، وقاليباف، عراقجي، فماذا عن دم الشهداء ، واعتبروا أن قف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز خطأ (يقلل من فرص الحصول على التعويضات)، ولا بد من طرد القوات الأمريكية نهائياً من المنطقة.
في هذا المشهد، تواجه القيادة الإيرانية (بزشكيان وقاليباف) تحدياً مزدوجاً؛ فهي مطالبة بإثبات “جدوى” الاتفاق اقتصادياً للشارع المتذمر، وإقناع الصقور في الداخل، بأنها لم تفرط في “الخطوط الحمراء” للثورة مقابل وعود أمريكية هشة.
بالمقابل، هناك أصوات ترفض الاتفاق في واشنطن، حيث رأت كتلة، غالبيتها مؤيدة لإسرائيل من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، أن الاتفاق أيضا خطأ وهزيمة، وقاموا بتوجيه انتقادات لترامب، بينما رد هو عليهما ووصف معارضي الاتفاق بالأغبياء، ردا على دعايتهم، حول أن المذكرة أسوأ من اتفاق 2015″، كونها تمنح إيران أموالاً (12 مليار دولار) دون تفكيك كامل لقدراتها الصاروخية أو نفوذها الإقليمي، ويرفع عنها العقوبات مع بقاء برنامجها النووي، وقد قام ترامب أيضا بالهجوم على الاتفاق الموقع في عهد بارك أوباما.
جولة جنيف مكاسب إيرانية وضغط إسرائيلي غير مباشر
إجمالا الجولة أرست بنية أولية للتواصل المباشر، وحققت تقدماً في ملفات الأموال المجمدة والملاحة والرقابة النووية، وفتحت الباب أمام مفاوضات، تتناول التفاصيل خلال الأسابيع المقبلة.
إلا أن مصير هذا المسار سيظل مرتبطاً بثلاث عقد رئيسية: مستقبل الوجود الإسرائيلي في لبنان، وآليات التحقق النووي، وحجم التنازلات المتبادلة في ملف العقوبات على طاولة مفاوضات ربما ستتنقل بين عواصم إلى أن تصل إلى صياغة قرار أممي في مجلس الأمن، يحولها الى اتفاق شامل.






