يشكل الاتفاق الإطاري الأخير بين لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، أكثر من مجرد تفاهم أمني يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار، أو إعادة الانتشار العسكري في جنوب لبنان. فهو يعكس تحولاً أعمق في المقاربة الأمريكية لإدارة أزمات الشرق الأوسط، ويبدو جزءاً من هندسة إقليمية متكاملة تشمل في الوقت ذاته التفاهمات الأمريكية مع إيران، وإعادة صياغة البيئة الأمنية في لبنان، والسعي إلى تقليص احتمالات اندلاع حرب إقليمية جديدة.

اقرأ.. بنود الاتفاق بالكامل

ولا يمكن فهم هذا الاتفاق بمعزل عن ثلاثة سياقات مترابطة:

  • المقارنة التاريخية مع اتفاق 17 أيار (مايو) 1983 والذي نجحت القوى الداخلية اللبنانية والضغوط الإقليمية والدولية في إسقاطه في حينه؛
  • الاختلاف الظاهر بين مقاربة وزير الخارجية ماركو روبيو ونائب الرئيس جي دي فانس؛
  • المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي تبدو مكملة للمسار اللبناني أكثر من كونها منفصلة عنه.

ومن هنا فإن الاتفاق لا ينبغي قراءته باعتباره تسوية ثنائية بين لبنان وإسرائيل، بل باعتباره إحدى حلقات مشروع أمريكي جديد -ما زال في طور التكوين والتشكيل، وما زال يخضع للتجاذبات- لإدارة النظام الإقليمي.

أولاً: من اتفاق 17 أيار إلى الاتفاق الإطاري الجديد

يخيم شبح اتفاق 17 أيار 1983 على كل محاولة أمريكية لترتيب العلاقة الأمنية بين لبنان وإسرائيل. فعلى الرغم من مرور أكثر من أربعة عقود، فإن الظروف التي أنتجت الاتفاقين تكاد تكون متشابهة بصورة لافتة.

في الحالتين:

  • خرج لبنان منهكاً وممزقاً من حرب مدمرة.
  • سعت إسرائيل إلى إقامة منطقة أمنية دائمة على حدودها الشمالية.
  • حاولت الولايات المتحدة تحويل التفوق العسكري الإسرائيلي إلى ترتيبات سياسية مستدامة.
  • وجد لبنان نفسه يتفاوض في ظل اختلال واضح في موازين القوى.

غير أن اتفاق 17 أيار انهار سريعاً، ليس بسبب ضعف نصوصه القانونية، وإنما بسبب افتقاره إلى الشرعية السياسية الداخلية. فقد اعتبرته قوى لبنانية عديدة تعبيراً عن ميزان القوى الذي فرضته إسرائيل والولايات المتحدة أكثر من كونه تعبيراً عن توافق وطني لبناني. وأثبتت الأحداث لاحقاً أن أي اتفاق أمني في لبنان لا يمكن أن يستمر ما لم يحظ بقبول القوى السياسية والطائفية الأساسية، أو على الأقل بعدم اعتراض القوى الإقليمية المؤثرة. وهذه الحقيقة لم تتغير حتى اليوم.

ثانياً: هل تعلمت واشنطن من تجربة 1983؟

يبدو أن الولايات المتحدة استخلصت دروساً مهمة من فشل اتفاق 17 أيار. فالهدف اليوم لم يعد توقيع معاهدة سلام أو إقامة علاقات طبيعية بين لبنان وإسرائيل، وهو الهدف المؤجل والمأمول كهدف ممكن تحقيقه على المدى الطويل.

بل أصبحت هناك عدة أهداف أكثر تواضعاً وأكثر برجماتية:

  • تثبيت الحدود.
  • انسحاب إسرائيلي تدريجي مشروط بقيود كثيرة.
  • انتشار الجيش اللبناني على كامل التراب اللبناني.
  • معالجة مستقبل سلاح حزب الله وبنيته الأساسية ومنظومته الاقتصادية ضمن إطار أمني متدرج.
  • إنشاء آليات مراقبة أمريكية ودولية تضمن تقديم التمويل لإعادة الإعمار، كأحد الثمار المأمولة في حالة النجاح في تحقيق هدف التخلص من الحزب.

لقد انتقلت واشنطن من صناعة السلام إلى إدارة الاستقرار، ومن محاولة إنهاء الصراع إلى محاولة ضبطه.

ثالثاً: بين دبلوماسية روبيو وبرجماتية فانس

يكشف الاتفاق أيضاً عن وجود مدرستين داخل الإدارة الأمريكية تتصارعان لرسم الرؤية المستقبلية، ولعل هذا يكون أول بوادر الاستعداد للمعركة الانتخابية القادمة والهادفة لاختيار المرشح المقبل للحزب الجمهوري وخليفة ترامب.

تمثل مقاربة ماركو روبيو المدرسة التقليدية للدبلوماسية الأمريكية، التي تنطلق من فكرة إعادة بناء الدولة الوطنية، وتعزيز المؤسسات، واحتكار الدولة للسلاح، وإقامة ترتيبات أمنية قابلة للاستمرار.

أما جي دي فانس، فيمثل توجهاً أكثر واقعية وبرجماتية، ينطلق من الاعتراف بأن إيران أصبحت لاعباً لا يمكن تدويله أو تجاوزه، وأن أي استقرار دائم في لبنان أو سوريا أو العراق يستحيل تحقيقه دون تفاهمات مباشرة مع طهران. ولذا تبدو المفاوضات الأمريكية الإيرانية مكملاً طبيعياً للاتفاق اللبناني الإسرائيلي، رغم سعي البعض للتفرقة بين المسارات.

كما تظهر المفارقة، فروبيو يتفاوض مع الدول أما فانس فيتفاوض مع موازين القوى.

رابعاً: لبنان كساحة اختبار للعقيدة الأمريكية الجديدة

لم يعد لبنان بالنسبة لواشنطن مجرد ملف مستقل، بل أصبح نقطة التقاء ثلاثة مسارات:

  • الأمن الإسرائيلي.
  • مستقبل النفوذ الإيراني.
  • إعادة بناء الدولة اللبنانية.

وبذلك يتحول لبنان إلى مختبر لاختبار العقيدة الأمريكية الجديدة. فنجاح الاتفاق لن يقاس فقط بمدى انسحاب إسرائيل، وإنما بقدرة الولايات المتحدة على المواءمة بين تعزيز سيادة الدولة اللبنانية، وعدم دفع إيران إلى اعتبار الاتفاق محاولة لتفكيك منظومة الردع التي بنتها عبر حزب الله.

خامساً: الإشكالية القانونية.. هل يتراجع دور القانون الدولي؟

من أخطر الأسئلة التي يثيرها الاتفاق مسألة المساءلة القانونية الدولية. فإذا كان تنفيذ الاتفاق يؤدي عملياً إلى إحجام لبنان عن اللجوء مستقبلاً إلى المحاكم والهيئات الدولية بشأن الانتهاكات الإسرائيلية وفقاً للبند رقم 13، فإن ذلك لا يعني بالضرورة سقوط حقوقه القانونية، ما لم يتضمن الاتفاق النهائي نصاً صريحاً بهذا المعنى.

إلا أن الأثر السياسي قد يكون بالغ الأهمية وداعياً للتخوف. فقد تصبح التسويات السياسية بديلاً عن المسارات القضائية، وهو ما يفتح الباب أمام سابقة قد تمتد إلى نزاعات أخرى في المنطقة.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تتجه المنطقة نحو استبدال العدالة الدولية بالدبلوماسية التفاوضية؟ مع كل ما يحمله ذلك من تبعات سلبية وما يؤسسه من سابقة تهدم مسار العدالة الدولية التي نعرفها.

سادساً: لماذا قد يفشل الاتفاق؟

على الرغم من اختلاف الصياغة القانونية للاتفاق الحالي عن اتفاق 1983، فإن التحديات البنيوية ما زالت قائمة. فلبنان لا يزال يعاني من تعدد مراكز القرار، ولا تزال السيادة موزعة عملياً بين كل من: الدولة، الأحزاب الطائفية، القوى المسلحة غير الحكومية، والتأثيرات الإقليمية.

ومن ثم فإن تنفيذ الاتفاق لا يعتمد على الحكومة اللبنانية وحدها، بل يتوقف على قبول القوى السياسية الأساسية، وفي مقدمتها حزب الله. وهنا تكمن المعضلة؛ فالولايات المتحدة تستطيع التوسط في التفاوض ولكنها لا تستطيع خلق شرعية داخلية. خاصة مع تأكيد العديد من الأطراف اللبنانية أن ما لم تحصل عليه إسرائيل في ميدان القتال، لا يجوز أن تنهبه على طاولة المفاوضات. كما أن الضمانات الأمريكية لا تستطيع أن تحل محل التوافق الوطني. وهذا تحديداً ما أسقط اتفاق 17 أيار.

خاتمة

إذا كان اتفاق 17 أيار قد مثل محاولة أمريكية لإعادة ترتيب المنطقة، فإن الاتفاق الإطاري الحالي يعكس تحولاً جذرياً في الفكر الاستراتيجي الأمريكي قيد التشكل. فواشنطن لم تعد تسعى إلى إنهاء الصراعات، وإنما إلى إدارتها، ولم تعد تراهن على التسويات النهائية، وإنما على ترتيبات مرحلية قابلة للتعديل.

غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى مرهوناً بشرط لم يتغير منذ عام 1983؛ فأي اتفاق يتعلق بلبنان، مهما بلغت قوة داعميه الدوليين (وخاصة بعد تخلي الدولة اللبنانية عن الدور الأوروبي وخاصة الفرنسي، فضلاً عن الأمم المتحدة) لن يكتب له الاستمرار إذا لم يتحول من تفاهم دولي إلى توافق لبناني داخلي، وإذا لم يأخذ في الاعتبار التوازنات الإقليمية المحيطة.

ومن ثم، فإن الاتفاق الإطاري الحالي ليس مجرد اختبار للعلاقات اللبنانية–الإسرائيلية، بل هو اختبار للعقيدة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط بأكملها، ولمدى قدرتها على التوفيق بين متطلبات الأمن، وحدود القانون الدولي، وحقائق التوازنات الإقليمية.

ويبقى الدور المنتظر من القوى الإقليمية، وهو ما سنتعرض له في مقال قادم.

سفير مصر السابق في لبنان