هناك عوامل محددة ساعدت الجماعات السياسية الإسلامية على بناء “المجتمع العميق” في العالم العربي عموما، وفي مصر على وجه الخصوص، منها:

1 ـ جمعنة الإسلام: فهناك اعتقاد راسخ في أن الإسلام “دين الجماعة”، بما يفرض على الفرد المسلم التزامات محددة حيال الآخرين، لا تقتصر على الزكاة والصدقات والوقف والهبات وصلة الرحم وحقوق الجيران، إنما تمتد إلى الوعظ والنصح والإرشاد في إطار “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” وتحت طائلة فكرة “الأمة”، التي تحتاج إلى “النصرة” الدائمة، وهذا يخلق تفاعلات اجتماعية متعددة، تنتشر أفقيًا وتتصاعد رأسيًا، وتتقاطع وتتلاقى في مفاصل لا حصر لها، فتخلق عمقًا اجتماعيًا متواصلًا، يمثل حائط صد في وجه النزعات الفردانية، التي عرفتها مجتمعات أخرى بعد الثورة الصناعية.

2 ـ توالي الحقب الاستعمارية: فالعالم العربي توالت عليه حقب استعمارية، خلقت مع تعاقب القرون شعورًا دفينًا، بأن “حكم الغريب” بات قدرًا، ولذا، فإن المجتمع عليه أن يدبر شئونه، ليحمي وجوده، ويضمن استمراره. وبلغ اعتماد المجتمع على نفسه في هذا الشأن درجة عالية، فكانت الأمور تسير على ما يرام، إن سقطت السلطة السياسية أو غابت ولو لسنوات.

وزاد من درجة الاعتماد تلك، أن السلطات السياسية المتعاقبة افتقدت إلى الديمقراطية، التي تعني في جانب منها مشاركة الناس في اتخاذ القرار واحترام حقوقهم وحرياتهم، بما دفع المجتمع إلى فقدان الثقة في هذه السلطة، وتخفيف درجة الاعتماد عليها. وإذا كانت بعض الدولة العربية في العقود الأخيرة قد تعمقت اجتماعيًا من خلال سياسات التوظيف والتأمين وتقديم الخدمات، فإن تراجع قدرتها على التوظيف، وانحرافها بالتأمين إلى القمع، وتدني مستوى الخدمات القادرة على تقديمها، أدى إلى عودة المجتمع للاعتماد على ذاته إلى حد ما.

3 ـ التمييز متعدد الأوجه: فالدول العربية في الغالب الأعم مكونة من تكوينات اجتماعية موزعة على أعراق ومذاهب ولغات وثقافات متنوعة، شأنها شأن الأغلبية الكاسحة من دول العالم، إذ لا توجد دولة لدين واحد وطائفة واحدة وعرق واحد ومذهب واحد ولغة واحدة وطبقة واحدة. لكن الفارق بين الدول العربية وغيرها أن مبدأ المواطنة الذي لا يفرق بين أفراد الشعب على أي من هذه الخلفيات التكوينية لا يزال ضعيفًا أو غائبًا، الأمر الذي قاد الفئات والشرائح التي تعاني من التمييز ضدها إلى بذل جهد فائق من أجل تصريف أمورها معتمدة على نفسها.

4 ـ قِدم المجتمعات العربية: فنحن أمام مجتمعات تصل أعمارها إلى آلاف السنين، وهذه العراقة خلقت مع مرور الوقت سمات تعزز درجة اعتماد المجتمع على نفسه، وتمنح فرصًا متواصلة لترسب القيم والمنافع إلى الأعماق البعيدة، وتخلق تاريخًا اجتماعيًا مديدًا، وموروثا شعبيًا كبيرًا، تنهل منه الأجيال الحالية، فتزداد ثقتها في قدرة الجماعات البشرية، التي سكنت هذه المنطقة على إبداع أسباب البقاء، وتحوز استطاعة على التكيف مع المحن العديدة، التي تعرضت لها على مدى هذا الزمن الطويل.

5 ـ طبيعة العمران: ففي العالم العربي مدن قديمة، تصطف بناياتها متجاورة ومتقابلة، وتنتهي الساحات والميادين بشوارع بعضها ضيق، والتي بدورها تنتهي بحارات وأزقة، تعزز علاقات الوجه للوجه، فتزيد من درجة اعتماد المجتمع على نفسه. وهي مسألة تنطبق أكثر على الريف العربي.

هذه السمات الخمس تصنع من دون شك عمقًا اجتماعيًا راسخا وقويًا، لكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقام هو: ما تأثير هذا العمق الاجتماعي على الدولة في العالم العربي؟

الإجابة تبدو يسيرة في ضوء الخبرة التي عاشها العالم العربي في السنوات الأخيرة، وهي تتوزع على أمرين أساسيين:

1 ـ إذا كان هذا العمق طوعيًا ومتماشيًا مع توجهات “الدولة الوطنية”، والأفكار أو التصورات، التي ينطلق منها منسجمة مع الثقافة المدنية والموروثات الشعبية، التي تحفظ تماسك الجماعة الوطنية، فإن هذا العمق يساعد الدولة على الصمود في وجه عوامل التفكك والانهيار، ويعطيها، حتى لو كانت هشة، فرصة لتتعلم من تجربة الماضي، وتبني على المجتمع العميق فتحافظ على وجودها وتنطلق به إلى الأمام.

2 ـ إذا كان هذا العمق منجذبًا إلى جماعات أو تنظيمات أيديولوجية، تعمل على هدم الدولة الوطنية، أو لا تؤمن بها، فمن دون شك سيُستغل في تهشيم ما تبقى من الدولة، لإسقاطها وإقامة كيان سياسي آخر محلها. ولهذا يبدو العمق الاجتماعي الذي تصنعه الجماعات والتنظيمات السياسية، التي تتخذ من الإسلام إطارًا أو أيديولوجية لها، ليس ميزة أو إضافة للدولة في بعض الأحيان، إنما قد يكون خَصمًا من رصيدها.

أما الذي يمكن أن يصب في رصيد الدولة فهو ما يفعله الدعويون، وليس أصحاب المشروع السياسي من الجماعات الدينية، فمن لا يرهن أو يوظف الدين في تحصيل السلطة السياسية، حيث يفيد تفكيرهم وتدبيرهم الدولة في جانبين، الأول هو تطبيب العوز الاجتماعي لفئات وشرائح فقيرة ومهمشة من خلال تنشيط العمل الخيري أو التراحمي، والثاني، هو تعزيز القوة الناعمة للدولة من خلال ترسيخ الأخلاق، والطاقة الروحية الإيجابية لدى أفراد المجتمع.

وتشير مراجعة أدبيات الجماعات السياسية الإسلامية وتصرفاتها، بوجه عام، إلى أنها تنظر إلى مؤسسات الدولة، التي يطلق عليها البعض “القوة الصلبة” أو “القلب الصلب” أو “الدولة العميقة”، وهي غالبًا الجيش والشرطة والقضاء، باعتبارها حائلًا بينها وبين بلوغ السلطة السياسية والاحتفاظ بها، والاستقرار فيها، وأنه لا يمكن مواجهتهما إلا بكتلة بشرية ضخمة، موزعة على مختلف الطبقات الاجتماعية، خصوصًا من تلقي بهم الظروف الاقتصادية على قارعة الطريق، خاصة هؤلاء المهاجرون من الريف إلى المدينة، ولا يجدون عملًا، ويعيشون في الأحياء الفقيرة.

فقد وجد كثير من هؤلاء في الجماعات السياسية الإسلامية مصدرًا لبعض الأعطيات والصدقات بعد أن أعطت أغلب الدول ظهرها لعملية تنمية حقيقية وناجزة وضرورية لمواجهة الفقر والتهميش، في ظل العجز الذي أصاب قدرتها على التوظيف، وتقديم مختلف الخدمات للمواطنين، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والتموين.

والحقيقة التي لا مهرب منها هي، أن بناء “العمق الاجتماعي” للإخوان والسلفيين في أوقات عديدة، لم يكن بعيدًا ليس فقط عن عجز الدولة في تقديم الخدمات للمواطنين، إنما أيضًا عن تواطؤها أو صمتها وأحيانا دعمها للجماعات السياسية الإسلامية، فحسن البنا، مؤسس الإخوان، وقف مع الملك فاروق ضد الحكومة غير مرة، وتعامل مع إسماعيل صدقي رئيس الوزراء المصري المستبد، وأيد موقفه ضد حزب الوفد، الممثل السياسي الحقيقي للأمة المصري، فحصل البنا بمقتضى هذا على إعانة من وزارة التربية والتعليم عام 1946، مكنت الجماعة من بناء مدارس والحصول على كتب وقرطاسية مجانية، كما قامت الوزارة بدفع النفقات التعليمية والإدارية لهذه المدارس.

وحكى أحمد حسين زعيم مصر الفتاة في مرافعته القضائية عن أحد المتهمين في قضية مقتل رئيس وزراء مصر محمود فهمي النقراشي 1949، أن حامد جودة الوزير السعدي، في حكومة حسين سري 1941، قد حضر إلى المعتقل الذي حل فيه حسن البنا مؤسس الإخوان، واجتمع به لساعات، وبعدها أُفرج عنه وأتباعه، وتُرك بقية المعتقلين من الاتجاهات السياسية الأخرى، وذلك بغية مساندة الإخوان للسعديين، مقابل أن يتركوا له حرية الحركة والدعوة والانتشار، وغضت الحكومة الطرف عن مخالفة البنا للقانون في إنشائه نظام الجوالة، كما كانت المؤسسات الاجتماعية للإخوان كالمستشفيات والمدارس وجميعات البر، تنشأ تحت رعاية وزارة الشئون الاجتماعية، التي كانت تمنحها الإعانات أيضا، كما تمنح شعبة الإخوان الخمسمائة بعض المساعدات، خاصة عبر مجالس المديريات والبلديات.

وعقب ثورة يوليو 1952، نسق جمال عبد الناصر مع الإخوان في السيطرة على المجتمع، حيث أغروه بأنهم البديل الاجتماعي للأحزاب السياسية، ولذا أقدم على حلها مطمئنًا، لكنه سرعان ما اصطدم بهم، حين تصرفوا على أن الضباط الأحرار مجرد مجموعة عسكرية في الواجهة، عليها أن تنفذ مشروع الإخوان وتمتثل له، وتسلم مقاليد الأمور في البلاد تدريجيًا لقيادات إخوانية.

وحين أراد السادات محاصرة اليسار، الذي اشتد عوده في زمن عبد الناصر، وظف التيار الديني المُسيس في تحقيق هذا الهدف، وفتح له باب الجامعات والمؤسسات والنقابات ليتمدد فيها، وهو في مأمن من أي نقد أو خوف من هذا المسلك الخطر، فما كان منه إلا أن استفحل، وملك زمام المبادرة، ولم يعد طوع بنان السادات نفسه، بل اصطدم به ثم اغتاله في نهاية المطاف.

وهنا يذكر بعض قادة الإخوان، أن التنظيم كان قد أوشك على الانقراض في أواخر عهد عبد الناصر، بعد صدامي 1954 و1965 ونبذ قطاعات من المجتمع للفكر الإخواني، لكن السادات أعطاه قبلة الحياة، ويدللون على هذا بأنه حين طُلب من القيادي الإخواني مصطفى مشهور، الذي صار مرشدًا للجماعة فيما بعد، أن يتواصل مع كوادر الإخوان في مختلف المدن والقرى تحت رعاية أجهزة الأمن، عاد إلى كراسة قديمة كان قد سجل فيها أسماء هؤلاء وعناوينهم وخبأها، فلم يجد من يتواصل معه سوى خمسمائة شخص فقط، فبدأ بهم في إعادة تكوين جماعة الإخوان، ونجح فيما بعد عبد المنعم أبو الفتوح في ضم الآلاف من شباب الجماعة الإسلامية في الجامعة إلى جماعة الإخوان، لتبدأ رحلة تأسيسها الثاني، الذي انتهى بوصولها إلى السلطة عام 2012 وسقوطها عنها بعد عام واحد.

وقد أثبتت بحوث ميدانية حديثة بالفعل، أن هذه الجماعات تسارع لتعويض العجز، الذي تعانيه كثير من الدول في توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية لمواطنيها، وخاصة بالمناطق الفقيرة في الأرياف والأحياء العشوائية في المدن. ففي هذه المناطق أنشأت الجماعات مؤسسات لتقديم الخدمات الاجتماعية مثل المستشفيات والعيادات وجمعيات المساعدة القانونية، وساهمت في المشروعات الاقتصادية كالبنوك الإسلامية وبيوت الاستثمار وشركات التأمين، وتغلغلت في التعليم مثل المدارس ودور الحضانة ومعسكرات الشباب وسلك التدريس الجامعي، وصار لها باع في مجال النشر الديني والإذاعة، وكثير من مشاريع التكافل الاجتماعي، ومنها على سبيل المثال المجموعات غير الرسمية الخاصة بالادخار والمعروفة باسم الجمعيات، أو القروض الدوارة، حتى أن بعض أتباع هذه الجماعات أصبحوا بمنزلة أخصائيين اجتماعيين، ومساعدين في جهود التخفيف من حدة الفقر.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، اتبعت “جماعة الإخوان المسلمين” عدة وسائل في تحقيق التمدد الاجتماعي، منها وسائل اجتماعية، مثل تكوين الفرد الإخواني، فالأسرة الإخوانية، وصولًا إلى المجتمع الإخواني، لبلوغ ما تسميها “أستاذية العالم”، ووسائل اقتصادية في شكل شركات استثمارية ومحال تجارية وورش وصرافات ودور حضانة ومدارس ومطاعم.. إلخ، ووسائل تعليمية عبر التغلغل في المدارس الرسمية والجامعات، وإنشاء مدارس تابعة للجماعة، تدرس المقررات الحكومية، لكن أتباعها يحرصون على تسريب “المنهج الخفي”، الذي يعبر عن أفكارهم إلى رؤوس التلاميذ والطلاب. فضلًا عن هذا سعت الجماعة إلى السيطرة على المجال القانوني والاجتماعي، عبر البحث عن “دين للدولة”، ومحاولة إقامة “دولة الدين”، وتكوين كيانات ومؤسسات بديلة لسلطة الدولة، والتنسيق مع الجماعات الإسلامية الأخرى، وتبادل المنافع معها.

لكن التصرف المضاد للأنظمة الحاكمة يجعل في بعض الأحيان هذه الجماعات، تفقد تدريجيًا جزءًا ليس باليسير من عمقها الاجتماعي، الذي صنعته على مهل عبر عقود من الزمن ومن خلال وسائل عدة، وكان يشكل بالنسبة لها “الذخيرة البشرية”، التي تستمد منها العزم والنصرة، سواء عبر حشود جماهيرية متتابعة هي أقرب إلى “استعراض القوة” أو عبر التصويت في الانتخابات بدءًا من الاتحادات والروابط إلى الانتخابات التشريعية مرورًا بالنقابات المهنية ثم الانتخابات التشريعية والرئاسية.

وهذا الفقدان جاء عمومًا في ركاب الهزة العنيفة، التي تعرضت لها هذه الجماعات عقب إطاحة حكمها في مصر وتونس، ولم يقتصر على تأميم أو مصادرة أموالها ومشروعاتها، إنما أيضًا الزج بقادتها خلف أسوار السجون، وإطلاق حملات إعلامية خلقت لها على الأقل في البداية، شيئًا من الاستهجان الاجتماعي.

وقد تجلى فقدان الجماعات لعمقها الاجتماعي في عدة مظاهر منها: أفول سحر خطابها، وفقدانها جزءًا كبيرًا من صورتها كضحية أو شهيدة أو مناضلة، وانتباه الدولة إلى ضرورة السيطرة على منافذ الوعظ، ومراقبة مؤسسات الرعاية الاجتماعية، مما أفقدها تباعًا القدرة على مواصلة التجنيد والتعبئة.

فضلًا عن هذا، بات مسار الجماعات السياسية الإسلامية لتكوين المجتمع العميق، يواجهه خطابًا دينيًا مضادًا، يتبنى أصحابه رفض القرآن الكريم استغلال الصدقات والمساعدات والإعانات في أمور سياسية، ويريد لما يقدمه فرد أو جماعة لمساعدة آخرين، أن يكون خالصًا لوجه الله تعالى, ويستند أصحاب هذا الخطاب على تأويلات مفصلة للعديد من الآيات القرآنية مثل:”إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا””الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون””يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر”.

اقرأ أيضا: “المجتمع العميق”.. الشبكات الاجتماعية والاقتصادية للجماعات السياسية الإسلامية (1 ـ 2)